يقول الحق جل وعلا في سورة الأحزاب: يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللّهَ ذِكْراً كَثِيراً 1 .

جاء في تفسيرها: يا أيها الذين صدّقوا الله ورسوله اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ذكرا كثيرا، فلا تخلوا أبدانكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم ذلك) 2 .

لا شك، ليس شيء من العبادات أفضل من ذكر الله تعالى، لأنه قدر لكل عبادة مقداراً وأزمنة وأمكنة، ولم يقدر للذكر من ذلك شيئا، بل قرنه مرارًا بالكثرة في القرآن والسنة.

ضد الكثرة القلة: الذكر القليل من صفات المنافقين يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا 3 ، أي الذِّكْرُ الَّذِي لَا مَنْدُوحَةَ عَنْ تَرْكِهِ، وقد يراد بالقلة العدم، وضد الذكر الغفلة، وهو أدوى الداء المتربص بالمومن، فإن كانت الغفلة عن الله وذكر لقائه أزعجت الصحابة فاتهموا أنفسهم بالنفاق مع أن ما شغلهم ساعة كان مباحا، فإن الغفلة عن الله والدار الآخرة بالانشغال بالتلفزيون والمسلسلات وهوَس الدنيا، والاسترسال في ذلك لهو النفاق بعينه) 4 ، أما عدم الذكر فهو النسيان: نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ 5 ، نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ 6 … النسيان ترك عن علم وعمد.

الذكر شرط أساس في سلوك مدارج الإحسان، وبرهان عملي للتأسي بخير الذاكرين لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا 7 ، وشهادة ربانية على الرفعة والفضل: ولذكر الله أكبر 8 ، فهو أكبر من كل شيء، ومن كل عمل، وأجره فوق كل أجر، وثمرته لا حد لها ولا حصر.

الذكر الأعظم: وهو ذكر القلب المقرون باللسان والجوارح، يترقى فيها المومن من ذكر اللسان إلى ذكر القلب واللسان، ومن الذكر في أوقات معينة إلى الاستغراق ثم الاستهتار.

الذكر الأكثر: صوما دوما، ليلا ونهارًا وحضرًا وسفرًا، ورخاءً وشدةً، ملازم في جميع أحوال المومن وأحيانه: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ” 9 . الذكر الأكبر المقرون بالجهاد: يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون 10 ، فالذكر بلا جهاد قعود وتبرك وسلوك انهزامي، أما الجهاد بلا ذكر فحركية جوفاء وعمل مفضول مسبوقٌ.

الذكر الأفضل: وهي الكلمة الطيبة “لا إله إلا الله” فعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ” 11 .

هى أفضل وجوه الذكر*** فاشغل بها العمر تفز بالذخر

ذكر الوقت مقدم على ذكر غيره، وهو صفوة الأعمال لصفوة الأوقات، ليس المهم أن تعمل ما شئت متى شئت، بل المهم أن تعمل العمل المناسب في الوقت المناسب، فعليك أن تعرف ما يتطلبه الوقت من عمل القلب واللسان والجوارح وتتحراه وتجتهد في القيام به حتى يقع موقعه من الموافقة للمقصود، ومن القبول عند الله عز وجل. جاء في وصية أبي بكر الصديق لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حين استخلفه ﴿اعلم أن لله عملا بالنهار لا يقبله بالليل، وعملا بالليل لا يقبله بالنهار﴾) 12 .

الذكر المسنون لا يجاريه الذكر المأذون وإن كان من أكابر العلماء والصلحاء، إذ هو بمثابة وصفة من لدن طبيب خبير، ودواء من صيدلية نبوية لا تخطئ الإصابة، ولكن العيب في المريض يقينًا وتصديقًا وامتثالا.

الذكر الأكمل القرآن ذكر يربي الإرادة، وهو ذكر الكُمّل، أهل الله وخاصته تلاوة وحفظا وتعهدًا، كلما حل ارتحل، نالوا الخيرية دنيا وأخرى، صَحبُهم الكرام البررة، ودرجتهم تتراءى مثل الثريا لمن دونهم.

ليس المقصد من ذكر فضائل الذكر مجرد تأثيث للفكر، لكن المعول إنزال ما في بطون الكتب والعقول من أحاديث وكلام الصالحين إلى القلب والواقع، والامتثال لسنته عليه الصلاة والسلام، كل سنته القولية والفعلية والقلبية، حتى يبقى مع الله ولله وبالله، فاللهم أعنا على ذكرك واذكرنا كي نذكرك، آمين.


[1] الأحزاب : 41.\
[2] جامع البيان في تأويل القرآن، أبو جعفر الطبري، ج20، ص 279.\
[3] النساء: 142.\
[4] تنوير المومنات، عبد السلام ياسين، ج1، ص 299.\
[5] التوبة: 67.\
[6] الحشر : 19.\
[7] الأحزاب: 21 .\
[8] العنكبوت: 45.\
[9] صحيح مسلم، كِتَابُ الْحَيْضِ، بَابُ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى فِي حَالِ الْجَنَابَةِ وَغَيْرِهَا.\
[10] الأنفال: 45.\
[11] سنن الترمذي، أبواب الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة.\
[12] يوم المؤمن وليلته، عبد السلام ياسين، ص7.\