لا يفوت الإمام المجدد، الداعي إلى الله تعالى، في كل كلمة وتوجيه، كما في وصيته المباركة، أن يذكر بأم الغايات؛ يقول رحمه الله: وأوصي كل ذي همة يقظة أن لا يكون له من دون وجه الله مطلب يحجبه عن الله. طلب الثواب والأجر والجنة شرع من الشرع، وإرادة وجه الله، والسعي إلى مرضاة الله بما يرضي الله ويقربنا من الله مرمى الهمم العالية. بشرط العمل الدائب والنية المتجددة). وهو الهدف الكبير، به وجب التذكير.

وقد كتب الإمام المجدد عبد السلام ياسين وصيته الأخيرة وادخرها ليوم عظيم، يوم ارتحاله عن الدنيا دار الممر إلى الآخرة دار المستقر، تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم: ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده). كتبها لبيان وترسيخ أشرف الأهداف وأهم المضامين التي جاهد، رحمه الله، لإحيائها وإرسائها في الجماعة المباركة (جماعة العدل والإحسان) وفي الأمة جميعا.

وصية كتبها بيمينه، وسجلها بصوته، وفي أفضل الأوقات، وقت السحر الأغر، عند سكون الكون، وتوجه القلوب إلى الله تعالى، ترجو عفوه ورحمته. فما هي الدوافع الأساسية للوصية؟ وماهي أهدافها الكبرى؟ وما هي المضامين التي جاءت لتذكر بها وتكرسها؟

دوافع الوصية المباركة

الوصية نصيحة وتوجيه، إلى من نحبه ونوصيه، حرصا على ما ينفعه، في الدنيا والآخرة. وهذا ما تجسده وصية الإمام رحمه الله. وهي وصية غالية، تحمل الدلالات التالية.

Ÿ الحرص على التأسي بالنبوة في الوصية

إن حرص الإمام رحمه الله على خط وصيته بيده، وتسجيلها بصوته، يدل على حرصه على تنفيذ أمر الله تعالى، واقتفاء سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسنة الأنبياء من قبله. قال تعالى في سورة إبراهيم: ووصّى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بَنيّ إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون).

Ÿ الحرص على المومنيين والناس أجمعين

وهي وصية خاصة لأبنائه وبناته، المعتمد عليهم أن يأخذوها بنية المحبة والتلمذة، والصحبة الدائمة، بهدف الاهتداء والاقتداء. وهي وصية أيضا لعامة المسلمين وللناس أجمعين، تذكر بالله وبالآخرة، والمقصد الإلهي من خلق الإنسان وبعث الرسل، وتذكر بالأخلاق الإسلامية العظيمة، والسمت الإسلامي المتميز.

Ÿ الحرص على الاستعداد للقاء الله تعالى

لقد كان الإمام رحمه الله يعمل لهذا اليوم الذي ينتقل فيه إلى دار البقاء، وهذا ما تدل عليه الوصية التي أعدها منذ حوالي 12 سنة. كان حريصا على حدث وفاته، ليذكر بالله عز وجل وبالآخرة، ويذكر إخوانه وأخواته وعامة المسلمين، بوجوب بذل الجهد لإصلاح النفس، وتبليغ دعوة الله، والاستعداد للقاء الله.

Ÿ الحرص على مواصلة السير على المنهاج

ومن اللافت للنظر في الوصية، حرصه رحمه الله، على التحلي بالخصال العشر، سبيلا لبناء الشخصية المومنة وبناء مستقبل الأمة على المنهاج النبوي. يقول رحمه الله : أوصي بالعمل الصالح، انطلاقا من صلاح المومن والمومنة في عبادتهما وتقربهما إلى الله زلفى بالفرض والنفل، وتوجها بالجُهد العامل البعيد النظر الصابر على مشاق الطريق لجمع شتات الأمة وبناء وحدتها لَبِنة لببةُ، حتى يرتفع صرح الخلافة على منهاج النبوة التي بِهَا وَعَدَنا من لا ينطق عن الهوى مبشرا بغَد الإسلام الذي لا ريب فيه كما هي الساعة والبعث والنشر والحشر والجنة والنار حقائق لا ريب فيها).

Ÿ الحرص على تماسك وحدة الصحبة والجماعة

لا جهاد بلا جماعة ولا تربية بلا صحبة. وقد عمل الإمام على التقاء الصحبة والجماعة واندماجهما طيلة حياته، لأهمية الصحبة في الجماعة في السلوك النبوي. وقد كان حريصا على ذلك في الوصية بشكل لافت: الرجاء من الملك الوهاب أن تكون الصحبة والجماعة متلازمتين تلازم العدل والإحسان، لا تطغ جذبة سابح في النور على شريعة)واتمروا بينكم بالمعروف. أوصي أن يدعوَ أحبابي إخواني ربنا عز وجل أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا).

أهداف الوصية المباركة

صرح الإمام المجدد رحمه الله في مستهل وصيته بهدفين أساسين، وأجملهما بقوله: وصية ليتذكر متذكر (الهدف الثاني) ويدعوَ داع (الهدف الأول)):

الهدف الأول

لنستمع إلى الإمام رحمه الله: مرمى وصيتي هذه وغايتها أن يقف عليها مومن وتقف عليها مومنة يسمعانها بصوتي مسجلة أو يقرآنها مسطورة فيترحمان على ثاوٍ في قبره أسير لذنبه راج عفو ربه. تلك أولى المقاصد. رحم الله عبداً لله وأمة دعا الله بقلب خاشع لمن انقطع عمله إلا من الثلاث المرجوة. عسى الله أن يلحقنا فضل دعائكم جزاكم الله خيرا).

ويبين رحمه الله أهمية الدعاء في الصلة والصحبة الدائمة: وصية ليتذكر متذكر ويدعوَ داع فتلتئم أواصر الصلة ويتحقق التزاور في الله والتحاب في الله عبر الزمان. لا تحبس الصلة برازخ الموت). وهكذا يقرن الإمام المجدد رحمه الله بين العمل الصالح وبين الدعاء الرابط، الذي يسميه في كتاب يوم المومن وليلته: دعاء الرابطة والصحبة والجماعة).

الهدف الثاني

يقول الإمام بشكل واضح وصريح: والقصد الثاني أن يتذكر متذكر خلاصة ما إليه دعونا لما كنا من سكان أرض الدنيا عابرين إلى دار البقاء. وصية ليتذكر متذكر…). إلى أن يقول: ألا وإن لي أشياء أوصي بها من يسمع ويعقل، صدىً وترجيعا يبلغه الله عز وجل آذانا واعية وقلوبا صاغية. إن شاء ربنا الولي الحميد).

ويتابع رحمه الله، إلى هدف آخر، يتصل بالدار الآخرة: صدى ترجعه إن شاء الله أجيال العدل والإحسان إلى يوم الدين، لتشهد يوم يقوم الأشهاد أن عبد السلام ياسين عبد مفتقر إلى عفو ربه مُقر بذنبه يشهد أن لا إله إلا الله الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد. وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله دعوة…).

وهي صيته مشبعة باليقين في موعود الله تعالى بالنصر المبين وفي استمرار موكب التجديد وأجيال العدل والإحسان وأفواج المحسنين. وهو حرص عظيم للإمام، على أمر الجماعة والأمة، في الحياة والوفاة على السواء، في امتداد إلى يوم الدين…

مضامين الوصية المباركة

أما عن مضامين الوصية فيمكن إجمالها في عدة عناوين تعتبر شعبا للإيمان وركائز سلوكية تميز التربية الإيمانية في هذه الجماعة المباركة. سار فيها على منوال، الوصايا الإلهية والنبوية. ونوجزها فيما يلي:

– وصية الله تعالى بالوالدين حسنا. فالإحسان إلى الوالدين من شعب الإيمان. ومن دعائم خصلة الصحبة والجماعة. هذا بالنسبة للوالد الطيني، فما بالك بالوالد الروحي. ومن لا يشكر الوالد كيف يشكر الموجد.

– الوصايا الإلهية للرسل وللمومنين. ومنها إقامة الدين والاجتماع على الدين. والشورى في الأمر الخاص والعام والحكم دين من الدين. ومنها وصايا سورة الأنعام. مع تمثل ذلك في الواقع، فرديا وجماعيا.

– وصايا الأنبياء للأبناء وللمومنين. ومنها وصية أبينا إبراهيم عليه السلام الذي أُمِرنا أن نتبع ملته: أوصى بنيه أن لا يحيدوا عن الدين الذي اصطفاه الله عز وجل لهم وأن لا يموتوا إلا وهم مسلمون).

– وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: أوصي بما أوصى به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع آخر عهده بهذه الدنيا الفانية). حين أوصى بحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم.

– وصايا صلى الله عليه وسلم على فراش الموت:

* وأوصي بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت: الصلاة وما ملكت أيماننا). إلى أن يؤكد ويحدد: وأوصي بالصلاة، إقامتها في المسجد والجماعة مع التحري الجميل في الطهارة اتباعا منتبها لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحركات والسّكنات والمواقيت والكيفيات).

* وأوصي بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سياق الموت آخر عهده بالدنيا. وصى بالنساء خيرا وأمرنا أن نستوصي بهم خيرا. لاسيما الأزواج والبنات). وهذا ما سبق من قول وفعل النبي صلى الله عليه وسلم: أكَّد في وصيته الأخيرة ما كان علَّمه من أن خيارنا خيرُنا لأهله. ضاربا لنا المثل بإحسانه لأهله سيداتنا أمهات المومنين رضي الله عنهن).

– الوصية بالسلوك النبوي الجامع (السلوك الجهادي)

ومن خصائص السلوك النبوي:

* اقتران العدل والإحسان. يقول: وأوصي أن العدل قرين الإحسان في كتاب ربنا وفي اسم جماعتنا، فلا يُلهنا الجهاد المتواصل لإقامة دولة العدل في أمتنا عن الجهاد الحثيث لِبلوغ مراتب الإحسان).

* محورية الصحبة في الجماعة. يقول: ولا مدخل لك في هذا المضمار إلا بصحبة تفتح أمامك المغالق وتحدو بركبك إلى عالم النور والرقائق، لذا أوصي بالصحبة والجماعة، بالصحبة في الجماعة).

ولا يفوته أن يحدد مفهوم الصحبة في الجماعة الذي يحرص على ترسيخه، على مستوى الجماعة وعلى مستوى الأمة. يقول رحمه الله تعالى: ولمستقبل دعوتنا نرجو من الله نور السماوات والأرض أن ُيفيض رحمته على أفراد أوليائه وأن يلهمهم التعاون على البر والتقوى، برِّ هداية الخلق بصحبة تُؤلف القلوب، لا يضيرها أن كان حُبُّ زيد لعمرو أرجح من حبه لخالد). حتى لا تعود الأمة إلى مفهوم الصحبة الفردية.

– الوصية بالخصال العشر في إطار الصحبة

أوصي بذكر الله في الملإ والخلاء. وأوصي بالذكر كما هي مفصلة آحاده في خصلة “الذكر”. وأوصي بالصدق مع الصادقين صبرا ومصابرة وحملا وتحملا. فما الكينونة الصابرة مع الصادقين بالأمر الهين. طاش ما عاش من زعم أنه صادق ثم عثَر أول ما برز أمامه نتوءات العقبة).

أوصي بالبذل والصدقة والحرص الدقيق على أداء الزكاة وتصريف الزكاة وتوظيف الزكاة في مستحقات الزكاة. فريضةً من الله تعالى على كل فرد له من المال والمتاع نصاب، نظاما لسد ثغرات الفاقة والحاجة في دولة العدل).

Ÿ أوصي بطلب العلم، العلم الضامن سَعادَة آخرةِ كل فرد فرد، والعلوم الكونية الضامنة قوة الأمة، تبنيها قبل السواعد القوية والأموال الرشيدة عقول منّظِمةٌ صانعة مخترعة).

Ÿ أوصي بالعمل الصالح، انطلاقا من صلاح المومن والمومنة في عبادتهما وتقربهما إلى الله زلفى بالفرض والنفل، وتوجها بالجُهد العامل البعيد النظر الصابر على مشاق الطريق لجمع شتات الأمة وبناء وحدتها لَبِنة لبنةُ).

Ÿ أوصي بسمت الإسلام، السمت الجميل في خُلق المومن والمومنة ومظهرهما ومخبرهما. نتميز شامة بين الناس عن ضوضاء الناس وتشعث أخلاق الناس وأفكار الناس، وحديث الناس وإعلام الناس ولهو الناس وعبث الناس).

Ÿ أوصي بالتؤدة رائدا حكيما، وبالاقتصاد توجها سليما، وبالجهاد في سبيل الله جهاد القوي الذي لا يعنُف، الرفيق الذي لا يضعُف، وأوصي بالتؤدة والاقتصاد والجهاد في عالم يمور بأصناف البلاء الإلهي، بلاءٍ يمحص الله عز وجل به الأمة أفرادا وجماعة. ويُحق الله الحق متى شاء كيف شاء، وينصر من شاء كيف شاء متى شاء، وتحت ميزاب القدر نتوسد الصبر كما يعبر المولى عبد القادر الجيلاني قدس الله سره).

خاتمة

بهذه الوصية الخالدة اختار الإمام المجدد أن يتواصى مع المؤمنين والمؤمنات، ومع أجيال العدل والإحسان إلى يوم الدين). ترسيخا للصلة والصحبة الدائمة: وصية ليتذكر متذكر ويدعوَ داع فتلتئم أواصر الصلة ويتحقق التزاور في الله والتحاب في الله عبر الزمان. لا تحبس الصلة برازخ الموت). وفي الختام وعملا بوصية الإمام، نسأل الله عز وجل:

– أن يمسك وحدة الصحبة والجماعة كما يمسك السماوات والأرض أن تزولا.

– أن يرحم إمامنا ومرشدنا سيدي عبد السلام ياسين ويعلي مقامه ويرفع درجته.

– أن يحقق رجاءه في أفواج من المحسنين كان لهم صوتا يقو: “من هنا الطريق، من هنا البداية”.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.