في معنى الحوار وآدابه

إن الحديث عن الحوار تأسيس لعلاقة بين طرفين غايتهما البحث عن “الحق”، أو على الأقل الوصول إلى حد أدنى من شروط الاتفاق المعقولة حول ما يعتقد كل طرف أنه “الحق”، وعليه يقتضي الحوار بما هو “عقد” بين “متحاورين” “موضوعا” للحوار. وبلغة لسانيات الخطاب يتطلب الحوار “مرسلا” و”مستقبلا” و”رسالة”، وبقدر ما يسعى كل طرف إلى وضوح رسالته يحقق “الإبانة” و”الوظيفة التواصلية” التي من أبعادها تحقيق الاقتناع باعتباره مقصدية من مقاصد المتكلم، تستهدف حمل “المخاطَب” على مشاطرة “المخاطِبِ” رأيه، أو التصرف وفق ما يرضاه أو يتوخاه 1 .

وإن البحث عن “الحق” يفرض جملة آداب سطرها علماؤنا الأجلاء لما تحدثوا عن طرق “المجادلة” والمناظرة”، غايتهم في ذلك ألا يتحول الحوار إلى مماراة بعيدة عن نشدان الحقيقة، أو إلى مشاحنات أنانية ومشاتمات ومغالطات، ونحوذلك مما يفسد القلوب، ويهيج النفوس، ويورث التعصب ولا يوصل إلى حق) 2 .

بعض هذه الآداب يتجه إلى الذات المحاورة التي عليها أن تخلي ذهنها من أي تعصب لرأي مسبق إذ المتعصب لا تسلك في أذنه غير رنات صوته، فلا يحسن الاستماع الذي هوشرط حسن الجواب، وأن تجادل بالتي هي أحسن بعيدا عن أساليب السب والشتم والسخرية، وغيرها من الوسائل التي تنم عن دناءة في الخلق، ثم أن تقبل النتائج التي أوصل إليها الحوار اعتمادا على المسلمات البديهية المنطلق منها، وإلا عد الحوار لهوا وعبثا، وهوما لا يرضاه عقل سليم.

وهناك آداب أخرى تنصرف إلى أسس الاستدلال، حيث لا بد من اعتماد البينة الواضحة سواء تعلق الأمر بصحة النقل أو ببرهان الدعوى، وكذلك تجنب التناقض والتعارض والمصادرة والمكابرة والمعاندة، وغيرها مما لا يجوز للمحاور السقوط فيه 3 .

إن وراء عدم احترام هذه الأصول ذهنيات تعيق الحوار نجملها في:

أ- الذهنية الوضعية العدمية التي تفرغ الإنسان من جوهر معنى وجوده وغاية كينونته حين تحصره في دائرة مصلحته النفعية، أوحين تربطه بعجلة التاريخ في مطحنة التغيير العنيفة، فتجعل منه بذلك كائنا لا يفكر في شيء، ولا يؤمن بشيء خارج دائرة الأرض الطينية.

ب- الذهنية المستعلية التي تأنف من قبول الحق، يمنعها من ذلك عجب بالنفس، وهوى في القلب، واستغناء بما لديها عن طلب ما في يد الخلق.

ج- الذهنية الذرية التي تتجزأ نظرتها إلى الأمور. فتفقد شموليتها التحليل ونسقية التصور، ومنهاجية العمل، وهوما يؤدي إلى عدم الإحاطة الكلية بجوانب الموضوع المدروس.

طالع أيضا  ندوة "الحوار وأفق العمل المشترك" بطنجة تجمع لفيفا من ساسة ونخبة المغرب

مجموع هذه الذهنيات في تفاعلها وتداخلها تحكم منذ البداية على فشل الحوار، من هنا نذهب إلى أنه لا حوار مع أصحاب هذه الذهنيات، ولا أرضية للالتقاء ولا خطوط للتواصل أوالتفاهم، ما دام هؤلاء يؤسسون نمطا فكريا ينتج عنه سلوك منهجي يرفض الرضوخ للحق- المطلب الأساسي للحوار.

في خصوصية الخطاب الحواري (مدرسة السلوك المنهاجي نموذجا)

أ- إذا كنا في الفقرات أعلاه، قد رسمنا معنى للحوار وآدابا لطرقه، فإننا نتساءل هنا عن: كيف يمكن الجمع بين اللغة التي تطبع خطاب الحوار عند “مدرسة السلوك المنهاجي” 4 ، وبين الرغبة المؤكدة في ربط جسور الحوار مع مكونات المجتمع المدني المتجسدة في الفضلاء الديمقراطيين الفاعلين في الحقل السياسي المغربي؟ ألا تستبطن هذه الدعوة إلى الحوار إقصاء ضمنيا حين ترسم لنفسها دائرة وأرضية ومنطلقات لا ترضى عنها بديلا؟!

أسئلة أساسية وإشكالات مهمة تحضر بقوة في أي نقاش راصد لهذا الزخم المعرفي المتدفق الذي راكمته هذه المدرسة: اجتهادا فكريا، وممارسة تربوية، واحتضانا دعويا، وإشعاعا شعبيا، وتكوينا متوازنا، وحركة مدافعة رفيقة رحيمة.

نرى أن أية ممارسة جادة ومجددة لا بد لها من غاية ترسمها وهدف تحدده، وذلك حتى لا تكون حركتنا من باب الجدال الفكري العقيم الذي لا طائل من ورائه إلا مضيعة الوقت والجهد، وما يجره ذلك من خواء وجفاء، وبالنظر إلى أرضية الإسلام الذي تنطلق منه المدرسة، يتحدد الحوار من خلال حافز وغاية.

الحافز: الاستجابة لأمر الله تعالى بدعوة الناس إلى ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة والدفع بالتي هي أحسن، من خلال عرض الإسلام عرضا يكشف عن حقيقته الصافية التي أضاعتها قرون الفتنة واختلاط الحق بالباطل على الناس واشتباه الجاهلية بالإسلام عليهم.

ثم الغاية: هي نيل رضى الله عز وجل لما يتوب الناس إلى ربهم، تحقيقا لواجب وجودي هو عبادة الله تعالى.

وإن فهم هذا الخطاب الحواري رهين بضبط عنصرين أساسين: يتعلق الأول بعنصر التجديد الذي تتقدم به المدرسة المنهاجية في قراءتها للفكر الإسلامي، ويرتبط الثاني بظرفية الواقع الموضوعية التي تتطلب فهما وإدراكا عميقين لعلة الداء وممكن البلاء وسبل العلاج والدواء.

ب- تتحدد ملامح الخطاب المنهاجي في اتسامه بالخصائص التالية:

– الربانية الإحسانية: وتطرح قضية عبادة الله والإخلاص له والارتباط به والاعتماد عليه، ورد حركة الكون والإنسان إلى قدره وتدبيره، وما يؤدي إليه هذا من استحضار غيبه ومعيته وحوله وقوته، مع ما يفيض عن ذلك من رحمة قلبية تؤتي حكمة عقلية، تثمران موافقة لقدر الله.

طالع أيضا  ندوة "الحوار وضرورة البناء المشترك".. نقاش راق وجاد يستكشف السبل

– المقصدية الهادفة: وترمي إلى تجاوز العدمية التي يتخبط فيها الإنسان بسبب عدم تحديده لمعنى وجوده ولماهيته ولهويته، وهو التجاوز الذي يبني سلوك ملتزما بعمارة الأرض، يعانق هموم المستضعفين، يقوم شاهدا بالحق والصدق والقسط، مؤسسا لوعي عارف، معبئا فاعلا محررا للعقل والقلب والإرادة.

– التأصيل المفاهيمي: المنضبط بالعلم النافع، يستقي روافده من معين كتاب الله المسطور دون أن يغفل عن سنن الله في الكتاب المنظور.

– الشمولية المتوازنة: تعتمد النظرة الكلية في التحليل، وتطرح آلية “التربية” المراعية لفطرة الإنسان على اختلاف جوانبها دون طغيان عنصر على أخر، متجنبة السقوط في الدروشة المتناومة المستقيلة أمام فتنة الواقع، أوفي الحركية الجوفاء، أوفي الفكر المجادل المماري.

-الإجرائية الواقعية المسؤولة: التي ترسم الأهداف وتحدد الغايات، وتضبط الوسائل، وتبرمج الأولويات، وهي مدركة لحيثيات الواقع، واعية بحقائق الأزمة، متحملة لمسؤولياتها، معترفة بحاجتها إلى ذوي النيات الصادقة لإيجاد الحل، وانتشال الأمة من حمأة الفتنة.

ج- وتبرز ملامح الظرفية الواقعية في:

1- أن واقعنا الذي نحياه مفتون متأزم على كافة الأصعدة تربويا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا، بعيد عن الإسلام المجسد للعمق التاريخي لأمتنا، المحدد لهويتنا وكينونة وجودنا.

2- أن المستقبل أمامنا مليء بتحديات جمة تفرض علينا مجابهتها، وهي تحديات مصيرية: لا يمكن أن نقوم لها إن سكنا في مسرحيات المجاملة، ولا قوة لنا جميعا أن ننفع أمتنا ونرقى بها مراقي العزة والكرامة، إن تخندق بعضنا خلف سرية ماضيه وسياقه ومبانيه ليوهم الشعب، وليكذب على الله وعلى الناس والتاريخ) 5 .

3- إن الشعب رغم الفتنة باق على فطرته، متشبث بدينه، متمسك بإسلامه (أي إسلام؟!)، يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى من يوعيه ويربيه ويبصره بمخاطر الاختيارات التي يسلكها، أو يراد له أن يسلكها.

4- أن في الفاعلين السياسيين فضلاء، فيهم فضل مروءة وإخلاص، وبقية حياء ودين، يحتاجون إلى من يمحي ما ران على قلوبهم من أدران الفلسفات المتغربة.

إن من يجدد من هذا المنظور، وضمن هذه الوضعية، يؤسس، ومن يؤسس على أرضية الإسلام لا يرضى بغير الوضوح منهجا وسبيلا، ذلك أن طريق الغموض طريق المجهول، والجهل لا يخلق غير التخبط العشوائي المفسد لا المصلح، والوضوح يقتضي الصراحة التي لا تجامل، والرفق الذي لا ينافق، والإفصاح الذي لا يكتم، ثم الوعي بالخلفيات الموجهة والعقائد الثاوية، وأيضا ضبط المفاهيم- لغة الحوار، ذلك أن اللغة ترجمان الفكر، وما تنفك أية لغة عن حمولتها الفكرية والفلسفية، وهو ما يعني ضرورة معرفة الخلفية التاريخية والاجتماعية، والمنطلقات النظرية والتصورية لأي مصطلح بربطه بأبعاده التاريخية حتى لا نسقط في تعسف منهجي تترتب عنه نتائج غير علمية. ويستطيع الدارس أن يسجل أن المفردات والمصطلحات المتداولة من طرف فضلائنا مستوردة من إطارات معرفية أخرى، ومستنبتة في حقل غير حقلها، وفي تربية غير تربيتها، لغة تعبر عن الاختراق النفسي والعقلي لذواتنا، وعن سكن الآخر واستيطانه أدمغتنا بعد أن خرج من دورنا وبيوتنا (… وهل خرج؟!). وعرضنا للمسألة المفاهيمية دعوة إلى استلهام كلمة الإسلام التي تستقي من معين القرآن وبلاغة الحديث والحكمة الإنسانية ضالة المؤمن. كما هي نداء لمراجعة المواقف من كثير من اصطلاحات فضلائنا بوعي أصولها ولوازمها وقواعدها.

طالع أيضا  فاس: "الحوار وتدبير الاختلاف" في ندوة الذكرى الرابعة لرحيل الإمام المجدد

يصل بنا التحليل أعلاه إلى ما تطرحه مدرسة السلوك المنهاجي من إجراء عملي للحوار، والمتمثل في الالتقاء على أرضية “ميثاق إسلامي” تتم صياغته أمام الشعب وبمساهمته وحضوره، تحت سمعه وبصره عوض إلغائه وتغييبه، و”الميثاق الإسلامي” يقف على طرف نقيض مع أرضية “الكتلة التاريخية” المؤسسة على الحداثة والديموقراطية العقلانية، يجتمع فيها الكل لتطوى صفحات ماض مليء بالكذب والنفاق والمآسي. والميثاق الإسلامي أساسه، لبه وعمقه، الاحترام التام لعقيدة الجماهير الشعبية، وبناء لذهنية الإرادة والواجب والفعل الباني، بدءا بإعلان التوبة، وإعطاء برهان الصدق، والمشاركة الباذلة القاسمة للتضحيات، وانتهاء ببناء مجتمع العمران الأخوي الذي أساسه جماعة المسلمين، رابطته المحبة، لحمته الولاية، ضابطه العدل، غايته الإحسان.

نقصد بمدرسة السلوك المنهاجي هذا الاتجاه الدعوي التربوي الفكري الحركي الذي أسسته نظريا مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين، وواقعيا أدبيات جماعة العدل والإحسان، وهي المؤلفات التي تقدم مشروعا للتغيير، للإنسان على أساس الإحسان، وللمجتمع بضابط العدل(يراجع بصدد مفهوم “المنهاج” “مقدمات في المنهاج” عبد السلام ياسين).


[1] “في بلاغة الخطاب الإقناعي” محمد العمري ص 6.\
[2] “ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة” عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني ص 361.\
[3] المرجع السابق نفسه 451.\
[4] نقصد بمدرسة السلوك المنهاجي هذا الاتجاه الدعوي التربوي الفكري الحركي الذي أسسته نظريا مؤلفات الأستاذ عبد السلام ياسين، وواقعيا أدبيات جماعة العدل والإحسان، وهي المؤلفات التي تقدم مشروعا للتغيير، للإنسان على أساس الإحسان، وللمجتمع بضابط العدل (يراجع بصدد مفهوم المنهاج “مقدمات في المنهاج” عبد السلام ياسين).\
[5] “حوار الماضي والمستقبل” عبد السلام ياسين ص 26.\