شهادتي في الإمام رحمه الله، شهادة اعتراف وعرفان بالفضل الكبير والنعمة العظمى ولله المنة والحمد. جالسناه في مجالس كثيرة فعرفناه عن قرب، فكان ذلك المربي المتمرس الذي ينهض بك حاله قبل مقاله وتستشعر بركة الأوقات في حضوره.

معاني كثيرة سامية تلك التي غرس فينا، أعدد بعضها ولا يسع المجال ولا تسعفني الكلمات لذكرها كلها.

يشدك ويطوي بك المسافات بيقينه في الله وبموعوده، فاليوم الآخر استمرار للحياة الدنيا والموت انتقال من غرفة إلى أخرى، الغيب عنده حاضر، معاني متجددة تتشربها عن الحياة والموت من معين مجالسته الفياض ويصبح لحياتك معنى آخر غير العبث.

وعلمنا ونحن شباب غر أن عدونا الحقيقي هو نفوسنا التي بين جنبينا وهي عقبتنا الكأداء وأن التغيير الحقيقي يبدأ بتغيير ما بأنفسنا، وزرع فينا اليقين بأنما الأعمال بالنيات وأن لكل امرئ ما نوى، تسمو أعمالنا وتعظم ويطرح الله فيها البركة بسمو نياتنا وصفاء سرائرنا فتصبح حتى أمورنا الدنيوية بالنية الصادقة الخالصة لوجه الله حسنات في ميزاننا.

وتشربنا في حضن مجالسه معاني الاجتماع والإنجماع على الله، جهد وجهاد وتربية لاستحضار معية الله في كل حين وعلى كل حال، أدواتها استكثار من العبادات واستهتار بذكر الله وملازمة دائمة لكتاب الله.

وما وجدناه في مجالسه إلا رجلا محبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآل بيته مقتديا مقتفيا لسنته الغراء، وتشتم عبق ولهه من كلامه الذي تزينه جواهر الذكر الحكيم وكنوز السنة النبوية في عرض أخاذ ومعاني راقية محلقة في سمو الكمال المحمدي، وكان رحمة الله عليه فارسا من فرسان هذا الدين العظيم.

وكان الرفق والتواضع وخفض الجناح سمته، صفة غالبة عليه يتفيأ جليسه في ظلالها ولا يسعه إلا أن ينبهر بهذا الخلق الجميل، خلق وأخلاق قرأنا عنها الكثير وسمعنا لكن أن تراها رأي العين وتسلب لبك مرددا ليس من سمع كمن رأى.

كنا ونحن نجالسه بنات واقع سمته الحرب المستعرة بين فكر تغريبي يستهوي النساء بالحرية لبيعها سلعة رخيصة في سوق المادية الهائجة المائجة وبين فكر متشدد وقراءة للدين محملة باستبداد طال لقرون وتحيز لأنانية الرجل تجعل من المرأة كما مهملا وسقط متاع تعيش في دونيتها على هامش الحياة، فكان رحمة الله عليه سببا في تحرير إرادتنا لطلب ما عند الله حق لنا كما للرجال وتعزيز ثقتنا بالله أولا ثم في ذواتنا، وأن للمرأة اليد الطولى في جهاد البناء واستنبات مجتمع العمران الأخوي لما حباها الله به من رفق وقدرة على تضميد جراح البشرية، فأماط اللثام عن صورة مشرقة للمرأة المسلمة وكان في ذلك شافيا كافيا مجددا.

هذا بعض من فضل مجالسته المباشرة وإلا فخيره ممتد عبر جماعة العدل والإحسان والتي ستبقى بإذن الله مدرسة ممتدة عبر الأجيال وكذا كتاباته الغزيرة وطروحاته العميقة التي أغنت الفكر الإسلامي خاصة والإنساني عامة.

وإن فارقناه جسدا فروحه الطيبة لا زالت تلهمنا وتذكي فينا هم طلب وجه الله وابتغاء مرضاته مقرون بحب الخير للبشرية جمعاء والسعي لذلك.

اللهم تقبله عندك بالقبول الحسن واجعلنا حسنة من حسناته.