لا يمكن لأحد يتسم بالإنصاف ألا يقف عند هذه القامة الفكرية والأخلاقية التي وسمت التاريخ الإسلامي عامة والتاريخ المغربي المعاصر خاصة ألا هو الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله. رجل لم يكن من محترفي السياسة وإن كان في قلبها، ولا من محترفي الفكر وإن كان أحد عمدائه، بل هو بالأساس رجل دعوة بمعناها الشامل: الدعوة إلى الرجوع والإنابة إلى الله تعالى ثم معارضة الباطل حتى تنتقض عراه). رجل دعوة جمع بين خلق الرحمة القلبية فأوصى بالرفق والحب في زمن العنف والقسوة. فهو رجل اللاعنف بامتياز إلى الحد الذي يصفه الكثير من الدارسين الغربيين بـ”غاندي المغرب”. رجل دعا إلى الوضوح واللاعنف كاستراتيجية في التغيير في الوقت الذي كان العنف والتغيير الثوري المسلح موضة، وعدم الأخذ به، حتى في صف الحركة الإسلامية، جهلا وأمية في التغيير الاجتماعي والسياسي. كما دعا إلى الوضوح مع الشعب ومع النخب ومع الحكام في الموقف السياسي وجسد هذا الموقف عمليا عندما جعل من منهاج حركته قائمة على اللاءات الثلاث: لا للعنف ولا للسرية ولا للارتباط بالخارج. وضوح تجلى في رسائل النصيحة التي بعثها إلى ملوك المغرب خصوصا رسالتي الإسلام أو الطوفان) التي أرسلها إلى الملك الراحل الحسن الثاني زمن السبعينات وما أدراك ما السبعينات، زمن الانقلابات وتطاير الرؤوس. ونصح فيها الحسن الثاني بإرجاع أموال الشعب إلى الشعب وبالتوبة توبة عمر بن عبد العزيز. الرجل قال كلمته ولم يتخل عنها لأن الكلمة عمل عظيم)، كما يقول ديوستوفسكي، و كان الثمن الذي أداه هو السجن في مستشفى الأمراض الصدرية ثم مستشفى الأمراض العقلية.

وبعد ذلك فرضت الإقامة الإجبارية على الرجل مدة عشر سنوات، وما تعرضت له جماعة العدل والإحسان بعدها من مضايقات وحصار لا يزال مستمرا إلى اليوم.

والرسالة الثانية بعثها للملك الحالي محمد السادس بداية تسلمه للحكم وهي مذكرة لمن يهمه الأمر). رسالة تتميز بقوة اقتراحية في المجال السياسي حيث دعاه للتبرؤ من مسيرة أبيه وفتح صفحة جديدة مع الشعب وإرجاع حقوقه المسلوبة وأمواله المكدسة في بنوك سويسرا. كما شملت اقتراحاته المجال الاجتماعي وقضية الصحراء.

الإمام عبد السلام ياسين في كل مواقفه من المجتمع والنخب والحكام كان يستند إلى نظرية بنائية في التغيير وهو المنهاج النبوي لتغيير الإنسان، منهاج يجمع بين التحليل والتركيب، حيث قدم نظرة من أعالي تاريخ المسلمين مسترشدا بنور الوحي. حيث إن أول صداع في رأس الدين هو إجهاض الشورى زمن معاوية بن أبي سفيان غفر الله له عندما نازع الحق أهله وهو سيدنا على كرم الله وجهه، وعندما وَرَّثَ ابنه يزيد السكير العربيد شأن الأمة فكانت بدعة ولاية العهد وبداية الحكم العاض الذي يعض على الأمة بالوراثة وتورث معها الأمة كما يورث المتاع.

من هذا الانكسار التاريخي، بتعبير الإمام، تناسلت كل أمراض هذه الأمة في مجال السياسة والحكم أساسا إلى مجال المجتمع ثم الفرد. فانزوى الإحسان بدعوى الخلاص الفردي وحل الظلم محل العدل، والورثة وحكم السيف وحكم الفرد المطلق محل الشورى والمشورة، وانحسر الفقه وانحبس الاجتهاد ونشأت العقلية التبريرية ودين الانقياد بتعبير الحكيم ابن خلدون. ثم جاء الانكسار التاريخي الثاني مع النزعات الاستعمارية فضاعت وحدة الأمة التي كانت مبررا لدى الكثير من علماء الإسلام برروا من خلالها الحكم العاض والاستبداد خشية أن تضيع وحدة بيضة الإسلام. لكن الاستعمار كسر بيضة الإسلام وحلت القوانين الوضعية محل الشريعة وبرزت النخبة المغربة والقومية العلمانية التي ذهب بما تبقى من عراه هذا الدين وهذه الأوطان. فعاشت الشعوب في “فتنة” وليس في جاهلية. توصيف الأستاذ عبدالسلام ياسين المجتمع بأنه مجتمع مفتون عوض التوصيف “القطبي” بأنه مجتمع جاهلي، هو مدخل فكري وسياسي للعلاج. وانسجاما مع اقتناعاته بأنه لا يجوز بحال من الأحوال تكفير أي واحد من أهل القبلة إذ التكفير هو أول بدعة في الإسلام حيث استباح بها الخوارج دماء المسلمين ومنها دماء الصحابة رضوان الله عليهم، فلا يمكن معالجة داء بداء ربما أشد منه. والشاهد على ذلك ظهور الجماعات التكفيرية التي تستبيح حمى المسلمين في مصر والجزائر وحال يومنا هذا يغني عن البيان

ومن هنا فمدخل التغيير حسب الإمام في وضع كهذا هو التجديد، وهو التجديد الشامل الذي ينطلق من الفرد تربية حيث التدرج به من إسلام لإيمان لإحسان على خصال الصحبة والجماعة والذكر والصدق وباقي خصال الايمان كما فصلها في كتاباته. تربية متوازنة تأخذ القلب فتضع فيه رحمة والعقل فتضع فيه حكمة و تحرره من الخرافة والإلحاد، وتأخذ الجسد فتبعث فيه إرادة وقوة لعدم للسقوط المزالق الثلاث: الإسلام الحركي الأجوف والإسلام الفكري الجاف وإسلام الزهادة والدروشة وعدم التهمم بأمر المسلمين. فرد يتخلص من العقبات: الذهنية الرعوية والطاعة العمياء والأنانية المستعلية التي تأبى النصيحة والعمل الجماعي والعادات الجارفة من الماضي ومن الآخر فيما يسجن الذات ولا يفيدها. كما أنه تجديد يطال المجتمع ببناء جماعة المسلمين وبناء الطليعة المجاهدة، والجهاد رفق وتؤدة وبناء العمران الاخوي حيث ترعى هوية الأمة وتحفظ الفطرة وتبلغ الدعوة. كما يطال الدولة ببناء الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية ما دام الشعب المغربي اختار الإسلام طوعا لا كرها وما دام جميع الفرقاء يقرون بأنهم مسلمون. دولة تبنى بعد ميثاق جامع يجمع بين مختلف الفاعلين دون إقصاء إلا من أقصى نفسه بعد حوار وطني على مرأى وأعين الشعب، يحد المعالم الكبرى للدولة المعاصرة الموحدة القائمة على فصل السلط والتداول على السلطة بشكل سلمي ديمقراطي وحفظ حقوق الانسان.

كما أن التجديد يروم خدمة الإنسانية بإعادة العلاقات الدولية على أساس عادل وعلى حفظ حقوق الإنسان في العالم استجابة لنداء الله تعالى: ولقد كرمنا بني آدم. تكريم إلهي لكل إنسان من حيث هو إنسان بغض النظر عن عقيديته وجغرافيته وعرقه. فالله خلقنا من ذكر وأنثى وشعوبا لتحقيق التعارف وليس التنازع. وفي هذا الصدد راجع الإمام التقسيم القديم الذي اعتمده الكثير من الفقهاء المسلمين الذين يقسمون العالم إلى دار إسلام و دار حرب، فرأى هو أنه تقسيم لا يعكس كليات القرآن ولا رسالة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم. فاعتمد تقسيما هو: أمة الدعوة: وهم الذين لا يدينون بالإسلام ملة، فهم موضوع الدعوة والرفق، وهم نظراؤنا في الخلق كما يعبر الإمام علي كرم الله وجهه. وأمة الاستجابة وهم المسلمون الذين يجب أن يكونوا في مستوى إسلامهم ومستوى دعوة نبيهم القائمة على الرحمة مصداقا لقوله تعالى: وما أرسناك إلا رحمة للعالمين.