شكلت سنة 2016م سنة متميزة في حراك الشعب المغربي التواق إلى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ففي ربوع الوطن وفي مختلف القطاعات والقضايا تحرك الشارع المغربي لانتزاع حقوقه المسلوبة بوسائل حضارية وسلمية، لكنها رغم ذلك لم تسلم من قمع دولة لا تتقن إلا لغة التخويف والتنكيل وقمع الأحرار من أبناء هذا الوطن العزيز. وفي المقابل شكلت هذه السنة سنة الفشل الذريع للعرض السياسي الرسمي حيث العزوف المنقطع النظير عن الانتخابات البرلمانية التي أجريت في السابع من أكتوبر 2016م، ثم ما تلاه من عبث تشكيل الحكومة الذي أفقد العملية السياسية الرسمية والمؤسسات المنبثقة عنها أية صفة للتمثيل الشعبي.

ولأن جماعة العدل والإحسان اختارت الاصطفاف إلى جانب الشعب والدفاع عن قضاياه المصيرية وهمومه اليومية، كانت الجماعة في قلب هذا الحراك الشعبي عبر مؤسساتها المختلفة دعما وتأييدا وتضامنا. سنحاول في هذا التقرير الوقوف عند أهم قضايا الحراك الشعبي خلال سنة 2016م ومدى تفاعل الجماعة مع نبض الشارع المغربي.

1- الأساتذة المتدربون.. درس الكرامة من فوج الكرامة

أثار إقرار الحكومة للمرسوم الصادر بتاريخ 23 يوليوز 2015 تحت رقم 2-15-588 القاضي بفصل التكوين عن التوظيف والمرسوم الوزاري رقم 2-15-589 القاضي بتخفيض مبلغ المنحة من 2450 درهم إلى 1200 درهم، موجة استياء ورفض في صفوف الأساتذة المتدربين بالمراكز الجهوية لمهن التربية والتكوين، لما يشكلان من ضرب لحق الولوج إلى الوظيفة العمومية واستهداف مباشر للمدرسة العمومية بالذات. وما إن بدأ الموسم التكويني 2016/2015م حتى انطلقت معركة التنسيقة الوطنية للأساتذة المتدربين ضد المرسومين المشؤومين لتتحول إلى قضية شعب بأكمله إثر التدخلات الهمجية التي طالت فوج الكرامة في مسيراتهم البطولية، ليتوج صمودهم بتوقيع محضر اتفاق مع الحكومة بتاريخ 25 أبريل2016م بتعليق تنفيذ مرسوم فصل التوظيف عن التكوين وتوظيفهم بعد إجراء مباراة شكلية في نهاية دجنبر 2016م.

وقد كان القطاع النقابي وقطاع التربية والتعليم للجماعة من أولى التنظيمات التي أعلنت تأييدها لمطالب الأساتذة المتدربين، وهكذا واكبا المعركة منذ بدايتها تأييدا وتضامنا ميدانيا واستنكارا لمسلسل القمع الذي سلط على أصحاب الوزرة البيضاء الشريفة بشرف العلم، بل دعا قطاع التربية والتعليم في بيان له إلى تشكيل جبهة وطنية لمساندة ودعم معركة الأساتذة المتدربين.

ومن جانبها دعت الهيئة الحقوقية للجماعة بعد مجزرة الخميس 07 يناير 2016م إلى جبر ضرر الأساتذة المتدربين ومحاسبة المتورطين في قمع مسيراتهم واعتصاماتهم السلمية، كما أعلنت شبيبة العدل والإحسان دعمها وتضامنها مع نضالات المتدربين بعد مجزرة الخميس الأسود عبر مشاركتها، إلى جانب هيئات أخرى، في الوقفة المنددة بهذا القمع يوم 10 يناير أمام البرلمان . ولم يخرج القطاع النسائي عن القاعدة واختار أن يتضامن مع هذه الفئة بطريقته الخاصة حيث زف تهنئة للأستاذة المتدربة في يوم المرأة العالمي 08 مارس.

و”بتهمة التضامن” مع الأساتذة المتدربين قامت السلطة المغربية في شخص وزارة التربية الوطنية بإصدار قرار توقيف القيادي في الجماعة الدكتور مصطفى الريق، الكاتب العام المحلي للنقابة الوطنية للتعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالجديدة عن العمل، ليتم اسقاطه بعد أن أصدر المجلس التأديبي الذي عُقد بالرباط 9 يونيو 2016م قرارا بعدم متابعته على خلفية دعمه للأساتذة المتدربين.

2- محسن فكري.. شهيد الحكرة والظلم الاجتماعي

اهتزت مدينة الحسيمة ليلة السبت 29 أكتوبر 2016 على وقع فاجعة استشهاد الشاب محسن فكري الذي لم يتجاوز 31 سنة من عمره، أثناء قيامه بمزاولة عمله في تجارة الأسماك بحثا عن لقمة العيش الكريم، في ظروف لا يمكن وصفها إلا بالكارثية، ولعل الأجهزة الأمنية -الحاكمة الفعلية- تتحمل فيها المسؤولية المباشرة، كما يتحمل المخزن المسؤولية الكاملة عما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتدهورة في المنطقة والمغرب عموما.

ومباشرة بعد هذه الجريمة النكراء أصدرت جماعة العدل والإحسان بالريف بيانا حملت فيه الدولة مسؤولية الحادث وأعلنت دعمها وانخراطها في كل الاحتجاجات السلمية المنددة بالحادث، لتتناسل دعوات كثيرة للاحتجاج من مختلف المدن المغربية على امتداد أسابيع عدة، على واقع الظلم والقهر الذي طبع المشهد الاجتماعي بالمغرب. وقد كانت الجماعة كعادتها في الموعد مشاركة وحضورا وتأطيرا.

3- خطة التقاعد.. عندما يدفع المواطن فاتورة النهب

واعتبارا لمكانه الطبيعي ألا وهو الاصطفاف مع المظلومين والمقهورين، وواجبه في دعم حراكهم العادل والمشروع، ثم لأنه يعتبر خطة “إصلاح” التقاعد هي جريمة دولة في حق موظفيها وعوائلهم، وحلقة من حلقات الهجوم الظالم على مكتسبات الطبقة المتوسطة تخليصا للدولة من مسؤوليتها الحقيقية تجاه هذا الملف وإرضاء للمؤسسات المالية الدولية التي لا تأبه لآهات المقهورين ومعاناتهم، انخرط القطاع النقابي للجماعة وقطاعاته الموازية (التربية والتعليم، قطاع التعليم العالي، قطاع المهندسين…) في الحراك المناهض لهذه الخطة (اعتصام 10 يوليوز، مسيرة 24 يوليوز، الوقفات والمسيرات الجهوية…).

وبالموازاة مع ذلك، دعم القطاع النقابي المحطات النضالية التي دعا التنسيق النقابي بالمغرب وانخرط في خطواته خاصة الإضرابين العامين: اضراب 24 فبراير و اضراب 31 ماي 2016م.

4- المدرسة العمومية.. تقاوم معاول التخريب

وأمام إصرار الدولة وواجهتها الحكومية على تنفيذ مخططات ضرب الاستقرار الاجتماعي للشغيلة وعموم الشعب المغربي، ومع تواصل مسلسل استهداف المدرسة العمومية والإجهاز على ما تبقى من مقومات وجودها (التقاعد، فصل التكوين عن التوظيف، التوظيف بالتعاقد، إغلاق وتفويت مجموعة من مؤسسات التعليم العمومي، الهدر الجنوني للمال العام، تهميش الفاعلين الحقيقيين في المنظومة وإقصاؤهم …) تابع المغاربة مؤخرا فصلا آخر من فصول استهداف المدرسة العمومة، تمثل في مصادقة المجلس الأعلى للتربية والتكوين على توصية بإلغاء المجانية بالتعليمين الثانوي والعالي، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى زيف الشعارات الرسمية، ويفضح “سياسة العبث” التي ينهجها أصحاب القرار في هذا البلد، مصرين على تضييع فرص الإصلاح الجاد، بدل الإجهاز المباشر على حق أبناء المغاربة في تعليم مجاني ومنصف وجيد.

وهذا ما جعل قطاع التربية والتعليم التابع للجماعة يدعو، في بيان الدخول المدرسي 2016/2017م، جميع القوى الحية في البلد من أجل الوقوف يدا واحدة لمواجهة مخططات الإجهاز على المدرسة العمومية وإيقاف مسلسل العبث بمصائر الأجيال، وجدد الدعوة بعد مصادقة المجلس الأعلى للتربية والتكوين على توصية إلغاء المجانية بالتعليمين الثانوي والعالي. وفي نفس السياق استنكر قطاع التعليم العالي للجماعة ضرب مجانية التعليم ودعا إلى المشاركة في المسيرات الجهوية الرافضة لضرب المجانية وتخريب المدرسة العمومية يوم 18 دجنبر 2016م.

5- حراك الشباب.. “حقوقنا معا ننتزعها”

نص دستور 2011 على “توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد”، لكن الواقع يؤكد أن التوسيع والتعميم لم يمسا إلا القمع والتضييق المسلط على الشباب كلما سعوا للمشاركة الحقيقية والفعالة في التنمية، فيما يتم تغييبهم وإقصاؤهم وتكميم أفواههم كلما علا صوتهم محتجا أو منددا بالسياسات الخرقاء، وما التدخلات العنيفة في حق الاحتجاجات الشبابية خلال هذه السنة عنا ببعيدة، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو غير ذلك.

وبما أن الفشل في سياسات الشباب هو فشل في التخطيط للمستقبل، ما يفتح بلادنا على سيناريوهات من الأعطاب والعاهات، وخسارة كبرى نؤدي فاتورتها جميعا. لذلك يتعين على أحرار هذا الوطن، الشباب منهم على الخصوص، تحمل مسؤوليتهم في الدفاع عن حقوقهم بنَفَس لا يمل ولا يكل. وهذا ما دفع شبيبة العدل والإحسان تطلق حملة طيلة شهر أبريل 2016 تحت شعار: “حقوقنا.. معا ننتزعها”، إيمانا منها أنه لا مجال لاسترجاع الحقوق إلا بعمل جماعي مشترك، لأنه المسلك الآمن للتعايش، ولتجنيب بلادنا مطبات هي في غنى عنها أمام نضج أبنائها وحرصهم على المصلحة العليا حيث يجد الشباب، كل الشباب، حقوقهم وفرصتهم للمشاركة في بناء وطنهم.

6- نضال النساء.. نحو جبهة نسائية

تتعرض المرأة المغربية لكل أنواع العنف، عنف التجهيل والتفقير، عنف الإقصاء والتهميش. ويكاد لا يمر بنا يوم دون أن يصل إلى أسماعنا حالة من حالات العنف ضد النساء. ويكفي دلالة على خطورة الظاهرة أنه حتى الإحصاءات الرسمية تصرح بأن امرأتين من أصل كل ثلاث نساء في المغرب تتعرضن للعنف.

إلا أن هذه الإحصاءات لا تأخذ بعين الاعتبار سوى نوع واحد من العنف وهو العنف البدني الممارس من طرف الأفراد لكنها تغفل كما يغفل الكثير أنواعا أخرى لا تقل خطورة عن هذا، وهو العنف المعنوي الممنهج الذي تمارسه الدولة والتي يفترض فيها حماية المواطنة وضمان حقوقها عوض الاعتداء عليها وانتهاك حريتها وكرامتها. ولعل ما مر بنا هذه السنة من أحداث “حظيت” فيها المرأة المغربية بنصيبها الوفير من التعنيف المخزني لدليل واضح على ما أسلفنا (إحراق مي فتيحة لنفسها بسبب الحكرة، الاعتداء الهمجي على الأستاذات المتدربات ومعهن كل المطالبات بحق من الحقوق…).

ومن موقعه الطبيعي، إلى جانب المستضعفات من بنات هذا البلد، وجه القطاع النسائي لجماعة العدل والإحسان بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد النساء صرخة أن “كفى عنفا، كفى طحنا لنساء هذا الشعب الأبيات”. وفي خطوة إنسانية وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة الذي يوافق الثامن من مارس، قامت نساء من العدل والإحسان بمدينة الدار البيضاء (8 مارس 2016)، بتوزيع بطاقات التهنئة مع باقات من الورود، على مجموعة من النساء العاملات، أمام عدد من مقرات الشركات المعروفة بتشغيلها لعدد كبير من النساء والفتيات العاملات، في مبادرة دعم معنوي، ولفت الانتباه إلى هاته الشريحة الكبيرة من النساء اللواتي تعانين في صمت معاناة مضاعفة، بسبب غياب أبسط حقوقهن.

وبمناسبة انعقاد مجلسهن القطري في دورته العاشرة، وذلك يوم السبت 22 أكتوبر 2016م وجهت نساء العدل والإحسان دعوة إلى كل المنظمات والجمعيات النسائية وكل المهتمين بقضايا النساء إلى تأسيس جبهة نسائية تتجاوز الحسابات السياسوية وتصطف إلى جانب الهموم الحقيقية للمرأة المغربية.

7- قضايا محلية.. في احتكاك مباشر مع هموم الشعب

ولأن خيار الجماعة هو الاحتكاك بهموم الشعب وقضاياه العادلة واليومية، تابعت جماعة العدل والإحسان كل الملفات الاجتماعية بعدد من مناطق المغرب الحبيب تأييدا وتضامنا ودعما: احتجاجات الشمال بعد لا مبالاة الدولة بعد الهزات التي تعرضت لها المنطقة الشمالية للبلاد، احتجاجات القصر الكبير تنديدا بغياب الأمن وانتشار ظاهرة الإجرام، المشاركة في تأسيس اللجنة المحلية للدفاع عن الحريات والحقوق بتطوان، مسيرة أبي الجعد ضد تسلط السلطة المحلية، دعم تحركات الجبهة المحلية المتابعة لأزمة شركة لاسامير بمدينة المحمدية…

8- الإعلام الحر والبديل.. عندما يمارس الشعب رقابته

ساهم الموقع الالكتروني للجماعة إلى جانب المواقع الحرة في هذا البلد في تغطية الحراك الشعبي، بعيدا عن إعلام المخزن الطامس للحقائق، فواكب التحركات الشعبية والقطاعية والمحلية بالوسائل المتاحة له في ظل الحصار المضروب على الجماعة التي يعبر عنها.

كما ساهم نشطاء العدل والإحسان على شبكات التواصل الاجتماعي في دور الرقابة على خروقات السلطة المخزنية والدولة المغربية بعد عجز المؤسسات الرسمية عن ذلك، حيث نشطت “هاشتاجات” على صفحات الفيسبوك مثل: “طحن مو” المندد بجريمة الحسيمة، “زيرو كرسياج” المستنكر لتقاعس السلطات الأمنية في الحد من ظاهرة الإجرام، إضافة إلى أخرى كالتي رافقت فضيحة “أزبال إيطاليا” أو استقبال الكيان الصهيوني في مؤتمر المناخ بمراكش، أو مقاطعة الانتخابات… وهو ما أغاظ السلطة التي لجأت إلى وسائلها القمعية لحجب العديد من تلك الحسابات الناشطة والتي تساهم في كشف انحراف نظام الحكم في المغرب.