على غير الدعاوى المتكررة في خطاب الدولة الرسمي وجماعاتها الترابية وإعلامها الرسمي والتابع، شكلت 2016 سنة الفضيحة بامتياز في كشف عورة البنية التحتية الهشة والمغشوشة، وهو ما يعزز العقلية الفاسدة التي تسير البلاد، من أجل نهب أموال وخيرات الشعب بدلا من خدمته والعمل على تأمين عيشه.

وقد كانت فيضانات الجنوب والشمال ومدينة الفوسفاط وغيرها، والتي راح ضحيتها مواطنون إلى جانب الخسائر الكبيرة على مستوى البنية التحتية والمرافق العمومية والممتلكات الخاصة خير شاهد على ذلك.

البيضاء عاصمة البنى التحتية الهشة

لا يُرى فصل الشتاء بالدار البيضاء دون خلوه من مشاهد طبيعية بين مسابح وبرك مائية هنا وهناك، وحركات مرورية مشلولة في الشوارع، حتى “طريقها السيار” لم يسلم من الغرق، والمشهد وثق يوم الأربعاء 23 مارس 2016، فالعاصمة الاقتصادية صارت عاصمة هشاشة البنية التحتية بامتياز.

فكلما ارتفع مستوى المياه التي تضيق بها بالوعات المياه تتعرقل حركة السير، ويحاصر المواطنون بين الشوارع والأزقة، وتغمر المياه السيارات ولا يظهر منها إلا جزؤها العلوي، وبيوت الفقراء في الأحياء الشعبية تغزوها الفيضانات وتتلف محتوياتها… وهذا يعيد الحديث القديم المتجدد كل عام حول جدية من بيدهم الأمر في معالجة هذا الملف الذي يعتبر من أهم الملفات العاجلة التي تتحفظ عليها الدولة في أرشيفها الغاص بأمثاله.

فيضانات الجنوب تضرب من جديد

لا أحد ينسى الكارثة التي حلت ببعض مدن الجنوب بعدما اجتاحته موجات من الفيضانات نتيجة تساقطات مطرية فضحت البنية التحتية المغشوشة، ففي ظرف وجيز جرفت سيول الفيضان يوم الأربعاء 4 ماي منازل بعض السكان بدوار أوغري بدائرة أولاد برحيل بإقليم تارودانت، بعدما لم تجد قنوات تصرف فيها مياهها المطرية.

وفي بداية نونبر عاشت ساكنة العيون وما جاورها خلال ثلاثة أيام عزلة تامة، بسبب انقطاع الطرق والقناطر الرئيسية بعد تساقطات مطرية كثيرة، أدت إلى جريان واد الساقية الحمراء بقوة بعد ارتفاع منسوبه المائي، وتسبب في أضرار في المناطق المجانبة له، وانقطاع الطريق الوطنية رقم 14 الرابطة بين السمارة وطانطان، والطريقة الوطنية رقم 1 الرابطة بين العيون ومدن الاتجاه الشمالي.

كما لحق سد وادي الساقية الحمراء ضرر كبير بعد ارتفاع حقينته المائية إثر التساقطات المطرية الكبيرة التي لم يسبق للمنطقة أن شهدت مثلها، وسقط بسببها عدة ضحايا.

مدينة غنية بثروتها فقيرة بنيتها

على بعد أيام قليلة من فيضان إقليم العيون، الذي خلف ضحايا وخسائر كبيرة، شهدت مدينة الفوسفاط اليوسفية يوم 6 نونبر فيضانا خطيرا على إثر عاصفة رعدية تلتها تساقطات مطرية كبيرة، نتج عنها سيولا مائية تشكلت بين الهضاب الفوسفاطية الواقعة بين الرحامنة واليوسفية، وحملها واد يعرف باسم واد سيدي احمد الكنتور.

وقد تسبب الفيضان في وفاة طفلة لا يتجاوز عمرها عشر سنوات تقطن بجماعة الكنتور، بعدما تم انتشالها من وسط السيول التي غمرت المدينة، كما حوصر العديد من الأشخاص وسط هذه السيول الجارفة بالجماعة ذاتها، تم انتشالهم أحياء فيما بعد، وخلفت السيول القوية خسائر مادية ولوجيستية على مستوى السيارات، والمنازل القريبة من الوادي.

واعتبر حينها بعض الفعاليات في المدينة الصغيرة أن هذا الفيضان ناتج عن الفساد المركب الذي ترزح تحت وطأته المدينة، بسبب الإهمال والتهميش الذي تعيشه المدينة الغنية بالفوسفاط، الفقيرة بنيتها التحتية الهشة. وبحسب أبناء المنطقة فوادي أحمد الكنتور معروف بأن له مسارا واحدا كلما كثرت التساقطات وفاضت به المياه الجارفة، وهذا الخطر وارد على الدوام ومعروف لدى المسؤولين، غير أن الإهمال والفساد واسترخاص حياة المواطنين حال دون تهييء مسار آمن للوادي، قبل وقوع الكارثة.

طنجة تنضاف للمدن الغارقة تحت الماء

مدينة طنجة هي الأخرى انضافت إلى المدن التي غرقت في مياه الأمطار بسبب هشاشة البنية التحتية، حيث انكشفت سوءة البنى التحتية بعاصمة البوغاز يوم 21 نونبر 2016 بعد تساقطات لم تدم طويلا، عرت الغش الذي طال مشاريع حديثة صرفت عليها الملايير، وفضحت الفساد المستشري من شمال المغرب إلى جنوبه.

وقد نشر ناشطون محليون آنذاك على الفايسبوك صورا لطنجة تعوم في مياه الأمطار بأهم محاورها الطرقية وبخاصة نفق “بني مكادة” الذي لم تمر على إنشائه إلا أشهرا قليلة، وتحول إلى بركة مياه استحالت معها حركة مرور السيارات، وتسببت في ارتباك مروري دام لساعات، تعطلت معه مصالح الناس بعد أن وجدوا أنفسهم عالقين وسط شوارع المدينة.

كما وثقت الصور لمشاهد بعض الشوارع والساحات الرئيسية التي تحولت إلى بحيرات كبيرة، تسببت في ارتباك في حركة السير والتجوال، وظهرت بعض السيارات المركونة شبه غارقة في المياه المحصورة بسبب غياب بالوعات المياه.

وضع يتكرر.. سببه فساد مستمر

هذا الوضع صار مشهدا يتكرر من مدينة إلى أخرى كلما تساقطت أمطار الخير، فالبنية التحتية الهشة وما تسببه من كوارث لا تحرك في السلطات المسؤولة ذرة من حجم المسؤولية المنوطة بها، لاتخاذ الإجراءات والتدابير العاجلة والضرورية من أجل حماية المواطن.

وكل ذلك يؤكد بالملموس الفساد الذي يطال تدبير البنى التحتية للمدن، فلا يكاد يمر على الأوراش والإصلاحات التي تخضع لها إلا شهور قليلة حتى تنكشف عورتها، ويفتضح عجز الدولة عن توفير آليات لاستيعاب الصعوبات التي تواجهها.

فالعديد من الشركات التي فوضت لها الدولة أمر تدبير قطاعي الماء والكهرباء، أصبحت تشكل رمزا لفشل سياسة التدبير المفوض، وصار همها جني الأرباح من غير أن تفي بالتزاماتها، ورغم الإخفاقات المتوالية في تحقيق التزاماتها فالدولة تغض الطرف عنها مما يجعلها شريكا لها في فشلها وفسادها.

إن هذا النمط من تدبير الخدمات العمومية الذي يفضح معالجة الدولة لملفاتها هو عبارة عن نهب مقنن في غياب تنزيل حقيقي لشعارات “الحكامة الجيدة” ومحاربة الفساد. وهو عنوان واحد من عدة عناوين لانسحاب الدولة من تدبير الخدمات العمومية وفشلها في الوفاء بالتزاماتها إزاء مواطنيها.