عرف المغرب سنة 2016 تنظيم انتخابات تشريعية. انتخابات جرت في ظل ظروف ومتغيرات دولية وإقليمية سمتها الأساسية التوتر وعدم الاستقرار. وعلى المستوى المحلي، شهد الوضع تراجعا ملحوظا للمؤشرات التنموية والاجتماعية والحقوقية، وهو ما أدى إلى تنامي الحركات المطلبية والاحتجاجية، خصوصا مع توجه الدولة نحو الالتفاف والتراجع عن بعض مكتسبات حراك 2011.

لقد شكلت هذه الانتخابات مناسبة سانحة للوقوف بجدية على حقيقة الادعاءات والشعارات من قبيل “الاستثناء المغربي” و”الإصلاح من الداخل” و”الإصلاح في إطار الاستمرارية”… كما شكلت أيضا مناسبة للوقوف على اختلالات وأعطاب الانتخابات المغربية، سواء على مستوى الرهان والتحدي، أو على مستوى التشريع والممارسة. اختلالات وأعطاب تجد تفسيرا لها في الطبيعة التحكمية والضبطية للنظام السياسي المغربي.

انتخابات 2016: الهاجس والرهان

مهما تعددت رهانات الفاعلين السياسيين من الانتخابات التشريعية للسابع من أكتوبر 2016، إلا أن رهانات النظام وهواجسه الآنية والمستقبلية ظلت، كعادتها، المحدد الأساسي والطاغي لرسم ملامح المشهد السياسي والانتخابي، إذ يحرص النظام دائما على ضبط التوازنات القائمة والحفاظ عليها ضمن معادلة تجعل منه الثابت والمحور ومن الباقي متغيرا في الدور والموقع حسب معيار الحاجة ومقدار الولاء.

لقد اطمأن النظام، على ما يبدو، لمآل عاصفة 2011، فلجأ إلى مراجعة سياساته وترتيب أولوياته لتدارك آثار اللحظة وذكراها) مما استدعى التخطيط بقدر كبير من البراغماتية والاريحية، وبالتالي هندسة خرائط سياسية وانتخابية توظف الفاعل المناسب وتحتفظ بالآخر على سبيل الاحتياط. يتم ذلك من خلال سلوك سياسي، يكون أحيانا واضحا ومكشوفا، وأحيانا أخرى غامضا وملتبسا، يفتح الاحتمالات في كل اتجاه. ولعل مرد ذلك إلى ضعف وتهافت الفاعلين الآخرين على اختلاف مواقعهم ومشاربهم لكسب الود والحظوة، إضافة إلى شعور راسخ بتجاوز لحظة الضغط والارتباك.

بالمقابل يصر النظام على خلق مسافة بينه وبين الفاعل الإسلامي (حزب العدالة والتنمية)، إذ لم تشفع لهذا الأخير قواعده الواسعة وتنازلاته الكبيرة ولا تودداته المتتالية في تحسين صورته وموقف النظام منه، بل على العكس من ذلك، هناك إصرار ملحوظ على محاصرة هذا التيار واستغلال وجوده لتمرير قرارات وسياسات مكلفة سياسيا واجتماعيا في مسعى لتشويه سمعته وتجريده من عباءة الأخلاق والطهرانية التي طالما ادعاها وزايد بها سياسيا وانتخابيا.

توجه النظام السياسي المغربي نحو الحفاظ على التوازنات ومحاصرة التيار الإسلامي يقابله حرص شديد على رسم وتسويق صورة لامعة داخليا وخارجيا عن مغرب النماء والاستقرار والبناء الديمقراطي… ومن جهة أخرى حرص وبكل الوسائل على تحقيق أكبر نسبة من التعبئة الشعبية والمشروعية الديمقراطية من خلال المشاركة الانتخابية.

إن أي انتخابات تجري في ظل الضوابط والمحددات السالفة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون نزيهة ولا شفافة، الأمر الذي ينعكس بوضوح على مستوى إطارها التشريعي وتنزيلها السلوكي.

انتخابات 2016: تشريعات وسلوكات

جرت انتخابات السابع من أكتوبر 2016 في إطار القانون التنظيمي لمجلس النواب 1 وكذا قانون الأحزاب السياسية 2 مع تعديلات قليلة يبقى أهمها تخفيض نسبة العتبة الانتخابية من 6% إلى 3% بمبرر ضمان تمثيل مختلف مكونات الحقل السياسي وتوسيع قاعدة التيارات السياسية الممثلة بمجلس النواب. وتعديل الكوطا الخاصة بالنساء والشباب 3 ، إضافة إلى تأسيس التحالفات الانتخابية بين الأحزاب ومنع استطلاعات الرأي الخاصة بالانتخابات 4 .

تعديلات تبقى في مجملها محدودة وشكلية، لا يمكن أن تحدث تغييرا مهما في المشهد السياسي والانتخابي بقدر ما تتجه نحو تكريس مزيد من التحكم والاحتكار على امتداد كل مراحل العملية الانتخابية:

– على مستوى التقطيع الانتخابي: استمرار الاختلال الترابي للدوائر الانتخابية الناتج أساسا عن غياب معايير موضوعية ومجالية دقيقة في التقسيم، مما حال دون تحقق مبدإ المساواة وتكافؤ الفرص 5 بين الناخبين والمترشحين.

– على مستوى نمط الاقتراع: اعتماد الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على قاعدة أكبر البقايا وبعتبة متدنية أدى الى مزيد من التفتت والبلقنة السياسية وبالتالي صعوبة إنشاء تحالفات انتخابية وحكومية قوية ومتجانسة. ولعل حالة البلوكاج الحالي خير دليل على ذلك.

– على مستوى إعداد اللوائح الانتخابية: احتكار وزارة الداخلية للعملية ورفضها فكرة التسجيل التلقائي على قاعدة بيانات البطاقة الوطنية إضافة إلى فرض قيود على التسجيل الالكتروني أدى إلى إقصاء جزء كبير من الكتلة الناخبة 6 . الأمر الذي يجعل نسبة 43% المعلنة للمشاركة الانتخابية غير منطقية، لأنها استخلصت من عدد المسجلين في اللوائح وليس عدد البالغين سن التصويت. لتبقى النسبة الحقيقية دون الثلاثين بالمائة 7 .

على مستوى الحملة الانتخابية وعملية الاقتراع: انحياز واضح للسلطة لصالح مرشحي حزب معين بكل الوسائل والإمكانات، كحث الناخبين على التصويت لصالحهم. وغض الطرف إقامة الولائم واستغلال بعض المرافق والوسائل العمومية في الدعاية الانتخابية وكذا استعمال المال بشكل مكشوف لشراء الأصوات… 8 . كما تعزز دور أعيان الانتخابات وكذا وسطائها. بالمقابل ظل الخطاب الانتخابي في حدود الشخص ومكانته الاجتماعية وعلاقته بالسلطة ولم يرق إلى مستوى النقاش السياسي القائم على الأفكار والبرنامج.

هذه المعطيات وغيرها، من قبيل التخلي عن مطلب اللجنة المستقلة للإشراف على الانتخابات، جعلت انتخابات 7 أكتوبر 2016 كسابقاتها، تفرز نتائج وخرائط تؤكد فرضية الضبط والتحكم من خلال التدخل الذكي والناعم عوض التزوير المباشر والفج. مما يشكك في نزاهتها وجدواها وبالتالي مصداقية ومشروعية المؤسسات المنبثقة عنها.

إن قيام انتخابات ديمقراطية ونزيهة ومؤسسات سياسية حقيقية في ظل دستور يركز السلطة في يد جهة واحدة، خارج أي نطاق للتداول والمحاسبة، يبقى أمرا بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا.


[1] القانون التنظيمي 11-27 الخاص بمجلس النواب.\
[2] القانون 11-29 الخاص بالأحزاب السياسية.\
[3] منع النساء اللواتي سبق لهن الترشح في اللوائح الوطنية برسم انتخابات 2011 من الترشح مجددا.

منح النساء إمكانية الترشح في اللوائح الوطنية للشباب التي كانت محصورة على الذكور فقط في 2011.\

[4] القانون 11-57 المادة 115.\
[5] ثلاثة أحزاب فقط استطاعت تغطية كل الدوائر الانتخابية.\
[6] عدد الأشخاص البالغين 18 سنة يزيد عن 26 مليون في حين أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية لا يتجاوز 16 مليون شخص مما يعني إقصاء حوالي 10 ملايين شخص يحق لهم التصويت.\
[7] تأكيد الواشنطن بوست أن النسبة تبقى في حدود 23 %.\
[8] مجموعة تقارير أكدت تلك التجاوزات من بينها تقرير المنتدى المدني الديمقراطي المغربي…\