بمناسبة الذكرى الرابعة لرحيل الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله، نظمت جماعة العدل والإحسان بمقرها بمدينة سلا، صباح يوم السبت 17 ربيع الأول 1438هـ الموافق 17 دجنبر 2016 ابتداء من الساعة الحادية عشرة صباحا، أشغال الندوة الفكرية “الحوار وضرورة البناء المشترك”، بحضور دولي من تونس والمغرب والجزائر والسنغال وتركيا والهند ومالي وألمانيا وغينيا والكويت.

تميزت الندوة ابتداءً بسياقها الذي نظمت فيه والذي تعرف فيه الأمة الإسلامية في الوقت المعاصر تمزقا مريعا، وتعصبا أنبت فواجع عظيمة بين مكوناتها المتعددة على مختلف المستويات، مما يفرض على كل مكونات المجتمعات والشعوب العربية والإسلامية مؤسسات وأشخاصا، جماعات وأفرادا، فتح نوافذ للحوار والنقاش، وذلك من أجل الإعداد لمستقبل يشارك فيه الجميع في وضع لبناته ورصّ أركانه، بحسب ما أكدت عليه أرضية الندوة.

افتتحت فعاليات اليوم الأول بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم تلاها القارئ إدريس الملياني، بعد ذلك، أحال منشط فقرات الصبيحة الحوارية الأستاذ منير الجوري الكلمة إلى الأستاذ المهندس أبو بكر بن الصديق، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان، رحب باسم الجماعة بجميع الحاضرين ممثلي الحركات والأحزاب والمفكرين والعلماء من داخل المغرب وخارجه.

وعرج مذكّرا بجوانب من فضل ومزايا وسيرة الإمام رحمه الله، مؤكدا على أن الذكرى الرابعة مناسبة للتواصل والحوار وتقريب وجهات النظر بين كل مكونات المجتمع، وأنهى حديثه بالتأكيد على أن الإمام المجدد عبد السلام ياسين رجل دعوة وحوار، جمع بين الاهتمام بالجماعة والاهتمام بالأمة والإنسانية، بل إن جل كتبه موجهة للجميع وغير مخصصة لأعضاء العدل والإحسان.

بعد ذلك انتظمت مداخلات الأساتذة الباحثين المشاركين في الندوة بتسيير الأستاذة أمال البوكيلي التي ذكّرت ببعض مناقب الإمام رحمه الله الذي كان مدار همه إحياء الأمة.

طالع أيضا  فاس: "الحوار وتدبير الاختلاف" في ندوة الذكرى الرابعة لرحيل الإمام المجدد

المداخلة الأولى للدكتور إدريس مقبول بعنوان “ملاحظات على هامش فلسفة الحوار عند الأستاذ ياسين”، تناول فيها مدير مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، صلة الحوار عند الإمام بمفاهيم الذكر والتذكير والمذاكرة، كما أشار إلى أن الأصل عند الإمام في الحوار يبنى على التقارب وليس على التغالب، وختم ورقته البحثية بثلاثة شروط للحوار، وهي: الرغبة في الحوار والقدرة عليه، واغتنام فرصه.

المداخلة الثانية للدكتور رياض الشعيبي الأمين العام لحزب البناء الوطني التونسي جاءت تحت عنوان “تجارب الحوار”، نبه فيها إلى أن “الاستبداد السياسي في الوطن العربي استفاد أكثر من تفرق واختلاف الفاعلين والأحزاب والحركات”، إذ كلما زادت هذه الفرقة تقوّى الاستبداد وتغوّل.

وتطرق لتجربة الحوار بين فرقاء المشهد التونسي، متحدثا عن تجربتين جمعتا الأحزاب والمكونات هناك؛ الأولى تتعلق بوثيقة 18 أكتوبر 2005. وأكّد أن الجلسات الأولى تميزت بالصعوبة لكن سرعان ما تم تجاوزها، مشيدا بانتهاج الحوار مسارا متوازيا بين الحوار الفكري من جهة والحوار السياسي من جهة ثانية. وعرض الشعيبي لأهم القضايا الفكرية التي تمحور حولها النقاش وهي أربع قضايا أساسية: الموقف من المرأة، الحرمة الجسدية، الديمقراطية، الهوية والدين والدولة. مشددا على أن التقدم في الحوار الفكري كان ينعكس تلقائيا على التقدم في المسار السياسي.

أما التجربة الثانية فهي تجربة الحوار الوطني سنة 2013، مذكرا باختلاف الدوافع والسياقات عن الحوار الأول، معتبرا أن الحوار ما بعد الربيع العربي كان حوارا لتقاسم السلطة في وقت كانت فيه الشرعية الانتخابية غير كافية ليلجأ المختلفون إلى الشرعية التوافقية. وأنهى الباحث والسياسي التونسي حديثه بالقول بأن الحوار الأول أفضى إلى اتفاقات ثقافية وفكرية أما الحوار الثاني فوقف عند حدود تسويات سياسية.

المداخلة الثالثة للدكتورة أمينة البوسعداني باحثة في قضايا التربية والتواصل كان عنوانها “عوائق الحوار ومداخل إنجاحه”، تطرقت فيها الحديث عن الناظم الدلالي لمفهوم الحوار، كما تناولت في ورقتها العلمية عوائق الحوار ومداخل إنجاحه، وقسمت هذه العوائق إلى قسمين:

طالع أيضا  أكادير: فاعلون مجتمعيون يتدارسون سبل تعزيز الحوار في ذكرى الإمام الرابعة

ـ عوائق ذاتية: تتلخص في غياب الاستعداد النفسي للحوار على مستوى الأفراد والجماعات والجهل بالمحاوَر والتقوقع على الذات والتركيز على الأخطاء وعدم وضوح مضمون الحوار وعدم مراكمة التجارب الحوارية.

ـ وعوائق موضوعية: تتمثل في سياسة الاستبداد التي تفرق الأطراف وكذا تسارع الأحداث على المستوى الوطني والدولي مما يؤدي إلى تأجيل فضيلة الحوار.

المداخلة الرابعة للدكتور المعطي منجب المؤرخ والحقوقي المغربي أكد في بدايتها أن أنظمة الاستبداد تستفيد كثيرا من واقع التشرذم بين مكونات المجتمع، كما أكد على نقطتين أساسيتين، أولاهما حول الخلفية العميقة للحوار، وثانيتهما تتعلق باقتراحات حول إمكانية بناء ائتلاف يضم كل القوى الحية المناهضة للاستبداد.

وختم المؤرخ منجيب كلمته بجملة من الأسئلة استقاها من الفاعلين السياسيين اليساريين موجهة إلى جماعة العدل والإحسان، من قبيل: هل أنتم ثوريون؟ ماهي منهجيتكم في التغيير؟ هل تريدون بناء دولة مدنية؟ وما موقفكم من الحريات الفردية؟

وفي حصة المناقشة تدخل العديد من الباحثين والمهتمين والفاعلين من المغرب وتركيا والجزائر وتونس وللتعقيب وإغناء القضايا المتعلقة بموضوع الحوار والإشكالات التي تعترضه وأولوياته ولغته وأطرافه ومآلاته.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الندوة العلمية تستمد أهميتها من كونها مناسبة يلتئم فيها ثلة من نساء ورجال المغرب والأمة بمختلف مشاربهم الإيديولوجية والفكرية والسياسية والدعوية، لإثارة ومقاربة أسئلة ملحّة مرتبطة بضرورة الحوار وجدواه، أساليبه ووسائله، نتائجه والتزاماته، بغية تقريب المواقف والرؤى إزاء مداخل الإعداد لمستقبل يشارك الجميع في بنائه.