أضحت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم منتشرة انتشار النار في الهشيم بحيث لا يتجاهلها إلا من أراد أن يكون غرضا يُرمى بعدم مواكبة العصر والتخلف عن مجاراة تبعات التكنولوجيا.

لكن هل معنى ذلك الانسياق وراء كل جديد واستهلاكه بِغَثِّه وسمينه دون النخل والتمحيص بين الجيد فيه والرديء؟ وما الضوابط الشرعية للتعامل مع هذه الوسائل حتى يحفظ المرء المسلم دينه ويزيد في الخير باستثمار ما وصل إليه العقل البشري من اختراعات واكتشافات ليكون مبادرا فاعلا، لا رقما في خُطط الآخرين مفعولا به؟

نقصد بشبكات التواصل الاجتماعي الأدوات التي تستعمل في الأنترنت على غرار: فيسبوك، واتساب، اليوتيوب، جوجل… لتحقيق التواصل، أو التعتيم، وتمرير المعلومات، الصحيحة منها والمزيفة، وترويج الحقائق والأراجيف على حد سواء.

وفيما يلي نبسط بين يدي القارئ الكريم أهم ما تجلى لنا من ضوابط شرعية عاصمة من الوقوع في السقط والزلل عند التردد على هذه المواقع متوكلين على الله تعالى:

الضابط الأول: القصدية

يستحسن بالداخل إلى وسائل التواصل في العالم الافتراضي أن يكون مستحضرا نية القُربة والاستفادة والإفادة وغيرها من نيات النفع العام والخاص، قال الله تعالى: واقصد في مشيك 1 ، وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى” 2 .

والذي يدخل بدون نية يبتلعه هذا العالم، فتجده تائها في الوديان، يتخبط هنا وهناك، قد يجد الخير كما قد يعترض طريقه ما لا يسره، لذلك قال الحكماء: الطريق المظلم تكون فيه الخطى بطيئة).

الضابط الثاني: حفظ الحواس

نوظف في استعمالنا لوسائل التواصل الاجتماعي بعض الحواس يأتي على رأسها البصر والسمع، فنجعلها شاهدة علينا من حيث علمنا أو لم نعلم، إن بالخير فالخير وإن بغير ذلك فَبِهِ، أخبرنا بذلك القرآن الكريم في مواضع كثيرة نذكر منها: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون 3 . وفي سورة فصلت قوله تعالى: حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (20)وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (21) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (22).

فلا يغفلن أحد منا وهو يطلق بصره فيما لا يَحِل أو يبسط سمعه فيما يسوء أو يسجل أو يصور ما لا يتفق والشرع الحنيف والآداب الحميدة، مستحضرا قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا 4 . قال الزمخشري رحمه الله في تفسير هذه الآية: يقال للإنسان: لم سمعت ما لم يحل لك سماعه، ولم نظرت إلى ما لم يحل لك النظر إليه، ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟) وقال القشيري رحمه الله تعالى: قوله:)إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ هذه أمانة الحق – سبحانه – عند العبد، مَنْ استعمل هذه الجوارح في الطاعات، وصانها عن استعمالها في المخالفات فقد سَلَّم الأمانة على وصف السلامة، واستحق المدحَ والكرامة. ومَنْ دَنَّسَها بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة، واستوجب الملامة) 5 .

قال الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله: إن الله الخالق جلت عظمته عرض على قلوب العباد وعقولهم، كما عرض على جسومهم، العبودية له جل جلاله. وفرض على القلوب والعقول وجوارح الجسم، لكلٍّ عبودية خاصة، تتكامل هذه بتلك، ولكل عبودية مراسيمها وشروطها وأركانها) 6 .

ولا نحب أن يفهم مما سبق أن يفر المرء من المواقع فرار الفريسة من السبع، بل نطمع أن يكون المسلم مبادرا إلى أعمال البِرّ مفتاحا للخير مغلاقا للشر، يزرع الحقول بأطايب الغرس ويملأ البساتين بأجمل الزهور.

الضابط الثالث: إعمار الوقت

ينبغي للمسلم وهو يسبح في هذه العوالم ألا ينسى أن وقته يُحصى عليه، وأنفاسه تعد لحظة بلحظة، فليكن شحيحا بها لا يذرها تضيع مع الريح العقيم، بل يستثمرها في الخير والصلاح، فقد رَوى ابنُ حِبَّانَ والترمذيُّ في جامِعِه أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ”.

الضابط الرابع: تحري الصحة

ينبغي للمؤمن أن يكون متوخيا للصدق طالبا للحق، ولا يكون كحاطب ليل يجمع الحطب ومعه الأفاعي، فكثيرا ما ينشر بعضهم أخبارا كاذبة يريد الوقيعة بين المسلمين أو الطعن في أعراضهم فيتلقفها الساذج وينشرها ليبوء بإثمها من حيث لا يعلم، غافلا عن قوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون 7 . نقل ابن كثير في تفسير الآية عن الإمام أحمد رحمه الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم، طلب الله عورته، حتى يفضحه في بيته”.

فعلى المسلم إذن أن يتحرى المعلومة الصحيحة ويحرص على توثيقها وعزوها لأصحابها حتى يبرئ ساحته ويكون علميا فيما يَرِدُ عنه وما يَصدُر.

الضابط الخامس: كتمان الأسرار

لا يحسن بالفطن أن يُكشِف أوراقه في كل نادٍ ويفضح أسراره لكل بادٍ، بل التستر أمر محمود وكتمان الأسرار عند أهل التبصر أمر معهود. ترى بعضهم ينبئ –عبر الفيسبوك أو غيره- عن وجبته في الغذاء والعشاء، ويخبر عن منزله أينما غدا أو راح، فيكون بذلك فريسة سهلة المأخذ للعيون البشرية الحاسدة أو المتربصة على حد سواء.

خاتمة: جرت قاعدة بين الأصوليين مفادها: إن الوسائل تأخذ حكم المقاصد)، ونقصد بها في هذا المقام أن وسائل التواصل الاجتماعي إن وُظفت في الخير -وذلك الظن بالمؤمن- فهي خير، وإن وظفت في غير ذلك فهي إلى ذلك والعياذ بالله تعالى، عصمنا الله من الزَّلل وجنَّبنا السوء وجعلنا من المسارعين للخيرات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.


[1] لقمان: من الآية 19.\
[2] أخرجه البخاري، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم: 1.\
[3] النور: 24.\
[4] الإسراء: 36.\
[5] ينظر تفسير كل من القشيري والزمخشري في الآية.\
[6] الإحسان: ج2، ص113.\
[7] النور: 19.\