بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، أصدر الكاتب المبدع والشاعر الأديب الأستاذ محمد العربي أبو حزم الجزء الأول من كتاب عبد السلام ياسين الإمام المجدد) بعد حوالي ست سنوات ونصف من البحث والتقصي والتوثيق والكتابة والتحليل.

الكتاب، الذي صدر عن مطبعة أفريقيا الشرق ويقع في 511 صفحة موزعة على خمسة أبواب، يعتبر أول كتاب من نوعه يتناول سيرة الإمام ياسين؛ منذ ولادته ونعومة أظفاره، ومساره منذ كان طالبا فمعلما فمديرا فمفتشا فمفكرا تربويا، مرورا عبر ولادته القلبية في الزاوية البوتشيشية، ثم مرحلة التوجه الفكري الجديد الذي بدأ مع “الإسلام بين الدعوة والدولة”، فموقفه الجهادي الذي كان عنوانه رسالة “الإسلام أو الطوفان”. تاركا المجال للجزء الثاني، الذي ينشره لاحقا، ليستكمل رسم سيرة ومسار الرجل وصولا إلى محطة انتقاله إلى الرفيق الأعلى.

قدم للكتاب الأمين العام لجماعة العدل والإحسان وأحد الذين صحبوا الإمام منذ زمن بعيد، والذي قال بأن من ميزات الكتاب أن المؤلف لا يكتفي بسرد الأحداث مجردة، وإنما يحللها بعمق ودقة وموضوعية، وكان حريصا على توثيقها معتمدا على مستندات وشهادات وحوارات)، وبأسلوب أدبي بليغ رائق صاغ المؤلف من هذه السيرة تحفة فنية في قالب قصصي محبوك، وبأسلوب سلس ممتع أخاذ يجعلك تتابع أحداث السيرة بنهم وشغف، فما إن تضع الكتاب من يديك اضطرارا حتى تجد نفسك مدفوعا إليه دفعا، تتابع أبوابه وفصوله فكأنما تتابع على شاشة السينما رواية أتقن إخراجها، وكأنما تشاهد صورا رسمت بريشة فنان. فجزى الله المؤلف خيرا عما بذل من جهد لإتحاف الأمة بهذه السيرة التي ستدر عليه الرحمات والدعوات الصالحة من كل قارئ استفاد منها).

أما الكاتب، أبو حزم، فقد ذكر في مقدمة الجزء الأول أن هذه السيرة اعترضها تحديان؛ الأول أن نلتقط أخبارها من أفواه الشهود، وأن نَلُمَّ شتاتها من أطراف الوثائق) خاصة أن الحظ الأكبر من صورة صاحب هذه السيرة يحتلها الفراغ لأسباب مرتبطة بما تعرض له على مدى نصف قرن من تضييق مهني، وحصار ميداني، وتعتيم إعلامي، ودعاية مضادة). أما التحدي الثاني فهو أن يرتب الكاتب ما جمّعه كلَّ جزء في مكانه الصحيح زمانا ومكانا، وبحجمه الحقيقي، وبعمقه الطبيعي، دون بخس أو تفخيم).

بعد المقدمة، يتوزع الكتاب إلى خمسة أبواب جاءت عناوينها على الشكل التالي:

– الباب الأول: النشأة والمسار الدراسي – 1928-1948

– الباب الثاني: بناء الشخصية المتكاملة – 1948-1964

– الباب الثالث: الميلاد الجديد – 1964-1972

– الباب الرابع: التوجه الفكري الجديد – 1972-1974

– الباب الخامس: ملحمة “الإسلام أو … الطوفان!” – 1974-1978

ونعرض فيما يلي مقدمة الكاتب الأستاذ محمد العربي أبو حزم

ثم تقديم الأستاذ محمد عبادي

مقدمة الكتاب

إذا أردت أن تدرك فنّا فأَلِّفْ فيه) 1 .

هكذا قال الإمام عبد السلام ياسين؛ ويقصد أنك إن كنت تجهل بابا من أبواب المعرفة فعزمت على الإحاطة بشيء من علمه، فاجعل التأليف فيه نصب عينيك، وتوسل إليه بالبحث في ماهيته، والتنقيب في أصوله وقواعده، والاطلاع على طبيعته وعناصره، ودراسة تاريخه ومدارسه ورواده. بحث وتنقيب واطلاع ودراسة تفضي بك إلى حيازة مفتاح باب المعرفة المطلوبة.

فهل تَصْدُقُ مقولة الإمام، هذه، على الرجال، وعليه هو بالذات، كما تصدق على أي فن من فنون المعرفة؟ هل يحقق التأليف عنه الإدراك الكامل لشخصيته؟ هل يُغْني البحث فيها لاستيعاب كل أبعادها وامتداداتها وللوصول إلى منتهى غورها؟ هل يعين التنقيب فيها للوقوف على كل آثارها في الأجيال التي تخرجت على يديه، ولا تزال، وفي مجالات التفكير والتنظير التي أَثْرَتْ وتُثْري بما أدلى به فيها، وفي ميادين التغيير التي يصنع الله به فيها ما يصنع؟ وإلى أي مدى وُفِّقَ هذا المؤلَّف في تحقيق هذه الأهداف؟ وما الإضافة التي أضافها هذا البحث في سيرة الرجل بأبعادها الاجتماعية والأخلاقية والمهنية والفكرية والروحية والجهادية التجديدية؟ وما حظ كاتب هذه السطور من فضل ما ورد به الخبر من أنه من وَرَّخَ مؤمناً فكأنّما أحياه، ومن قرأ تاريخه فكأنما زاره)؟ 2 .

كان أمامنا في هذه السيرة تحديان أحدهما أصعب من أخيه:

الأول أن نلتقط أخبارها من أفواه الشهود، وأن نَلُمَّ شتاتها من أطراف الوثائق. وقد شرعنا في هذا العمل وكان الحظ الأكبر من صورة صاحب هذه السيرة يحتلها الفراغ لأسباب مرتبطة بما تعرض له على مدى نصف قرن من تضييق مهني، وحصار ميداني، وتعتيم إعلامي، ودعاية مضادة، حجبته عن الناس في الداخل وفي الخارج حينا من الزمن، ووأدت، أو كادت، حقائقَ تاريخية كان هو موضوعَها أو أحدَ الفاعلين فيها أو صانعَها. وزاد من اتساع مساحة ذلك الفراغ رحيلُ طبقة لا بأس بها من أقربائه وزملائه وتلامذته ورفاق دربه إلى الدار الآخرة قبل أن يُدلوا بشهاداتهم فيه. أضف إلى هذا الصمت المطبق الذي يلتزمه، إلى حدود كتابة هذه السطور، بعض من لا يزال منهم حيا يرزق.

الثاني أن نرتب ما جمّعناه، كلَّ جزء في مكانه الصحيح زمانا ومكانا، وبحجمه الحقيقي، وبعمقه الطبيعي، دون بخس أو تفخيم.

فهل كانت هذه السيرة، وهي تبحث في حياة صاحبها، موفَّقة في تجاوز التحديين معا؟ وفي الإجابة عن تلك الأسئلة وعن غيرها؟

وفي انتظار الجواب، فإن رجاء كاتب هذه السطور أن يكون قد نجح في مهمته توثيقا وتحقيقا وتعليقا… أخذا بعين الاعتبار السياقات العالمية والمحلية التي واكبت أهم المحطات في حياة صاحبها، والتي من دونها يصعب تقويم مساره ومسيرته، واستحضارا لإنتاجاته الفكرية التي تحمل خطة مشروعه التغييري، وحرصا على التعريف بسيرته في الناس، وبحركته الميدانية التي انتقل بها من مجرد رقم من هذه الملايين المملينة من عامة الناس، إلى رجل يحمل بين جنبيه مشروعا تغييريا تجديديا، إلى أمة من الناس هي اليوم، في الميدان، من أكبر الحركات الإسلامية في تاريخ الأمة الحديث.

وفي ختام هذه المقدمة، نتقدم بجزيل الشكر وأوفاه إلى:

– الأسرة الصغيرة للإمام عبد السلام ياسين، ونخص بالذكر كريمته الأستاذة ندية ياسين، ونجليه، المهندس كميل ياسين، والأستاذ محمد ياسين، لما أبدوه من اهتمام بالغ بهذا العمل، ولما أغنوه به من معلومات ومعطيات، ولما شهدوا به لمضمون هذا العمل ولصاحبه بعد مراجعة أبوابه وفصوله.

– الأستاذ محمد عبادي، الأمين العام لجماعة العدل والإحسان، والذي شرف كاتب هذه السطور بمراجعة هذه السيرة وبالتقديم لها.

– الأستاذ عبد الكريم العلمي، رئيس مجلس شورى الجماعة، لما بذله من جهد كبير من أجل أن تخرج هذه السيرة في الحلة التي يتصفحها القارئ والقارئة، ولما أمدنا به من وثائق قيمة سلطت الضوء على كثير من شخصياتها ومحطاتها، ولما قام به من مراجعة فاحصة ومن تدقيق بالغ للمعلومات الواردة فيها، ولما اقتطعه من وقته الثمين في هذا السبيل خدمة لها ووفاء لصاحبها.

– الأستاذ نور الدين الملاخ، الأخ والصديق والمحب، لما دلنا عليه من مفاتيح فتحت أمامنا أبواب مراكش الحمراء، خاصة في ما يتصل بتلامذة الإمام وزملائه وأصدقائه فيها، ولما أمدنا به من وثائق، ولما أنفقه من جهد عبّد الطريق أمام تحقيق الهدف من هذه السيرة بالغيرية التي عهدناها في آل الملاخ.

– السادة والسيدات الذين تشرف كاتب هذه السطور بمحاورتهم، حيث ساهموا بشهاداتهم في كشف كثير من الحقائق التاريخية ذات الصلة بسيرة ومسار الإمام ياسين.

– ذوي الأيادي البيضاء، التي رعت ودعمت هذا العمل من مهده، وشدت من أزر صاحبه، وكابدت في ذلك ما كابدت، منذ أن دُبجت أولى صفحاته قبل ستة أعوام ونيف، وإلى أن أذن الله تعالى له بالخروج إلى الناس في هذا الوقت.

تقبل الله من الجميع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

محمد العربي أبو حزم

الدار البيضاء

ليلة الجمعة 28 صفر الخير 1438ه، الموافق 28 نونبر 2016م.

تقديم الأستاذ محمد عبادي

الأمين العام لجماعة العدل والإحسان

بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة سير العظماء من هذه الأمة عظيمة الفائدة؛ فهي تدفعك لاقتفاء أثرهم والتشبه بهم والنسج على منوالهم. وهذه السيرة التي بين يديك – أخي القارئ – ستجد فيها – إن شاء الله تعالى -ما يرفع همتك لتطلب معالي الأمور، وما يثير قلبك وعقلك لتسلك سبيل المحسنين، وما يشحذ عزيمتك ويوقظك من نوم غفلتك فتشمر عن ساعد الجد لتلحق بالركب إن كنت ذا عزم وحزم.

تعرض عليك هذه السيرة حياة رجل أحواله مذهلة مدهشة؛ إن حاكمتها إلى الميزان الأرضي استبعدت وقوعها، وإن أرجعت الأمر إلى العلي القدير قلت هذا صنع الله وفضله وتدبيره وهو ذو الفضل العظيم. يبهرك الرجل – رحمه الله – بما حازه من علوم ومعارف في شتى المجالات وفي وقت وجيز، ترافقه في مساره العلمي فتجده حافظا للقرآن في سن مبكرة، وتجده يبز أقرانه ويتفوق عليهم في معظم الامتحانات، لم يرو عطشه المعرفي ما كان يُلقَّن من علوم في معهد ابن يوسف فانكب على تعلم اللغات الأجنبية من فرنسية وأنجليزية وغيرهما بمجهود فردي، الشيء الذي مكنه من الاطلاع الواسع على ما يروج في الكون من فلسفات وإيديولوجيات ومعارف في علم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع والفلسفة والتاريخ… واكتسب من المهارات والخبرات في فن الموسيقى والتصوير ولعبة الشطرنج ما لم ينله غيره. أثرى مجال التعليم بمؤلفات قيمة ظل بعضها يدرس ربع قرن فأزيد.

وفي المجال الوظيفي ستقف منبهرا مشدوها متسائلا كيف تأتى لهذا الرجل أن يتسلق سلم المناصب في التعليم بهذه السرعة الفائقة، فمن معلم إلى أستاذ إلى مفتش إلى مدير لمدرسة المعلمين إلى مدير لمركز تكوين المفتشين… وفي مجال التكوين والتسيير والتنظيم تكشف لك هذه السيرة عن الأثر الطيب الذي خلفه أينما حل وارتحل؛ اسأل تلامذته الذين أصبحوا أطرا عليا في الدولة وحازوا على شهادات في مختلف التخصصات ينبئوك أن الفضل بعد الله يرجع إلى أستاذهم ياسين، وَزُر المراكز والمؤسسات التي مر بها تخبرك أنها لم تعرف مثله في حسن التدبير والتسيير ومحاربة الفساد والرشوة والمحسوبية والاستغلال. آه لو سمح له أن يتابع خطواته الإصلاحية في التعليم مع ثلة من رفاقه لكان المغرب اليوم يصنف في الطليعة بدل أن يتزحلق إلى مؤخرة الركب.

سيرة هذا الرجل تجسد لك مُثُلا عليا وخصالا حميدة، ما أكثر ما قرأنا عنها في عالم المثال، وقل ما نلمسها في عالم الواقع مُجسدة سلوكا ومعاملات ومواقف. قد تجدها متفرقة عند كثير من الناس، ونادرا ما تجدها مجتمعة في شخص واحد. تتابع سلوك الرجل ومواقفه عبر صفحات هذا الكتاب فتشعر تدريجيا بالانجذاب العاطفي نحوه، ويكبر الرجل في عينيك وتقتبس منه على قدر قابليتك واستعدادك، وهذه هي العبرة من قراءة سير الصالحين.

تجد عند الرجل نهما معرفيا منقطع النظير، وشجاعة نادرة، وهمة عالية، وصبرا على البلاء والشدائد لا حدود له، وصمودا أمام إغراءات الدنيا وفتنها، ووقوفا في وجه الباطل مهما كان الثمن، واستقامة وتقوى منذ الصغر لم يعترها ما يعتري الشباب عادة من انحرافات، ورفقا ورحمة في معاملة الخلق، وبذلا وإنفاقا بلا حساب… والقائمة تطول.

والذي يستوقفك أكثر في هذه السيرة مرحلة الانقلاب المفاجئ الذي طرأ على حياة الرجل، فبعدما أصبح في أوج ما يطمح إليه أمثاله من منزلة رفيعة ومكانة مرموقة إذا بالعناية الربانية تتداركه لتهيئه لمنزلة أعلى وأسمى وأجل، فأظلمت الدنيا في عينيه، وعاف نفسه واشتاق لمعرفة ربه، لكن ما السبيل إليه وما طريق الخلاص؟ انغمس في قراءة الكتب المؤلفة في المجال الروحي وخصوصا كتب الصوفية فلم تنجده، ودخل عالم المجاهدات فلم تسعفه. استبدت به الحيرة والقلق، ومزقت أحشاءه اللوعة والحرقة، وبينما هو في أتون هذه الأزمة الروحية إذ جاءه الفرج فأرشدته العناية الإلهية إلى من أخذ بيده إلى الله، إنه شيخه الحاج العباس رحمه الله، فكان اللقاء به ميلادا سعيدا لحياة أخرى، وأنشأهُ الله بصحبته لشيخه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين. ومنذ ذلك الحين والرجل لا يهتف إلا بالصحبة والمصحوب، سخر كُليته لخدمة شيخه، مالَه ووقتَه وداره، يأخذه في أيام العطل في سيارته ويطوف به المغرب شرقا وغربا شمالا وجنوبا ينادي بأعلى صوته أن هلمّوا يا عباد الله إلى باب الصحبة، فانهال الناس عليه شتما وتهكما وسخرية، رموه بالخرف والحمق ولم يبال. وتطلعك السيرة على ما آلت إليه الزاوية البوتشيشية بعد التحاقه بها من انتشار وشهرة واحتضان لأطر معظمهم التحقوا على يديه.

ثم بعد أن رسخت أقدامه في أرض العبودية لله تبتلا وتذللا وخضوعا ألهمهُ الله حمل همّ الأمة، فأصبح هذا الهمّ يؤرقه ويلازمه آناء الليل وأطراف النهار. ماذا عليه أن يفعل ليسهم في إنقاذ الأمة مما تعانيه من ويلات وعسف وظلم؟ هُدي إلى رسم خطة الخلاص على غرار ما فعله المصطفى صلى الله عليه وسلم فتبلور المنهاج النبوي في ذهنه، وكل كتاباته تتمحور حول هذا الموضوع: المنهاج النبوي في بناء الإنسان وبناء الأمة، ولعل الجزء الثاني المنتظر من هذه السيرة سيفصل القول في الموضوع.

أراد في البداية أن يجعل الزاوية منطلقا لهذا المشروع الإحيائي للأمة ردا للجميل، ولكن الزاوية أغلقت الأبواب في وجهه، وأوذي وعودي من قبل إخوانه الذين ظل طيلة حياته يكن لهم كل محبة وتقدير. يصف رحمه الله الحسرة والأسى لفراق أحبته قائلا: “تمزق فؤادي على أهل بيت عرّفوني الله وعلموني المحبة والتقوى”.

ثم فكر أن يعرض مشروعه التغييري الإصلاحي على ملك البلاد فأهدى إلى الديوان الملكي كتابه “الإسلام بين الدعوة والدولة”، وبما أن الكتاب لم يحدث صدى في القصر ومحيطه عاود الكرة بإرسال رسالة نصيحة فريدة في بابها، خاطب الحاكم فيها بلهجة قوية وجرأة فائقة ووضوح كامل مستعملا أسلوب التقريع والتأنيب ممزوجا بالشفقة والرحمة علّ وعسى أن يشعر المخاطب بالخطر المحدق به وبالشعب، فينهض لإنقاذ المغرب من الطوفان، فكان عنوان الرسالة “الإسلام أو الطوفان”، لكن كلمة الحق لا تدع لك صاحبا بل تجلب عليك النقمة والأذى. فأُودع رحمه الله في مستشفى الأمراض الصدرية ثم نقل إلى مستشفى المجانين، وبعد خروجه توالت الاعتقالات والاضطهادات. هذه المحن يعتبرها رحمه الله منحا إلهية ويعد أيامها من أسعد أيام حياته لما وفّرت له من خلوة مع الله.

أخي القارئ هذه نبذة يسيرة عن أحداث هذه السيرة، فكتاب في أزيد من 500 صفحة لا تختزله مقدمة أيا كان طولها.

وقبل أن أودعك لا بد من التذكير بأن هذه السيرة لا تغفل الحديث عن الأوضاع السياسية والاجتماعية، وعن الملابسات والحيثيات، وعن الزمان والمكان التي اكتنفت صاحبها، ولم تغفل كذلك الحديث باقتضاب عمن وقف إلى جانب المترجَم له من أهل وأقارب وإخوان وتلامذة.

ومن مميزاتها كما سترى أن المؤلف لا يكتفي بسرد الأحداث مجردة، وإنما يحللها بعمق ودقة وموضوعية، وكان حريصا على توثيقها معتمدا على مستندات وشهادات وحوارات، وأسلوبها لا يقل أهمية عن مضمونها. فالمؤلف الأخ اللبيب الفنان المبدع صاغ من هذه السيرة تحفة فنية في قالب قصصي محبوك، وبأسلوب سلس ممتع أخاذ يجعلك تتابع أحداث السيرة بنهم وشغف، فما إن تضع الكتاب من يديك اضطرارا حتى تجد نفسك مدفوعا إليه دفعا، تتابع أبوابه وفصوله فكأنما تتابع على شاشة السينما رواية أتقن إخراجها، وكأنما تشاهد صورا رسمت بريشة فنان. فجزى الله المؤلف خيرا عما بذل من جهد لإتحاف الأمة بهذه السيرة التي ستدر عليه الرحمات والدعوات الصالحة من كل قارئ استفاد منها.

ونحن في انتظار الجزء الثاني الذي سيكون أغنى وأوعى لما تميزت المرحلة الثانية من حياة المترجم له بعد “الإسلام أو الطوفان” من جهد وجهاد وبناء متواصل لأسس مشروعه التجديدي مشروع العدل والإحسان وفق الله أخانا سيدي محمد العربي أبا حزم لإتمامه.

راجي عفو ربه محمد عبادي

سلا ليلة الأربعاء 16 صفر الخير 1438ه


[1] نقلا عن الأستاذ محمد القوبي، أحد تلامذة صاحب هذه السيرة في ستينات القرن الماضي، في مقدمة كتابه: “تاريخ الجاز”، في سياق حديثه عن غايتيه من تأليفه: “الأولى، ولكي أصل إليها، اقتفيت رأي أستاذي الجليل ياسين عبد السلام…” (ص: 4)، ثم أورد المقولة أعلاه.\
[2] السخاوي، شمس الدين، “الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ”، ط1، مؤسسة الرسالة. 1407ه/ 1986م، ص: 51.\