أجرت جريدة المساء في عددها 3163 ليومي السبت والأحد 17 و18 دجنبر 2016، حوار مع الدكتور عمر إحرشان عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان حول سياق تخليد الجماعة الذكرى الرابعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين، وواقعها بعد رحيله، وسيرها الداخلي… وعدد من القضايا الأخرى. هذا نصه:

كيف تقيمون مرحلة ما بعد الأستاذ عبد السلام ياسين، هل يمكن الحديث عن نوع من الاستمرارية أم نوع من التخفف حتى لا نقول “القطيعة” أم هناك نوع من التجديد مع الحفاظ على المرتكزات التصورية العامة؟

هي بالتدقيق استمرارية متجددة وكانت ستأخذ هذا التوصيف حتى في ظل الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله لأن مشروع الجماعة تجديدي ولأن تنظيمها غير جامد ولأنها اختارت منذ تأسيسها خيار العمل المؤسساتي، ولذلك فرحيل المرشد رحمه الله لن يؤثر في عمل الجماعة وخياراتها ومواقفها لأنها مبنية على تشخيص دقيق للوضع الذي نعيشه وانطلاقا من مرجعية فكرية متكاملة لا تزيدها السنين إلا وضوحا وتأكيدا على صوابيتها. وطبعا، يبقى رحيل الأستاذ المرشد له تأثير لأنه لم يكن زعيما وقائدا فقط ولكنه كان مربيا ومؤسسا ومنظرا لمنهاج الجماعة، ولكن مما تركه داخل الجماعة أن الأولوية لعمل المؤسسات والانسجام مع تصورها، وهذا ما ساعد على تجاوز هذه المرحلة بدون مشاكل لأنه رحمه الله هيأ الجماعة لذلك أثناء حياته.

بالمقارنة مع ما رصد للذكرى الأولى لإحياء سنوية وفاة الأستاذ ياسين والتي كانت “ضخمة” مضمونا وحضورا وفضاء، لوحظ في النسختين الثانية والثالثة أنهما كانتا عاديتين. كيف تفسرون هذا؟

شخصيا لا أرى شيئا من ذلك، ولكنني أرى أن في السنة الفارطة اتخذت كل الإجراءات اللازمة لتنظيم المناسبة في مكان عمومي وفي آخر لحظة تم تدخل السلطات للضغط على مالك الفضاء وأعطيت الأوامر للجميع لمنع استعمال الجماعة لفضاء عمومي، ولم يبق أمام الجماعة إلا استعمال مكان محدود من حيث طاقته الاستيعابية.. ولهذا فالسبب موضوعي أكثر منه ذاتي. أما من حيث الحضور فالملاحظ هو وجود تنوع وتمثيلية لمختلف العائلات السياسية والإيديولوجية وأؤكد أن ضيق المكان يجعل الجماعة مضطرة لدعوة عدد محدود ورمزي وإلا فإننا نتوصل بطلبات الكثير ممن يرغب في الحضور ولا نستطيع تلبيتها.. وأود بالمناسبة أن ألفت الانتباه أن تخليد الذكرى لا يتجسد في نشاط مركزي واحد ولكن لتكتمل الصورة عند المتتبع عليه أن يأخذ بعين الاعتبار عشرات الأنشطة التي تقام في باقي المناطق ويحصي عدد الحضور وسيستنتج أن الأستاذ عبد السلام يحظى باحترام شرائح واسعة من المجتمع وفي مقدمتهم من يختلف معه لأنه شكل اختيارا متفردا في العمل المجتمعي وأسس لنبذ العنف والدعوة للعمل المشترك والوضوح…

شهدت الجماعة هذه السنة إلغاء مؤتمرها حول المنهاج الذي افتتح بتركيا ثم تم توقيفه مباشرة بعد الجلسة الافتتاحية، من طرف السلطات التركية. هل تم تجاوز سوء الفهم مع السلطات التركية؟ أم ما تزال الأمور عالقة بدليل أنه لم يتم الإعلان عن النسخة المقبلة من مؤتمر المنهاج؟

هذا سؤال تجدين جوابه عند الجهة الأخرى، أما المؤتمرات القابلة لمؤسسة الإمام وكيفية تنظيمها ومدتها فهو قرار مستقل لهذه الهيئة التي هي غير تابعة للجماعة وتشتغل حسب الطريقة التي تراها مناسبة لتحقيق رسالتها، وإن كنت أظن أنها لم تتبن نهائيا خيار مؤتمر سنوي وليس ضروريا أن تقام كل مناسبة بتركيا، وهي ستبقى متشبثة بحقها في الوجود التنظيمي والقانوني والمؤسساتي داخل المغرب.

يلاحظ في المؤتمرات الداخلية لتجديد هياكل الجماعة، بداية من تجديد الهيئة العامة للتربية والدعوة وبعدها مؤتمر الهيئة العامة للعمل النسائي ووصولا إلى الدائرة السياسية، ظهور صور الانتخابات الداخلية والصناديق الزجاجية، هل هذه رسالة على أن الجماعة تؤمن بالديمقراطية بل تطبق الآلية الديمقراطية داخل مؤسساتها الداخلية؟

هذا أمر ليس جديدا على الجماعة، ولكن ربما الإعلام انتبه لذلك للمرة الأولى، وإلا فهناك دورية منتظمة يتم فيها إجراء انتخابات داخل العدل والإحسان في كل المناطق وعلى كل المستويات وفي كل المؤسسات، وتكون هناك الصناديق الزجاجية، ومرشحين وناخبين وغير ذلك من مستلزمات العملية الانتخابية. وأؤكد أن هذا الأمر ساري المفعول في الجماعة منذ سنوات طويلة.

هل تقبل الجماعة بوجود تيارات داخلها، وإذا كان لا، فكيف يتم تدبير الاختلاف والتعدد ووجهات النظر المختلفة داخل الجماعة؟

الموضوع ليس موضة وليس هو الدليل على أن التنظيم يعيش ديمقراطية داخلية ووضعا صحيا. هناك آليات كثيرة لتنظيم الاختلاف والجماعة تومن أن لا تنظيم بدون نواظم ويقصد بهذه النواظم الروابط المعنوية، بعيدا عن الروابط المؤسساتية والقانونية، التي تربط بين أعضاء التنظيم ومؤسساته، وهي التناصح والتشاور والمحبة والتطاوع. لدى الجماعة تصور يكون الانتماء إليها على أساس الاقتناع به، ولديها مؤسسات تحترم اختصاصاتها، وقيادة منضبطة لهذا التصور. وطبعا هناك الاختلاف الذي تتباين درجته من قضية إلى أخرى ولكنه لا يتجاوز حد الاختلاف في التقدير ويدبر بتفعيل الشورى التي لا نراها آلية لتدبير الاختلاف فقط ولكنها صفة إيمانية يعتبر الاتصاف بها واجب لاستكمال التربية على شعب الإيمان.

ما تزال المسألة الإعلامية نقطة الضعف داخل الجماعة، باستثناء المواقع التنظيمية الرسمية، وموقع الشاهد على اليوتوب. لا تتوفر الجماعة على مواقع إخبارية تحليلية، لماذا هذا التعثر الإعلامي؟ ولماذا لم تقدم الجماعة على خطوة إنشاء مجلات وجرائد ورقية بناء على دستور 2011 على الأقل من أجل جس نبض السلطة والمناخ العام؟

الجواب ببساطة لأن التضييق والحصار يطال كل المؤسسات الإعلامية، وهي مناسبة لأذكر بالمشاريع الإعلامية الورقية للجماعة (الصبح، الخطاب، الجماعة، العدل والإحسان، رسالة الفتوة) التي وئدت بدون نص قانوني، ولأذكر بالحجب الذي تتعرض له مواقع الجماعة بين الفينة والأخرى.. الإعلام لا ينمو في وسط غير ديمقراطي ويوم نرى أن الوقت مهيأ في حده الأدنى لتأسيس منابر ورقية لن نتردد في هذا لأن الجماعة كانت سباقة في استيعاب أهمية الإعلام ولذلك فنواة تأسيس الجماعة كان في البداية التفاف حول مجلة الجماعة في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.

يلاحظ في عموم الحركة الإسلامية المغربية أنها تتقن صناعة القيادات التنظيمية بينما تتعثر في صناعة القيادات الفكرية، لماذا هذا التعثر هل هو نتيجة هيمنة التنظيمي على التنظيري؟

لا أظن هذه الخلاصة صحيحة مائة في المائة ولكنها نسبية ولا تقتصر على الحركات الإسلامية ولكنها تشمل الجميع إن أردنا أن نكون منصفين وهي مرتبطة بتحولات مجتمعية تلقي بظلالها على كل التيارات.

بعد أربع سنوات من وفاة الأستاذ ياسين يلاحظ أن الجماعة تنهج مبدأ القيادة الجماعية، بدليل عدم وجود كبير ثقل للأستاذ الأمين العام على مستوى التوجهات العامة للجماعة. هل الأمر يتعلق بطبيعة شخص الأمين العام أم بطبيعة المرحلة؟

بالمقابل، لو كان حضور الأستاذ محمد عبادي كثيرا لقيل أن الجماعة تشتغل بمنطق الزعامة ولا تنهج خيار العمل المؤسساتي، ولهذا فالجماعة كما قلت في البداية تنهج خيار عمل مؤسساتي والأمين العام حاضر ولا يقاس حضوره بالخرجات الإعلامية ومن يتابع الجماعة بدقة يعلم الدور الهام الذي يقوم به الأستاذ محمد عبادي حفظه الله وسط الجماعة لتجديد المشروع وتسريع دينامية الأداء والحفاظ على قوة الجماعة.

كيف تقيمون التواصل السياسي للجماعة مع باقي المكونات السياسية والجمعوية، هل تطورت بالمقارنة مع الماضي أم ما تزال تراوح مكانها؟

هو في تقدم مستمر، والحمد لله هذا المجال يتطور بسبب نضج الجميع وإحساسهم بأن التقارب والتعاون والاعتراف المتبادل والاستماع لبعضنا البعض هو الطريق الأسلم لتدبير كل الخلافات.. والجماعة من جهتها بينت في أكثر من مناسبة أنها جدية وصادقة في تبنيها لمدخل التغيير الجماعة ودعوتها للحوار وإصرارها على أنه المدخل الطبيعي لصياغة ميثاق جامع يجد فيه الجميع ذاته لبناء مجتمع متنوع يكون المقدمة الطبيعية لتأسيس دولة قوية يسود فيها القانون عوض التعليمات، وتحكم فيها المؤسسات عوض مزاجية الأشخاص، وتحترم فيها إرادة الشعب من خلال انتخابات حرة ونزيهة تفضي إلى تداول سلمي على السلطة، وتحترم فيها الحريات والحقوق.