تطل علينا الذكرى الرابعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، مستحضرين تاريخ واحد من رجالات المغرب الكبار، جازمين، بما عرفنا عنه، أو سمعنا من الثقات الذين عاشروه وجالسوه وحادثوه، أنه رجل محبّ لوطنه، متى ما وجد الخير في مكان سعى إليه بكل تفان وحرص على غد كريم للمغاربة.

دعا للحوار، ومارس الحوار، وساجل وجادل بالتي هي أحسن، وبالكلمة والموعظة الحسنة، وبالقوة في القول من غير عنف، ومتى ما كان اللين والتحبيب سبيلا سالكا إلا كان أحرص الناس عليه.

حتى آخر أيامه، رحمه الله، كان يردد أنه “ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه”.

وقد وفق الإخوة في قيادة الجماعة في اختيار موضوع الندوة المركزية الحوار وضرورة البناء المشترك)، وهي مناسبة لتؤكد فيها الجماعة مرة أخرى حرصها على الحوار ليس تكتيكا أو مطلبا ظرفيا، بل هو عندها دين وأمر إلهي، فضلا عن أنه مطلب ملح لبناء الوطن، ولتجسير الهوة بين من تختلف معهم في تقدير الأمور.

الحوار عندها مصلحة، وليس صفحة تفتح لتطوى عند أول منعرج.. تريد الحوار وتسعى إليه، بكل مسؤولية وصدق ووضوح.

العدل والإحسان حينما تدعو إلى ميثاق وطني) إنما تدعو للحوار، وحين تمد يدها إلى الفضلاء الديمقراطيين) من غير حَجْر على الآراء أو مصادرة للحق في التعبير والوجود، إنما تتلمّس طريق الحوار.

إننا ندعو إلى الوضوح إيمانا منا بأن اللصوص هم الذين يخشون الظلام)، مثلما قال الأستاذ عبد السلام ياسين في كتاب الإسلام والحداثة).

الجماعة تريد موطئ قدم تحت الشمس، وتريد حوارا حقيقيا وجادا حول المستقبل والوطن والتعايش وطرق تدبير الخلافات.

تريد حوارا تجد فيه ذاتها، مع حرصها على أن تجد كل التعبيرات نفسها فيه كذلك.

تريد الجماعة حوارا شفافا، لا تسويات من تحت الطاولة، أو مساومات من وراء ظهر الشعب، ولو قبلت ذلك لكان وضعها غير الحصار وتشميع البيوت وتلفيق التهم مما تعلمون ولا تعلمون.

إن الجماعة تريد التأسيس لحوار ينظر بعيدا، غير مسقوف بحسابات ضيقة، ولا مرهونا لسياسوية لا ترى أبعد من مناورات التكتيك.

إن الجماعة إذ تمد يدها للحوار، بكل اعتزاز وثقة في النفس، من غير ضعف ولا إحساس بالنقص، تدرك جيدا مسلتزماته ومقتضياته.. تدرك أن ما تهدم في النفوس بفعل الاستبداد صعب أن يُمحى بجلسة أو جلستين.

وتدرك أن دسائس الاستبداد فعلت فعلها للتفريق والتشتيت حتى تستديم سطوته.

تدرك أنها ضحية حرب إعلامية وسياسية تحول بينها وبين أن توضح مواقفها بشكل جلي، حتى كثرت وسائط التشويش والتضليل.

إنها تدرك أن من يجب أن يجلس للحوار هم المختلفون في الرأي، أما من أجمعوا على قول واحد فما حاجتهم للحوار.

إن الاختلاف عندها رحمة، ومسؤولية وجب تدبيرها بكياسة لا يتصدى لها إلا الكبار والطامحون لوطن جامع، وليس أسرى الحسابات الضيقة والأحقاد ومن وقعوا ضحايا التضليل.

الحوار فضيلة تحتاج طول نفس، مثلما بناء الأوطان مهمةٌ شاقة، لا تبدأ إلا بتعزيز أجواء الثقة، ومدخل ذلك حوار مسؤول ونزيه.

إنها لا تريد حوار محترفي التوافق والإجماع) المغشوش. تريد البناء على أساس متين، على قاعدة الوطنية) وقيم الأمة).