7   +   4   =  

مقدمة

يعتبر الحوار كلمة جميلة ذات وقع طيب على الأسماع عند سماعها، وذلك لما تقدمه من حلول ناجعة عند انسداد الأبواب واشتداد المشاكل، فالحوار مرتبط بجميع مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها. كما دعا إليه الإسلام وحثّ عليه في أكثر من مناسبة، دعا إليه آخرون من مختلف التوجهات الفكرية والسياسية. وبعد الدعوة إلى الحوار تتقارب أطراف الحوار أو تتباعد بحسب أرضية الحوار وشروطه ومنطلقاته وأهدافه.

اقتناعا بأهمية هذا الحوار وضرورته في فكر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله وبضرورة البناء المشترك، نعرض جانبا من جوانب حواراته مع مختلف الأطراف في المجتمع. إنه حواره مع صديق له أمازيغي “محمد شفيق” 1 . نستعرض ملامح هذا الحوار من خلال كتاب أصدره بهذا الصدد بعنوان: حوار مع صديق أمازيغي). جاء في مقدمته: زميلان جمعتهما المهنة منذ أكثر من أربعين سنة. ثم تقارَبَ ما بينهما لِجديَّةٍ في الطِّباع، لم يشتركا وهما في عنفوان الشباب إلا في النقاش الدائم حول جدِّيات الحياة. وها هما بعد أربعين سنة ونَيِّفٍ وقد اشتعل الرأسان شيبا يتحاوران على ملإٍ من الناس حول قضية تتجاوز شخصيتيهما) 2 .

وهذا الحوار وإن كان موجها لصديق بعينه، فإنه يشمل كل من يحمل نفس التصور والحمولة الفكرية من فضلاء ديمقراطيين وأمازيغيين، ممن هم عاصروا الإمام في حياته أو أتوا من بعده.

فما هي مميزات هذا الحوار؟ وما هي أهم القضايا التي طرحها على طاولته؟ وما هي أهم الأهداف التي كان ينشدها منه؟

مميزات الحوار

عُهد في حوارات الإمام رحمه الله الهدوء والصدق والمسؤولية والانفتاح على الجميع، وهذا ما يشهد به الجميع وخاصة من شملهم حواره من فضلاء على الساحة الفكرية والسياسية. وحتى تتضح هذه المميزات نقف عند كل ميزة بشيء من التوضيح.

حوار هادئ

من منطلق الاقتناع الفكرية والثقة الكاملة بما يطرحه، يحاور الإمام المجدد الآخر فردا كان أو حركة أو حزبا أو مؤسسة. وهو من جهته أيضا لما يطرحه الآخر محترم ومقدّر ومثمّن، يركز نظره فيه على المشترك، ويبحث فيه بأصبعه عن نقاط الاتفاق والالتقاء. أسلوبه في كل هذه العملية الحوارية الهدوء الكامل، فهو دائما يحاول أن يبتعد عما يبعث على الضجيج ويثير العجاج. وما سعة قلبه ورحابة صدره لما يبديه الآخر من انتقاد وفي بعض الأحيان التجريح إلا دليل على ذلك. ومن المؤكد أن الذي همّه الدعوة والتجديد والبناء لا يكون إلا كذلك متئداً ورحيما ومنضبطا وصابرا وهادئا. فهو إذاً حوار هادئ من حيث الصمت الموجود بين الكلمات، ومن حيث الأدب الذي يتخلله، ومن حيث الرسائل المتضمنة داخله، ومن حيث التدرج في فهم الآخر له، ومن حيث الصبر عليه حتى يطرح ما عنده. يقول عنه صديقه الأمازيغي: عهدي بك أنك تتبسم ضاحكاً كلما اعتبرت حجة مخاطبك واهية، ولكنك لا تغضب ولا تثور) 3 .

حوار صادق

حوار الإمام يتّسم بالصدق والمصداقية، لا يجامل أحدا بحثا عن تطييب الخواطر، ولا انتظارا لتقديم أجمل المشاعر، إنه حوار يحمل معاني النصح والتذكير تارة، ومعاني التقارب والتواصل تارة، ومعاني التعريف والتوضيح لما يقدّمه تارة أخرى. فهو ينصح ويذكر بثوابت الشرع باعتباره رجل دعوة، ويتقارب ويتواصل مع الآخر باعتباره فاعلا في المجتمع، ويعرف بمشروعه ويوضحه باعتباره مشاركا في الحياة السياسية حاملا للواء التغيير. يقول عنه صديقه الأمازيغي: اعلم، أخي، أني واثق بصدق مسعاك وبخير مبتغاك، وحسن نيّتك ورسوخ إيمانك، ليس لك من أغراض الدنيا ما يمكن أن تلام عليه) 4 .

حوار مسؤول

كل ما يطرحه الإمام من قضايا الحوار ويدعو إليها في مختلف المجالات يتحمل تبعاتها، باعتبارها كلمة صادقة وحرّة تعبّر عن منهاج شامل ومتكامل يحمل مشروعا مجتمعيا في التغيير والتجديد والبناء، وباعتبارها اقتناعات ومبادئ آمن بها صاحبها وعاش وجاهد وأبلى البلاء الحسن من أجلها. فصديقه الأمازيغي كان يدرك حقيقة المحاور من حيث حجمه السياسي وقيمته العلمية وقوة إرادته الإيمانية والجهادية.

حوار منفتح

يتبين من خلال الكتب الحوارية التي ألّفها الإمام رحمه الله أن حواره لم يقف عند حدود فرد معيّن أو مكون من مكونات المجتمع بعينه، بل تعدى إلى الكل بمن فيهم المسئولون في السلطة والعلماء والدعاة وجميع الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين والمرأة والنخبة المثقفة والفنانون والأدباء والحقوقيون وغيرهم. وكما حاور الأشخاص كصديقه الأمازيغي محمد شفيق، وحاور قبل ذلك النص التراثي وكل المذاهب الفكرية والسياسية، حاور كلا في ميدانه وفنه عن خبرة وعلم ودراية وبأهداف علمية واقعية.

قضايا الحوار

القضايا التي تناولها حوار الإمام رحمه الله وصديقه الأمازيغي وتناقشا فيها من خلال الرسائل المكتوبة المتبادلة بينهما كثيرة، منها قضايا الدين والعلم واللغة، قضايا الحكم والشورى والديمقراطية، قضايا الهوية والأمازيغية واللائكية، وغيرها من القضايا. فكانت الردود والتعليقات من قبل الطرفين، كل واحد يحاول توضيح وجهات نظره من خلال مرجعيته الفكرية. فبالرغم من شهادة كل واحد منهما للآخر بالإيمان بالله، إلا أنّ الرؤية التحليلية لتلك القضايا المطروحة تختلف حسب نوعية الإيمان الذي كان يتبنى كل واحد منهما. فالإيمان عند الصديق الأمازيغي أساسه العقل وما يدركه العقل ويصل إليه ويقتنع به، بينما الإيمان عند الإمام رحمه الله هو ما كان مسكنه القلب وأساسه ومصدره الوحي، أما العقل فتابع ينفذ ويبتكر ويجتهد ويطور وفق أوامر الوحي وتوجيهاته. ففرق شاسع بين من يسيّد العقل ويؤلهه وبين من يسيّد الوحي ويقدّسه. بين من ينطلق من النسبي وبين من ينطلق من المطلق. بين من يركز على الحقائق النظرية الكونية وعلى رأسها هوية الأجداد من كل قوم والثقافة الإنسانية والعقلانية العلمية، وبين من يركز على الحقائق العلمية والعملية الشرعية مع الاستفادة من الحقائق الكونية. وعلى رأس هذه الحقائق الإسلام بأركانه الخمسة، والإيمان بأركانه الستة.

أهداف الحـوار

من الأهداف التي كان ينشدها الإمام رحمه الله تعالى من حواره مع صديقه الأمازيغي في إطارها العام هو بناء القيم الإسلامية والإنسانية والكونية. وأن هذا البناء يتمّ على مطلبين رئيسيين ومُهمين، مطلب العدل الذي يؤسس للعمران الأخوي للأمة ابتداء ولكل الإنسانية انتهاء، ومطلب الإحسان الذي يؤسس للعمران الأخروي لكل إنسانٍ فردٍ عبدٍ لله تعالى.

فإن حاور صديقه الأمازيغي حول موضوع اللغة فمن أجل الإعلاء من لغة القرآن التي تعتبر نسيج وحدة الأمة، ولكن دون إقصاء غيرها من اللغات واللهجات كالأمازيغية التي يدافع عنها صديقه، وإن حاوره حول موضوع الهوية فمن أجل استرجاع الهوية الإحسانية الحقيقية للأمة، لكن دون التقليل من هوية أي قوم آخر كالهوية الأمازيغية بشرط أن تنصهر في هوية الأمة الجامعة، وإن حاوره حول موضوع الحكم فمن أجل تحقيق الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، لكن دون الاستخفاف بالتجارب الناجحة في العالم، بل يدعو إلى الاستفادة منها باعتبارها تجارب إنسانية. وهكذا دواليك المواضيع الأخرى المشتركة بين الفاعلين على الساحة المحلية والعالمية، فهو دائما يستحضر البعد الإنساني في مصيره الأخروي، والبعد الجماعي للأمة والإنسانية جمعاء في مصيرهما التاريخي الدنيوي.

خاتمـة

وكان إصدار هذا الكتاب المشار إليه أعلاه ربما في اعتقادي آخر ما تبادل فيه الرجلين الرسائل المكتوبة بينهما، فإن كانت بداية الحوار تبدو متقاربة، إلا أنه مع استمرار الحوار بدأت الهوة تتسع على مستوى القناعات الشخصية والتصورات الفكرية، مما أدى إلى اختلال موازين الحوار في النهاية، فكان مآله الإرجاء إلى أجل غير مسمى. يقول الإمام في أحد ردوده على تعليقات صديقه: كتبتَ في آخر تعقيبك أن موازين الحوار بيننا غير مضبوطة. وأن انطلاقي من المطلق لا يلتقي بمنطلقك من النسبي. ثم علّقت الحوار اقتناعا بأن الاستمرار فيه من منطلقين اثنين لا يلتقيان غايته) ارتسام عام فتعبير عاطفي يضع نقطة النهاية، وتمَنٍّ وتعاطف) 5 .

وبعد سنوات من هذا الحوار أبانت هذه القناعات والتصورات عن نتائج أدّت بكل محاور منهما إلى موقعه الذي وصل إليه. الإمام عبد السلام رحمة الله مرشد لجماعة العدل والإحسان ومؤسس لمدرسة فكرية منهاجية تجديدية تخططت الحدود القُطرية، أما الصديق الأمازيغي محمد شفيق فنموذج للمثقف الأمازيغي الذي يشتغل على الثقافة الأمازيغية لسانيا ومعجميا.

ولقد لخص الصديق الأمازيغي قصة الحوار في هذه الشهادة، فقال: لقد كنت -شهد الله- أعلم أنك ستصابر وتواجه وتجاهد، لأني رأيتك تبحث عن طريقك متجها هذه الوجهة، مصمما العزم مستهينا للعقبات والصعوبات. فبادلتني الرأي وحاورتني وحاورتك ساعات وساعات. فكنت في الغالب أفهم عنك، ولكني لم أكن أقتنع بكل ما كنت أنت مقتنعا به. وكنت تألم لذلك، وكنت أنا آلم لكونك تلومني على اعتمادي العقل وميلي إلى نبذ ما قد يشابه الخرافة… أو الشعوذة. وها أنت اليوم مسموع الصوت، بعيد الصّيت يحسب لك حساب ويُرهب لك جانب) 6 .


[1] محمد شفيق كاتب وباحث تاريخ، تدور مؤلفاته حول تاريخ الأمازيغ ويعتبر الأب الروحي للحركة الأمازيغية، وإحدى أهم الشخصيات الثقافية المغربية خصوصا، والأمازيغية عموما، في عصر ما بعد الاستعمار. كان مستشارا للملك الحسن الثاني، وعين عميدا للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة 2001 حتى 2003. نقلا عن ويكيبيديا.\
[2] ياسين عبد السلام، حوار مع صديق أمازيغي، ص:5، ط1، 1997، مطبوعات الأفق – الدار البيضاء.\
[3] نفس المرجع، ص: 12.\
[4] نفس المرجع والصفحة.\
[5] نفس المرجع، ص: 155.\
[6] نفس المرجع، ص: 11.\