أصدر المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات المعروف اختصارا بـ”CEMRAP” بداية هذا الأسبوع كتابا دراسيا جديدا تحت عنوان مغرب ما بعد حراك 2011.. ماذا تغير؟) شارك فيه نخبة من الدكاترة والباحثين من مجالات مختلفة تحت إشراف وتنسيق الدكتور محمد منار باسك أستاذ القانون العام بجامعة القاضي عياض بمراكش.

في تقديمه للكتاب، الذي جاء في 300 صفحة من القطع الكبير، قال محمد منار باسك كان هذا عرضا سريعا لما يمكن تسميته بسياق التاريخ القريب، وما أنتجه من سياق الواقع، ليتداخل كل ذلك مع سياق إقليمي يدفع في اتجاه تأجيج الحراك بالمغرب، بقيادة حركة 20 فبراير. لكن هذا الحراك ظل في تفاعله ومآلاته محكوما بمعالم المشهد المشار إليها آنفا؛ فالسخط المتنامي وفر قابلية الانخراط في الحراك، ووسائل الاتصال، بسرعتها وصورها الحية، أذكت الحماس وبثت الأمل في “إسقاط الفساد والاستبداد”، إلا أن هيمنة الملكية المطلقة، وولاء أغلب الأحزاب السياسية لها، خاصة حزب العدالة والتنمية، وضعف الامتداد الجماهيري لبعض القوى الداعمة للحراك خيّبت آمال المحتجين في المآلات).

وأضاف باسك في مقدمة الكتاب: لا تزعم دراسات هذا الكتاب أنها تقدم إجابات كافية عن هذه الأسئلة، خاصة أنها لم تغط كل المجالات، كما أن إطارها الزمني محصور في الخمس سنوات الأولى بعد حراك سنة 2011، أي من سنة 2011 إلى سنة 2016. ولكن هي محاولة، وربما من المحاولات الأولى، لبحث وتقويم بعض ما حدث سياسيا واقتصاديا واجتماعيا خلال تلك المرحلة).

ليخلص إلى أن موضوع الكتاب ليس البحث في سياق الحراك وتفاعلاته، ولكن البحث في بعض نتائجه إلى حدود الساعة، مع العلم أن البحث في النتائج استدعى من بعض الباحثين العودة السريعة والمقتضبة إلى السياق والتفاعلات. وينقسم الكتاب إلى قسمين؛ قسم أول بعنوان: المغرب الدستوري والسياسي: حدود المؤسسات وإكراهات التفعيل، وقسم ثان بعنوان: المغرب الاقتصادي والاجتماعي: حدود السياسات وتحديات الواقع).

وقد ضم القسم الأول خمس دراسات، أولاها للباحث عبد الرحيم خالص، بعنوان: مطالب الحراك بالمغرب، بين الخطاب الملكي والنص الدستوري)، وتناول البحث في مدى الاستجابة الدستورية لمَطالب الحِراك، الذي شهده المغرب سنة 2011، انطلاقا من وثائق حركة 20 فبراير، ومرورا بالخطاب الملكي ليوم 9 مارس 2011، وصولا إلى الوثيقة الدستورية ليوليوز 2011. والدراسة الثانية كانت للباحث خالد العسري، بعنوان: حدود المتغيرات في العلاقة بين مكونات السلطة التنفيذية في دستور 2011)، وانصبت على بحث متغيرات السلطة التنفيذية في دستور2011، لمعرفة هل تعني تلك المتغيرات نزع السمة الرئاسية للملكية، وتواريها إلى الخلف تاركة المكان لرئيس الحكومة؟ أم أن الأمر لا يعدو محاولة تستر على هيمنة ملكية لا تخفى عند تناول الفصول الدستورية في تفاصيلها؟ ثم كانت الدراسة الثالثة للباحثين عبد الفتاح بلخال وجواد الرباع، بعنوان: رئاسة الحكومة، تجديد أم استمرارية؟)، وقد انصبت على عرض وتحليل مستجدات رئاسة الحكومة في دستور 2011، وبحثت المعيقات التي تحيط بتلك المستجدات، سواء على مستوى النص الدستوري أو على مستوى التفعيل. وكانت الدراسة الرابعة للباحث محمد باسك منار، بعنوان: قراءة في التجربة الدستورية والسياسية بعد خمس سنوات على الحراك)، وتطرقت بالتحليل لأهم الأحداث الدستورية والسياسية التي عرفها المغرب خلال الخمس سنوات الأخيرة، والمتمثلة في إقرار دستور جديد، وتنظيم انتخابات تشريعية ومحلية، وتشكيل حكومة بقيادة حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي. أما الدراسة الخامسة، فقد كانت للباحثة مليكة الزخنيني، بعنوان: حصيلة محاربة الفساد والاستبداد في مغرب ما بعد الحراك)، وتناولت بالتحليل دلالات شعار محاربة “الفساد والاستبداد” في سياق الحراك المغربي، وطريقة تعاطي الفاعلين السياسيين معه، وتتبعت مفهومي ذلك الشعار لرصد ما لحقهما من تحول خلال السنوات الخمس الأخيرة.

فيما ضم القسم الثاني من الكتاب خمس دراسات، أولاها للباحث إدريس شكربة، بعنوان: المالية العمومية بالمغرب: بين حفز النمو وتدبير الأزمة)، تناولت تطور المالية العمومية بالمغرب خلال الفترة 2011-2015؛ وساءلت السياسة الجبائية، كما ساءلت نجاعة النفقة العمومية خاصة تلك المتعلقة بالاستثمار، وتطرقت بالتحليل والنقد لقطاع المؤسسات والمقاولات العمومية، لارتباطه البنيوي بميزانية الدولة. وثاني دراسة كانت للباحث هشام عطوش، بعنوان: الحكامة الاقتصادية، الثابت والمتغير بعد الحراك المغربي)، تناولت موضوع الحكامة الاقتصادية من خلال تحليل مضامين مجموعة من الوثائق؛ منها دستور 2011 والبرنامج الحكومي لسنة 2012 وتقارير مؤسسات الحكامة، كما تطرقت لمضامين بعض القرارات الحكومية ومضامين بعض التقارير الدولية. كل ذلك من أجل معرفة تحولات الحكامة الاقتصادية بعد الحراك. أما الدراسة الثالثة فقد كانت للباحث خلاف أوجادر، بعنوان: التحولات السوسيولوجية والسيكولوجية في مغرب ما بعد الحراك)، بينت أهمية دراسة التحولات السوسيولوجية والسيكولوجية، وركزت على تحليل ما طرأ من تغيرات اجتماعية ونفسية من خلال رصد أهم التحولات التي مست منظومة العلاقات والتبادلات والأدوار وأنماط الفاعلين السياسيين والاجتماعيين، أثناء الحراك وبعده. ثم كانت الدراسة الرابعة للباحث مصطفى ﺷﮕري، بعنوان: التربية والتعليم بالمغرب بعد سنة 2011، خطابات السياسة وإنجازات التدبير)، وقد قدمت هذه الدراسة قراءة في الخطاب التربوي المنتج، من خلال تتبع مختلف الوثائق التي صدرت خلال السنوات الخمس الأخيرة، كما قدمت تشخيصا عاما للحصيلة التربوية في مستويات عدة، لتنتهي إلى مجموعة من الاستنتاجات التي تفرضها المقارنة بين الخطاب المعلن والمنجز في الواقع. أما الدراسة الخامسة، فقد كانت للباحث رشيد بوصيري، بعنوان: إعادة تركيب الحقل النقابي المغربي)، وشخصت الحقل النقابي على ضوء أنماط النقابية العربية، وبحثت ما حدث خلال السنوات الأخيرة من تحولات تمخض عنها ظهور قوى عمالية جديدة، بدأت تبرز في الحقل النقابي، وما أثاره ويثيره ذلك من إشكالات على مستوى الضبط والفعل الاجتماعيين.