يعتبر الحوار سلوكا أخلاقيا قبل أن يكون وسيلة لتسوية الخلافات وتحقيق التوافقات، وهو من السنن الكونية التي تطبع العلاقة بين الأفراد والجماعات، متى ما انتفت حل الخراب المؤذن بفساد العمران، كما أنه سلوك رباني قبل أن يكون بشريا، فالله عز وجل حاور في كتبه السماوية ملائكته، ورسله، وأقواما طغوا وأفسدوا، بل حتى الشيطان الرجيم.

إن الحوار وسيلة للتواصل مع الآخر كيفما كان نوعه، وغايته التفاهم وإيجاد القواسم المشتركة لتحقيق التعايش، وذلك بتوضيح الأفكار والسلوكات، وإيجاد الصيغ لتبادل الآراء ومناقشتها، شرط وجود القابلية، إذ إن بعض التوجهات الفكرية والمذهبية ينتفي الحوار في أدبياتها وسلوكها لاعتقادها الكمال الديني أو الإيديولوجي، وهذه من أخطر الأمور المؤثرة على سلامة المجتمعات وتقدمها.

ومن خلال تفحصنا لأدبيات جماعة العدل والاحسان، سواء ما كتبه مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين، أو من خلال ما تصدره مؤسساتها من وثائق وبيانات وتصريحات، وكذلك من خلال سلوكها الدعوي والسياسي، يتضح بكل موضوعية أن تيمة الحوار تيمة مركزية في الخلفية النظرية للجماعة وممارستها الميدانية، وسنحاول مناقشة ذلك في هذا المقال.

مقاربة تاريخية لتيمة الحوار في سلوك الأستاذ عبد السلام ياسين

ترتبط جماعة العدل والاحسان ارتباطا وثيقا بمؤسسها ومرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله، ورصد فعل الحوار في تاريخ الجماعة يحتم البداية من بروزه زعيما إسلاميا منذ سبعينات القرن الماضي.

قضى الأستاذ عبد السلام ياسين زمنا مهما في الزاوية البودشيشية حينما كان شيخَها الحاج العباس رحمه الله، باحثا في رحابه عن التزكية الروحية الفردية، ويذكر هنا أنه كان دائم الحوار مع مريدي الزاوية حول ما كان يراه في بعض مظاهرها من بعد عن الشريعة حتى نعتوه بـ”عبد السلام الشريعة”.

انفصل عن الزاوية بُعَيد وفاة شيخها العباس رحمه الله، ليس لصراع حول زعامتها كما تحب بعض الصحف ترويج ذلك، وإنما لما كان ينتقده من مخالفات شرعية لم ينفع لتصحيحها نصحه الدائم. ثم اقدم الرجل على أمر خطير يشكل لحظة فارقة في حياته، يتعلق الأمر ببعثه لرسالة قوية للمرحوم الملك الحسن الثاني سنة 1974، سماها برسالة “الاسلام أو الطوفان”، حاوره فيها حول استبداده، وابتعاده عن المقتضيات الحقيقية لرسالة جده المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهي رسالة تأتي في إطار نضج فكري وسياسي في حياته، إذ أصبح يرى بأن المنهاج النبوي لا يقف عند التزكية الروحية، بل لا بد من إقرانها بالتدافع السياسي ضد الظلم وبسيادة العدل والكرامة الإنسانية، وبهذا يكون قد قطع نهائيا حبال الانتماء للزاوية، ومن الأمور التي تحسب له، أنه قبيل إقدامه على إرسال نصيحة للملك الحسن الثاني، برأ كتابيا الزاوية البوتشيشية من أي مسؤولية كي لا يلحقها أي أذى، وكلنا يعلم السياق الحقوقي والسياسي الذي شهده المغرب سنوات السبعينات، وهي حقائق تاريخية اعتمدنا في تدوينها على روايات شفوية من مصادر قيادية بالجماعة، في انتظار الإفراج عن وثائق رسمية.

دخل الأستاذ عبد السلام ياسين محنة السجن لمدة ثلاث سنوات وخرج بعده حاملا مشروعا لتوحيد الحركة الاسلامية الناشئة في المغرب، بناء على مشروع تدافعي سلمي، والقطيعة مع الفكرة الإسلامية الثورية العنيفة التي كانت تغذيها أدبيات المشرق، وقد لعبت هنا مجلة “الجماعة” دورا مهما في هذا الإطار، وكان من روادها إضافة إلى المؤسس الأستاذ عبد السلام ياسين الأستاذ أحمد الملاخ.

لم تثمر محاولة بناء عمل إسلامي مشترك مع الفرقاء الإسلاميين أي نتيجة تذكر، فكانت الخطوة الثالثة تأسيس “أسرة الجماعة” سنة 1981 التي حملت شعار العدل والاحسان سنة 1987م، وقد لعبت مجلة “الجماعة” دورا كبيرا في هذا الباب، إذ صدر فيها المنهاج النبوي في أربعة أجزاء، تلقفه المتعطشون لعمل إسلامي تجديدي؛ يمزج بين التزكية الروحية والتدافع السلمي، وينطلق من خصوصية مغربية، فكان أن انتشرت فكرة المنهاج النبوي، وتحولت إلى تنظيم في جل مدن المغرب ومداشره.

برزت الجماعة بشكل لافت منذ التسعينات في الجامعات والمظاهرات التضامنية والعمل الخيري الاجتماعي… وتميز حضورها بأسلوب حواري يدعو إلى العمل المشترك، فإذا ما أخذنا الجامعة مثلا؛ نرى أن فصيلها الذي استطاع إعادة تأسيس “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” بعد حظره من طرف المخزن، كان دائم التشبث بمشاركة باقي الفصائل، وكان من رواد الدعوة للحوار الفصائلي، مصرا على تسجيل أسمائها في لائحة الانتخابات الأوطامية…

غير أنه في تقييم سلوك الجماعة السياسي نقف عند مسألة أوخذت عليها الجماعة كثيرا، وهي أنها في المسيرات التضامنية التي كانت تنسق فيها مع فعاليات أخرى؛ اتهمت باستعراض العضلات لكونها تنفرد تنظيميا ولوجستيكيا بمشاركتها داخل المسيرة الأم، وهي مسألة تُبرِزها حجم أعضائها والمتعاطفين معها الذي يحجون بعشرات الآلاف، وقد كانت للجماعة أجوبتها الخاصة، وسرعان ما ذابت هذه المشكلة بحوار بناء مع الأطراف الأخرى، وأصبحت الجماعة مطلوبة من طرف التنظيمات التضامنية والاحتجاجية باعتبارها قوة عددية وتجربة تنظيمية ناضجة، وصمام أمان في ضبط الشارع، ولعل تجربة الحراك الفبرايري خير ما نستدل به في هذا لشأن.

الحوار الإسلامي الإسلامي

قامت الجماعة بحوارات حثيثة مع فعاليات دينية مختلفة (علماء، جمعيات إسلامية…) وذلك من أجل العمل المشترك، ورغبة في توحيد العمل الإسلامي وتذويب الخلافات، وقد دارت حوارات كثيرة بين الجماعة ومختلف الجمعيات الإسلامية، ولو أن الحوار بينهما لم يثمر عملا مشتركا لاختلاف المرجعية والرؤية في التغيير، فإنه يحسب للجماعة إذ جسدت به رغبة جامحة في العمل المشترك، ولم يفسد فشله العلاقة بينهما. وكلنا يتذكر الرسائل التي بعثتها الجماعة لحركة التوحيد الإصلاح وحزبها العدالة والتنمية حول مغامرة المشاركة في لعبة انتخابية ميؤوس منها، مثل الرسالة التي أرسلها مجلس إرشادها للحركة والحزب في الانتخابات التشريعية لسنة 2011، ولو أن الجواب كان ضبابيا من الطرف الثاني، إذ لم يعط للرسالة حجمها المفروض لحسابات سياسية معروفة، فإن الواقع أثبت صدق الرسالة، وعمق الرغبة في العمل المشترك، إذ لو كان عكس ذلك لما تقدمت بالنصيحة أصلا.

الحوار الاسلامي العلماني

حضر الحوار مع التوجه العلماني بقوة في أدبيات الجماعة وسلوكها السياسي، إذ خُصصت كتب لهذا الغرض منها:

من أجل حوار مع النخبة المغربة.حوار مع الفضلاء الديمقراطيين.حوار الماضي والمستقبل.الإسلام والحداثة.الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية…

وهي كلها كتب تناقش مع النخب العلمانية فكرة العمل المشترك، خاصة وأن ما يميز عددا من رواد العلمانية في المغرب أنهم خريجو زوايا دينية، وأسر عالمة، وحصير مسجدي، كما ذكر ذلك الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه حوار الماضي والمستقبل، وناقش في هذه الكتب أي إسلام نريد، وأي ديمقراطية نريد، ومنه أي نظام سياسي يجب العمل على بنائه…

الحوار في المشروع السياسي للجماعة

حينما نتحدث عن المشروع السياسي للجماعة فنحن نقصد رؤيتها للتغيير ووسائله، وشكل الدولة المطلوبة، والمعالم العامة لتحقيق التنمية في القطاعات الحيوية للدولة، ولعله من بين المنطلقات التي يقوم عليها المشروع السياسي للعدل والإحسان أنها لا تنظر لنفسها كمخلص وحيد لما آلت إليه الدولة من انتكاسات، بل تقدم نفسها كطرف يسعى مع أطراف أخرى لبناء عمل سياسي مشترك من شأنه تحقيق القطيعة مع الدولة المخزنية، وبناء دولة مدنية على قواعد الديمقراطية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وخدمة الشعب، وتعتبر أن العمل المشترك غاية في حد ذاته، باعتباره صمام أمان لضمان انتقال سياسي آمن في البلاد، وبكونه يؤسس لثقافة الحوار وسلوك التعاون، ويلغي الفكرة الأحادية التي تورث الاستبداد.

تقترح الجماعة كمدخل حتمي في التغيير فكرة الميثاق، بمعنى التوافق على مرأى من الشعب على وثيقة مرجعية سيادية تؤسس لعمل سياسي ناضج، يقطع مع سياسة الحُفر وسلوك المناورة والالتفاف، ويشارك في هذا الميثاق كل الأطراف السياسية التي لم تلوث يدها بدماء المغاربة، عدا ذلك فالكل قابل للحوار والنقاش.

يقتضي الحوار التوافق، وتحقيقه رهين بمدى نضج أطراف الحوار، وقدرتها على التنازل عن بعض الأمور التي يمكن أن تشكل حجر عثرة في إثماره، وأعتقد أن منطقه وأفقه تفرضه اللحظة السياسية والسياق التاريخي، ومتى ما كانت اللحظة شعبية أثمرت حوارا ذا أفق سياسي عال، ذلك أن الشعب تواق للحرية والعدل والكرامة الاجتماعية.

إن من حسن الأقدار أن توجد في البلاد هيئات ينبني سلوكها السياسي على الحوار، وتعتمد السلمية في عملها التدافعي، ذلك أن وجود مذاهب وطوائف منغلقة الفكر، أحادية الرؤية التغييرية، غالبا ما ينجم عن سلوكها السياسي الخراب والدمار، ولعل الواقع الإقليمي يبين ذلك، حتى أصبح البعض يحن إلى زمن الديكتاتورية في بعض البلدان العربية التي شهدت تغييرا أعرج، كانت فيه النخب مغيبة عن حركة الشارع، لذلك تفضل جماعة العدل والإحسان بمعية هيئات سياسية أخرى الاصطفاف إلى جانب الشعب في تدافعه الدؤوب من أجل تحقيق كرامته الاجتماعية، وما ينقص هو الانخراط بشكل جدي في جبهة سياسية تجمع بين أطراف مختلفة، تذيب الاختلافات -التي غالبا ما تبنى على اتهامات مجانية- وتؤسس لعمل مشترك، ولا طريق لذلك إلا بالحوار البناء.