مقدمـة

كانت همة الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله في حياته أن يجد في صحيفته يوم يلقى الله عز وجل أفواجا من المحسنين، ويا لها من همة عالية. همة صاحبتها إرادة قوية وعمل جاد وجهاد متواصل وإصرار على بلوغ المراد. فدعا إلى الإحسان بكل الوسائل، بحاله ومقاله وأفعاله، وما كتبه في كتاب الإحسان بجزأيه خير تعبير عن ذلك. وما كتبه إنما كتبه بلحمه ودمه وروحه وعقله. فجزاه الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خيرا كثيرا.

فكرة الإحسان كما جسّدها صاحبها في الكتاب أن هناك في ديننا مقاما ومرتبة ودرجة أعلى السلم الإيماني، يمكن أن يصل إليها أي إنسان ينشد الإحسان ويطمح إليه، إن هو حدث نفسه بالصعود والاقتحام والارتقاء والتنافس مع المتنافسين، والتسابق مع المتسابقين، وشمّر عن ساعد الجد والاجتهاد وأخلص النية والهمة في القصد والهجرة والطلب.

كتاب الإحسان عندما نسبر أغوار أفكاره العميقة نجده يتحدث عن الإحسان باعتباره سلوكا وليس ترفا فكريا، تقربا إلى الله وقطعا للمسافات إليه وليس استمتاعا بذكر كلام الرجال وبإحسان من أحسن. هنا تكمن قيمة الكتاب، ولن ندرك هذه القيمة التي يملكها إلا عندما يتجسد هذا الإحسان في حياتنا إيمانا وشعورا وسلوكا يوميا، آنذاك سنفهم السعادة الحقيقية التي عاشها ويعيشها المحسنون في كل زمان ومكان. آنذاك ستتغير نظرتنا للعالم، فبدل أن نراه وكأنه يتآمر ضدنا سنراه في خدمتنا وسخره الله تعالى من أجلنا.

وعندما نحمل هذا التصور المنهاجي لقضية الإحسان باعتباره القمة في السلم الإيماني ودرجة أعلى في درجات الدين، ستبقى أعين قلوبنا دائما مشدودة نحو الأعلى، وأرواحنا تواقة إلى الوصول للفوز بالرضى والقبول، لكن دون أن ننسى أهدافنا الجهادية في إقامة العدل وعمارة الأرض. الإحسان ينقلنا من ذلك الإنسان التقليدي القابع في درجة الإسلام الأعرابي إلى ذلك الإنسان الرباني المجاهد الطامع والطامح في المقامات العليا. إنه لا يهتم بكم عمرنا أو بكم مضى منه، إنه يهتم بلحظتنا الآنية وبما تبقى من عمرنا في مستقبلنا أن نحيى محسنين ونموت محسنين.

مفهوم الإحسان

كان مفهوم الإحسان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين رضي الله عنهم مفهوما واسعا له تجليات على مستوى العبادات والمعاملات والعادات، كان يمثل ميدان التنافس في السلوك إلى الله والتقرب إليه، مفهوما لم ينفك ارتباطه يوما عن مفهوم العدل. فإذا كان الإحسان مطلب الإنسان، فقد كان العدل مطلب الأمة. ثم ما لبث مع الانكسار التاريخي وبعده أن ضُيق مفهومه وحوصر في الصدقة وفعل الخير، فأسست لذلك لجان إحسانية وجمعيات خيرية ليتوهم الناس بهذا العمل وبما يسمعونه من الوعاظ والخطباء أن هذا هو الإحسان. ولم يقف الأمر عند تسطيح المفهوم وتضييقه بل وصل أيضا إلى حدِّ فصله عن توأمه العدل.

كتاب الإحسان الذي كتبه الإمام رحمه الله إنما كتبه ليصحح به هذا المفهوم الضيق حتى يحتل مفهوم الإحسان مكانته الحقيقية من الدين، وهو أعلاه، وحتى يُفهم الإحسان الفهم المنهاجي كما كان على العهد النبوي والعهد الراشدي سلوكا يوميا لا ينفصل عن العدل والدعوة والجهاد.

الإحسان بهذا المفهوم وبهذه المعاني قد لا يستسيغه الناس اليوم ولا حتى بعض العلماء منهم، والسبب لأن شروط الفتنة عملت عملها في تثبيت وترسيخ المفهوم الضيق والسطحي في العقول على مرّ القرون. هكذا تعمل فيروسات العقل المتوارثة في مقاومة الأفكار التجديدية. ولذلك قبول هذا المفهوم المنهاجي للإحسان من قبل هؤلاء العلماء ومن قبل العامة من الناس واستيعاب معانيه واتخاذه سلوكا يوميا في الحياة قد يمرّ بجملة من المراحل كما جميع المفاهيم الجديدة والمتجددة عبر التاريخ. ما زلت أتذكر يوم صدور الإحسان للمرة الأولى كم لقي من انتقادات، وبدوري قدمت نسخة منه يومئذ لأحد الأصدقاء ليقرأها فامتنع من أخذها، لأنه خاف من أن يتأثر بما فيها من أفكار “صوفية” على حدّ قوله. ويكفي ما شهد به الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله لما وصلته نسخ من كتب الإمام الأوائل، قال: جزاك الله خيرا، صرحت بما لا نستطيع التصريح به) 1 .

مراحل ترسيخ المفهوم الجديد

ذكرنا سابقا أن المفاهيم الجديدة والمتجددة تمر بجملة من المراحل حتى تترسخ في أذهان الناس وواقعهم، ونجد على رأسها أربعة مراحل وهي:

1- التهميش: ففي البداية يبدو المفهوم الجديد والمتجدد غريبا، وبما أنه لا يشكل أي تهديد للمنظومة الفكرية السائدة، فإن ردّ الفعل من قبل الفئة الواعية والمهتمين ممن لا تتسع حويصلتهم لتقبل هذا المفهوم هو التهميش لكيلا يصل أثره وتأثيره إلى العامة.

2- السخرية: تبدأ عندما ينتشر المفهوم الجديد والمتجدد، ويستمر في الحياة والانتشار رغم تهميشه، فتكون السخرية بالتقليل من أهمية المفهوم وجدواه، ولما لا بنعت صاحبه بأوصاف تنفّر عنه الناس وتطيح من شخصيته العلمية والفكرية والتربوية والجهادية. فتسجل لذلك أشرطة مسموعة وأخرى مرئية، وتؤلف كتب وتنشر مقالات. وما شريط “الخلافة خرافة” عنا ببعيد.

3- الانتقـاد: ما أن يكتسب المفهوم الجديد والمتجدد قبولا في أوساط المؤيدين والناس عموما حتى ينبري المعارضون باستبدال السخرية نقدا وانتقادا باستعمال مختلف الوسائل السمعية والبصرية والمكتوبة لعل هجومهم يقف حجر عثرة، لكن أنى لهم ذلك.

4- التبنـي: أخيرا يقوم عدد كاف من الناس بقفزة مصيرية إلى المفهوم الجديد والمتجدد الذي اكتسب بعدا سيكولوجيا وفكريا كبيرا، فيوافق العالم على المفهوم ويتبناه وتُفتح له المدارس والمعاهد والجامعات للدراسة والتحليل والتطبيق. وما بِتنا نسمعه أخيرا من قبل بعض الشخصيات في الأوساط الإسلامية خاصة إلا دليل ساطع على الاقتناع التام بضرورة الإحسان.

فلعل بفضل الإمام رحمه الله وبفضل رجاله الذين صاروا على الدرب والعهد وبفضل الله أولا وأخيرا قد تجاوز مفهوم الإحسان أغلب المراحل وأوشك أن يستوي عودُه، ويستقر في ذهن معظم المسلمين أن الدين الذي جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم هو إسلام وإيمان وإحسان. وأن المطلب العالي لكل مسلم مؤمن هو مطلب الإحسان الذي هو رضى الله وطلب وجهه الكريم.

فأن نسلك السلوك الإحساني كما سلك صاحبه وسلك من قبله المحسنون لا بد من فهمه فهما منهاجيا، ولفهمه الفهم المنهاجي لا بد من إزاحة كل الأفكار المشوشة عن التصوف والزهادة والرهبانية، والاقتناع التام بوجوده القرآني والنبوي، لأن هذا الطريق يفهم بالتذوق والتجربة، فمن ذاق عرف، ومن سلك اغترف.

معاني الإحسان

وأما معاني الإحسان الواردة في الكتاب والسنة والتي تجمع بين العلم والعمل، بين المعرفة والسلوك، بين الدنيا والآخرة، فقد لخصها الإمام المجدد رحمه الله تعالى في كتاب الإحسان في ثلاثة معان:

1- الإحسان في العبادة، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.

2- الإحسان في المعاملة، بأن تحسن معاملة الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وجميع المسلمين وسائر الخلق أجمعين.

3- الإحسان في العمل بإتقانه وإصلاحه، سواء العمل العبادي أو العادي أو المعاملاتي.

مجموع هذه الدلالات يعطينا مواصفات المؤمن الصالح في نفسه وخلقه وتعامله مع المجتمع، يعطينا الوصف المرغوب لعلاقات العبد بربه وبالناس وبالأشياء. علاقته بربه تكون إحسانية إن حافظ على ذكره لا يفتر عن مراقبته وخشيته ورجائه ودعائه ومناجاته 2 .

ومن معاني الإحسان في العبادة أن تضفي عليها قيمة إحسانية، ليس في إتقان ما يرتبط بها من عمل الجوارح، وإنما في الحضور القلبي والخشوع. فمثلا الإحسان في عبادة الصلاة، ليس فقط بإتقان حركاتها الجوارحية من قيام وركوع وسجود وجلوس، وإنما أيضا وهو الأساس المهم أن تقوم وتركع وتسجد وتجلس بقلبك وعقلك، بشعورك وفكرك. وهذا ما يمكّن للمصلي أن يقوم بالسياحة البراقية في معراج سماوي، فالصلاة معراج.

ومن معاني الإحسان في المعاملة، أن لا تقف المعاملة بالحسنى عند المسلمين، ولا عند الناس فقط، بل تتعدّى لتشمل خلق الله جميعا. فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من سلم الناس من لسانه ويده، والمحسن من سلم جميع الخلق من لسانه ويده. فدائرة تعامل المحسن هي أوسع دائرة على الإطلاق من حيث السلام والإحسان والرحمة والشفقة.

ومن معاني الإحسان في العمل إلى جانب الإتقان أن نقف عند الأعمال من حيث الجوهر وليس من حيث الشكل فقط، فقد نرى موظفا يتقن الحضور في وقت الدخول وفي وقت الخروج، لكن اكتشف عمله ما بين الوقتين، ستجد ما يندى له الجبين، تماطل وتواصل بالهاتف، قراءة للأخبار ودردشة مع الموظفين الآخرين. فمن حيث الشكل أتقن العمل، ومن حيث الجوهر عطل مصالح الناس، وهذا ليس من الإحسان في العمل.

الإحسان في العمل هو أن تتقن شكل العمل وجوهره معا. وقس على ذلك أعمال التجارة والصناعة وغيرها.

التغيير بغايات إحسانية

فمن خلال ما سبق ذكره يتبين لنا أن التغيير الذي يطمح إليه الإمام رحمه الله والذي بسط معالمه في كتاب الإحسان بجزأيه خاصة، هو أكثر من مجرد تغيير بأهداف إسلامية، بل هو تغيير بأهداف إيمانية وغايات إحسانية. وتغييرٌ بهذا الطرح وبهذا الحجم لا يمكن فهمه في بعده الفردي والجماعي وحتى العالمي إن لم نستحضر جملة من الحقائق التي نجدها في الآيات والأحاديث النبوية الشريفة. منها:

– أن أعظم ما تتحسر عنه النفس يوم القيامة وتتمنى الكرّة إلى الدنيا لتحقيقه هو الإحسان، يقول الله تعالى: أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرّة فأكون من المحسنين 3 .

– أن كل الأنبياء والرسل عليهم السلام شهد الله لهم بالإحسان، وسورة الصافات تحتوي أكثر عدد من هذه الشهادات. يقول الله تعالى: سلام على نوح في العالمين، إنا كذلك نجزي المحسنين 4 ، سلام على إبراهيم، كذلك نجزي المحسنين 5 ، سلام على موسى وهارون، إنا كذلك نجزي المحسنين 6 ، سلام على آل ياسين، إنا كذلك نجزي المحسنين 7 .

– أن كل الصحابة والتابعين رضي الله عنهم شهد الله لهم بإحسان، يقول الله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم 8 .

– أن الإحسان ليس صفة من يكثر العطاء كما يعتقد الكثير من الناس، وإن كان ذلك جزءا منه، لكن قد يوصف بالإحسان أيضا حتى الضعيف الفقير الذي لا يجد ما ينفق. يقول الله تعالى: ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله، ما على المحسنين من سبيل، والله غفور رحيم 9 .

– أن هناك دين هو الإسلام كما هو وارد في الآية: إن الدين عند الله الإسلام 10 ، قاعدة يشترك فيها جميع من شهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة، هو المدخل إلى الدين، وهناك أحسن دين وهو إسلام بإحسان، درجة يتسابق إليها ويُتنافس عليها، يقول الله تعالى: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا 11 .

– أن الإحسان هو المواظبة على القيام والاستغفار والبذل، لقول الله عز وجل: إن المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم، إنهم كانوا قبل ذلك محسنين، كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم 12 .

– أن محبة الله ومعيته وإحسانه وجزاءه بالحسنى وزيادة هي بالدرجة الأولى للمحسنين. والآيات القرآنية الناطقة بهذا في القرآن كثيرة.

– أن الدين الكامل الذي بلغه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث جبريل عليه السلام درجات: إسلام وإيمان وإحسان.

– أن الإحسان توأم العدل، وأن السلوك الإحساني لا ينفصل عن السلوك الجهادي.

– أن الجنة ما سُميت بالحسنى إلا لاشتراكها مع الإحسان في الاشتقاق والإعراب، فالإحسان المبتدأ والجنة الخبر.

خاتمة

ولتحقيق الإحسان والاتصاف بمعانيه والارتقاء في مقاماته وضع الإمام رحمه الله معادلة التربية الإحسانية التي تنبني على شروط الصدق، والصحبة والجماعة و(الصحبة في الجماعة)، والذكر، وخصص رحمه الله لنجاح هذه التربية بشروطها الإحسانية وسائل تربوية تناسب المرتبة والمقام، بما فيها مجالس النصيحة والرباطات، وأعمال يوم المؤمن وليلته في حدّها الأقصى.

إن ما يعيشه العالم اليوم من تخبط ومن مشاكل، وما يعيشه الإنسان داخله من حيرة وتيه، ليس له من حل ومن خلاص إلا الإحسان بمفهومه الشامل والكامل. فكلام الإمام رحمه الله في أحد كتاباته: رسالتنا لأنفسنا وللعالم رسالة الإحسان)، كلام دقيق وعميق يحمل أكثر من معنى وأكثر من دلالة، وهو كلام جدير بالدراسة والاهتمام.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه، والحمد لله رب العالمين.


[1] ياسين عبد السلام، الإحسان، ج1، ص: 9.\
[2] الإحسان، ج1، ص: 17.\
[3] الزمر: 55.\
[4] الصافات: 79-80.\
[5] الصافات: 109-110.\
[6] الصافات: 120-121.\
[7] الصافات: 130-131.\
[8] التوبة: 100.\
[9] التوبة: 91.\
[10] آل عمران: 19.\
[11] النساء: 125.\
[12] الذاريات: 17-19.\