عيوب الفقه المقلد المنحبس السطحي الفروعي

الوقوف عند قول إمام (التقليد)

“بعض الناظرين في كتب السلف الصالح يتخذون إماما أو فقيها أو فارسا خاض معارك حامية في نصرة الدين معيارا مطلقا، يضيفون عليه من خيالهم القاصر كل صفات الكمال، ويساورون علومه بتلمذة جادة مخلصة كما يساور المسافر قمم الجبال الشماء، ثم يتخذون من فهمهم لفهم ذلك الفاهم سلاحا إرهابيا يقمعون به كل من رفع رأسه ليتلقى عن الله ورسوله الأمر الأول الذي جاء بلسان عربي مبين” 1 .

“بعض هؤلاء المقلدة يطرحون جانبا، عن سذاجة أو حسن نية أو جهل، مناهج العلماء الذين خلوا من قبلنا، ويحتفظون فقط، بحسن النية تلك أو بقصد الرئاسة وغلبة الخصم في الجدال، بحرفية ذلك المجتهد وإنتاجه وفتاويه” 2 .

“لا يستطيع التجردَ لحاكمية القرآن المباشرة وتحكميه المقلدةُ الذين رقدوا عند قدمي فحل من فحول العلماء الماضين إلى عفو الله إن شاء الله، جاهلين نسبية ذلك الفحل أو ذلك المذهب ومحدوديته في إطار تاريخه، وتاريخ الحكم في عهده، وملابسات اجتهاده السياسية والاجتماعية والشخصية والصراعية المذهبية التي خاضها، لا يستطيع هؤلاء أن يتخطوا الثراث الفاخر ليجلسوا عند درجة المنبر النبوي يسمعون الوحي غضا والأمر العازم الذي يريد التنفيذ لا الجدل” 3 .

“إن قراءة الكتاب والسنة قراءة من جانب واحد، ومن أسافل التقليد، وعَبْر منظار من عاش في زمانه ومكانه وأحواله ومات، ما هي القراءة الصحيحة. (…) وإن الاعتصام بفهم زيد وعمرو ممن مضى ومات وقُبر فقهه زمانا، ما هو الاعتصام بالكتاب والسنة. إنما هو اعتصام بمجتهد أخطأ وأصاب” 4 .

“يأتي المقلد الجامد فيدخل علينا الوهْن في الدين حينما يتبنى الفتوى القديمة بقطع النظر عن مصدرها الظرفي. يجيزها بلا سؤال ولا التفات إلى نصيحة الأسلاف رضي الله عنهم الذين أوصونا أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال. كلمة “أحوال” هذه تقول لنا بصريح العبارة لمن يفهم ما تخفي السطور: ها نحن اجتهدنا في حدود ما تسمح به ظروفنا السياسية، فكونوا رجالا في ظروفكم! كلمة “أحوال” تعني ظروف الحكم العاض الذي يغلق باب الاجتهاد فتضمُر حاسة الفقه الحي ويعيش المقلدون على جثت فقهية ورِمَمٍ اجتهادية، ينظرون بأعين الموتى إلى واقع حي يحركه غيرهم فينزعجون ويغضبون ويصرخون: (لا يجوز)” 5 .

اتهام عقائد المسلمين

“لكن المكروه الغليظ، والمصيبة الجُلَّى، هو أن يَتهم الفقه المعتز بنفسه، الذي نصب نفسه محتسبا على المسلمين، كل من خالف رأيا من آرائه بالمروق عن الدين وفساد العقيدة. أصبح هذا الإرهاب الفقهي غولا يخافها المسلمون وينفر المسلمون من دينهم لما تعيث في الأرض من تهويل وتكفير وتبديع” 6 .

السكوت عن الشرك السياسي

“ولماذا يحارب العقل المنحبس والفقه الواقف البدع والشرك في صفوف الجَهلة من ضعاف المسلمين، ويسكت عن الشرك السياسي، وهو أعظم؟ فتوى الاستيلاء، التي نطق بها سلفنا الصالحون من موقع المحافظة على وحدة المسلمين وتحمل أخف الضررين، لا تزال المرجع الذي يفتي تلامذته بجواز الاستعانة على المسلم الجائر بالعدو الكافر” 7 .

طالع أيضا  نحو تجديد معاني "الفقه في الدين"مدرسة الإمام المجدد "عبد السلام ياسين" نموذجا (2)

“يستنيم الورثة المنحبسون مع عقل غيرهم، وفقه سلفهم، إلى فتوى الانقياد لمن غلبهم بالسيف، وإلى فتاوي ابن تيمية يقرأونها قراءة سطحية، ليشعلوا نار العداوة والبغضاء بين المسلمين. فالعالم عندهم شطران: شطر يشغله الشيعة والصوفية مع أمثالهم من الزنادقة والبدعيين والمشركين، وشطر يتنزه عن الكفر والبدع والشرك لأنه غلبهم بالسيف، وتسمى أمير المومنين. فلا يحل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يرى الحاكم بالسيف وليا صالحا أو من يبيعه السيف بالصفقات الخيالية وليا حميما، ومن يخِفّ إلى نجدته بالأساطيل النووية والطائرات الخفية والجيوش الجرارة تطأ بلاد الإسلام أبا رؤوفا رحيما” 8 .

الوقوع في قبضة الدولة

“الائتلاف السَّويُّ بين الدعوة والدولة هو أن تكون الدعوة قائدة لا مقودة، آمرة لا مأمورة. فلما انعكس الوضع السوي يجد الفقهاء التيميون أنفسهم في قبضة الدولة مضطرين أن يصالحوا من صالحت الدولة العشائرية، وأن يقاتلوا من قاتلت” 9 .

حب الظهور

“لماذا يفعل الناس – بعض الناس ذلك – (أي تتبع زلات الناس وتعييرهم بالجهل وبذر بذور الشقاق والخلاف)؟ يفعلونه لتكون لهم حيثية يعرفون بها ولكي تكون لهم رئاسة يمتازون بها. في المسجد إذا دخلت في الصف لا يعرفك الناس تكون من يا أيها الناس، لكن إن جئت تشتم الناس وتسفه آراء الناس أصبحت معروفا بالعلم” 10 .

العجز عن النظر الكلي والعلاج الشامل

“منطق متجزِّئ مكسور، وفقه انكسرت مرآته فهو لا يستطيع النظر الكلي المباشر إلى الرسالة الإسلامية جميعة، وإنما يقرأها في شظايا الفقه الموروث شتيتة” 11 .

“إن الحديث عن العقيدة مجردا عن جمعية الرسالة، ناسين ما حمله علم الكلام من آثار دماء المعارك، واقفين في محطات الماضي، عاجزين عن اقتحام عقبات الزمن وتحدياته، لهو إلهابٌ لمعارك جانبية نتسلى بها لتفاهتنا عن المعركة الشمولية” 12 .

“وإن قراءة الكتاب والسنة بعقول منغلقة مرصودة على اتجاه واحد ضيق، وبقلوب مشتغلة بالغضب على البدع الصغرى، مكلومة ولا شك مكبوتة لأنها لا تستطيع تغيير المنكرات الكبرى، ما هي بالقراءة الصحيحة” 13 .

الذهنيات المتولدة عن هذا الفقه

ذهنية الطاعم الكاسي

“الأدهى في القضية أن عقولا سخيفة نسج عليها عنكبوت التقليد والذلة بين يدي السلطان، فهي تلتقط من الفتات الحرام، أو تنقر كالحمام الداجن من يد السفاكين، لا تحدث نفسها بغير السلامة كما يفهم السلامة الطاعم الكاسي. هذه الذهنية المريضة لا تزال تسقط على عامة الأمة ظلا قاتما لا يملك معه الدعاة أن يكشفوا عن المؤامرة القرونية بين الحكام المستبدين وسدنة المعابد الطاغوتية من “فقهاء” القصور” 14 .

الذهنية الراضية عن نفسها

“استعرضنا الذهنية التبسيطية المركبة على نفسية راضية عن ذاتها تشير إلى الغير بأصابع الاتهام، وتعيث فسادا بأفكار صبيانية ساذجة. هذه الذهنية المبسطة واثقة عادة من نفسها، تنسب الخطأ لكل ما خالف نظرتها الضيقة، وتنخدع، وتتعصب. فحين نحتاج لعقول نيرة شجاعة تكشف غامض الحاضر وترتاد إمكانات المستقبل وتشق الطريق للعمل، تعترضنا هذه الذهنية الملازمة لتلك النفسية فنسقط في الجدل العقيم، القاتل للإرادة، المثبط للعزائم” 15 .

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول2– (الفقه في الدين) والفتح

الذهنية الذَّرية

“استعرضنا الذهنية الذرية التي لا تنظر إلى ما في أمور الشريعة والحياة من ارتباط، لا تستطيع تصور الاشكالية المركبة من تداخل السياسة، والاقتصاد، والتربية، والاجتماع، والوضع الداخلي والخارجي، والظرف المكاني والزماني، وتطور الأحداث، ووجود التناحر على الهيمنة وتنازع البقاء بين أقوياء الأرض، وضرورة وحدة المسلمين، والاستناد لكتلة المستضعفين في الأرض، وعزائم الشريعة في كل هذا ورخصها، وعزائم الشريعة في كل هذا ورخصها، ومقاصدها ووسائلها، وقواعدها في حالة الرخاء وحالة الاضطرار. إلى آخر ما هنالك. هذه الذهنية عاجزة عن تصور عمل إسلامي في نسق منتظم على منهاج يرتب الوسائل لتبلغ الأهداف، ويرتب المراحل والأولويات، ويترك في حسابه مكانا للمرونة عند الطارئ المفاجئ والضرورة الغالبة. هذه الذهنية عاجزة عن تجسيد المنهاج في خطة وبرنامج صالحين للتطبيق” 16 .

أسباب تغييب فقه القلوب

فقهاء الفروع

“وكمم فقهاء الفروع فقه التصوف وبدعوا تاريخه ورَمَوْهُ- بزعمهم –على هوامش الدين” 17 .

القصور في فهم القرآن

“ويقرأ بعض المسلمين، كثير من المسلمين، كتاب الله عز وجل فيقفون عند الآيات المخبرة عن العقل والتفكّر فيشرد بهم الفهم، ويقصر بهم الإدراك، ويزِلّون عن مرتبة الفقه والعلم، فإذا بهم يتقدمون بأن القرآن سبق إلى الدعوة للعقلانية، وبيَّن مزايا العقل. فلا ينتهي بهم التدحرج أسفل العقبة إلا وقد تجرّدوا عن معاني العقل القلبي الذي هو العقل عن الله وإلى الله وبالله ومن الله. وهذا منشأ الإسلام الفكري الثقافي” 18 .

الانشغال بالمعرفة الكونية

“مفهوم “العلم” حين يطلق في عصرنا ينصرف إلى العلوم الكونية الرائجة في الأرض، الضرورية للحياة، المهيمنة على مسار البشرية. فتدعو ضرورة أن يتحقق المسلمون بأسباب القوة الناطق الإسلاميَّ إلى التركيز على “المعرفة” و”أسلمتها”، وصياغتها صياغة إسلامية، وضبطها لتخدم الأهداف الإسلامية، ورصدها لتحمل الخير للناس كافة بدل أن تكون سبب الدمار الذي يهدد مستقبل العالم لسوء استعمال المشركين الكافرين إياها. وفي الانشغال بهذا التركيز انشغال عن العلم الإيماني وعن المعرفة الإحسانية. وكأنَّ اكتساب المعارف التكنولوجية هو الغاية التي ما بعدها غاية” 19 .

خطر هذا التغييب

الفجوة في الدين

“سكوتنا عن الإحسان اقتضابا أو جهلا أو محاباةً لفكر حرفِيٍّ يكرَهُ أولياء الله ويرفضهم تفريطٌ في الدين، وخرق في الدين، وتضييع للدين، وفجوة في الدين. فإن تركنا هذا الانخراق يتسع، ونسينا ذكر الله، وتنكرنا لِحِلَقِ الذكر، واتهمنا من قال أحب الله وأحب رسول الله، وأوّلنا المعجزات، وجهَّلنا من تحدث عن الكرامات، وتغافلنا عن أعظم بشارة وأفخم إشارة وصلتنا من رب العالمين من أنه لا يزال العبد يتقرب إليه حتى يحبه فيكون سمعه وبصره ويده ورجله فإلى أين نجري؟ ديننا ناقص إن تمسكنا بإيمان الأخلاق والعبادة والاستقامة والطاعة والجهاد دون تطلع إحساني. ديننا قضية محرفة معكوسة إن اعتبرنا الدين نظاما للجماعة يصوغها ويقنن لها ويوحدها ويوجه جهدها ونسينا أن لله عز وجل قصدا في تمييز العبيد بعضهم من بعض، فردٍ عن فرد، في سباق أعلن سبحانه انطلاقه في قوله: “سارعوا” “سابقوا” وخصص جائزته العظمى في قوله “كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به”. ماذا يبقى من القرآن إن ألغينا منه حبَّ الله للمحسنين، وحبَّه للتوابين والمتطهرين، وحبَّه للذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وحبَّه لقوم أذلة على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم! ماذا بقي من القرآن إن جَمَّدْنا معاني أمراض القلوب وطبها وشفاءها وطمأنينتها وتنوُّرها! ماذا يبقى بعد إسقاط التوبة والإنابة والإرادة والصحبة في الله والصدق والمراقبة والمحاسبة والذكر والتفكر والتقوى والمحبة والتوكل ومخالفة النفس الأمارة والشيطان ومحاربة الهوى! تبقى الصيغ الآمرة الناهية كأنها إلزام ونَكال إن لم تعلمنا التربية الإحسانية أن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين. أرسله شخصا منا، من أنفسنا، فردا ألقى عليه محبة منه ليضرب موعدا للصفوة من عباد الله عند كرسي الله يوم النظر إلى وجه الله. تبقى، بدون العلم الإحساني والسلوك الإحساني، قصص أنبياء الله في القرآن، وقصص الأمم الهالكة وخبر الملائكة والجنة والنار والبعث والنشور حشوا وزيادات هامشية” 20 .

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول1- اغتراب الدين

الخسران في الآخرة

“وإن شغل التفكُّرُ بمعناه القرآني طوائف من المسلمين في عصور مضت عن التصدي للكوائن التي سخرها الله لنا حتى أصبحنا عاجزين مشلولين في الدنيا فإن انشِغالنا بالفكر عن التفكر في زماننا هذا يهدد بالانجراف مع الكوائن ناسين الله فينسينا أنفسنا، فتشل حاسة الإيمان فينا وهي القلب، فنخسر الآخرة” 21 .


[1] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 18.\
[2] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 23.\
[3] نظرات في الفقه والتاريخ ص: 23.\
[4] تنوير المومنات1، ص: 282.\
[5] تنوير المومنات1، ص: 65-66.\
[6] تنوير المومنات1، ص: 284.\
[7] تنوير المومنات1، ص: 269.\
[8] تنوير المومنات1، ص: 281.\
[9] تنوير المومنات1، ص: 279.\
[10] الفطرة وعلاج القلوب، ص 35.\
[11] تنوير المومنات1، ص: 269.\
[12] تنوير المومنات1، ص: 272.\
[13] تنوير المومنات1، ص: 282.\
[14] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 15.\
[15] المنهاج النبوي، ص: 221.\
[16] المنهاج النبوي، ص: 222.\
[17] تنوير المومنات2، ص: 34.\
[18] الإحسان1، ص: 306.\
[19] الإحسان 2، ص: 94.\
[20] الإحسان 2، ص: 96.\
[21] الإحسان1، ص: 308.\