أهداف الحوار

تعتبر جماعة العدل والإحسان الحوار ضرورة لمد الجسور نحو الآخر ولأجل مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل، والتعاون فيما يتم الاتفاق عليه عملا بمقولة: نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه)، وقد حفلت أدبيات الجماعة وممارستها الفعلية بالحديث عن ضرورة الحوار وإلزاميته للبحث عن المشترك، إيمانا منها بأن أي تغيير لا يمكن أن يتم إلا بسواعد كل أبناء المجتمع وشرائحه في مختلف التوجهات والانتماءات، خاصة أولئك الذين يطمحون إلى إعزاز هذا البلد والحفاظ على أمنه واستقراره، ومواجهة الظلم والاستبداد الذي يستنزف خيرات البلاد ويحتكر ثرواته ويبذرها تبذيرا.

إن الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الذي نقف اليوم احتفاء بالذكرى الرابعة لوفاته ووفاء لما أثله رحمه الله من فكر يقوم على التأسيس لوحدة الأمة من خلال الحوار والتواصل، وكذا تمتين المتفق عليه بين أبناء الأمة بتوسيع دائرة الاتفاق وتضييق دائرة الخلاف، لمما يفرض علينا نحن أبناء هذا الوطن مد الجسور وفتح قنوات الاتصال والتواصل فيما بيننا سعيا لتحقيق الرخاء الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق العدل والكرامة في أرض الله لكل الناس، ونشدان الإحسان في كل عمل ينفع عباد الله ويوصل الخير كله لعيال الله ليعبدوا الله كما أراد الله تعالى، ووقوفا في وجه الظلم والعسف الذي لحق المستضعفين وأناخ بكلكله على أمتنا من كل جانب. وإن واقع الأمة اليوم يشهد أن رحى الاستبداد لا تميز في الطحن بين أطياف المجتمع، حتى إنه ليصدق في أمتنا قول الشاعر:

إذا ما الدهر جرّ على أُناسٍ بكلكله أناخ بآخرينـــــــــــــا فقل للشامتين بنا أفيقــــــوا سيلقى الشامتون كما لقينا

فمن سلم اليوم من بطش الجبارين فلن يسلم غدا، ومن اعتقد أنه قادر وحده على تغيير الموروث الثقيل من سني الجهل والفقر والهوان فهو واهم مغرور أو حالم مغمور. لذا فلا مناص من الحوار ولا مفر من التعاون في المشترك الذي يجمعنا لأجل المساهمة في التغيير المنشود.

يقول الإمام رحمه الله: إن الأمة لا يمكن أن تواجه تحديات الحاضر والمستقبل إن لم تجمع ما فرقته عصور الخلاف. وإنما يمكن ذلك بنصب الجسور، والتعاون الفعلي في جهود البناء، لتكون نتائج البناء المشترك حافزا على توحيد النظرة بعد حين. لا ينبغي أن نؤجل الحوار، ولا أن نستعجل الوفاق، ولا أن نيأس لما نراه خلفنا من أهوال تاريخية. فإن تحولنا عن المواقف العاطفية، وعمقنا معاني الرحمة الأخوية الجامعة، فعسى يأذن الله جلت قدرته برجوع المياه إلى المجرى الأول) 1 .

تاريخ جماعة العدل والاحسان في الحوار مع الآخر

تعتبر الجماعة منذ نشأتها الحوار ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها مهما كانت الظروف، والناظر في تاريخ الجماعة لن يجد كبير عناء في رصد الإرادة الراسخة التي جسدها مرشدها في فتح باب الحوار مع كل الأطراف المؤثثة للمشهد السياسي المغربي منذ مطلع السبعينات، فقد جسد هذه الإرادة قولا وفعلا، تنظيرا وتطبيقا، فمن الناحية التنظيرية نجد الإمام قد ألف كتبا حوارية هادفة ومنها: كتاب: “حوار مع الفضلاء الديموقراطيين” وكتاب: “حوار مع صديق أمازيغي”، و كتاب “حوار الماضي والمستقبل”، وفي حواره مع النخبة المغربة أصدر كتابه المعنون بالفرنسية “la révolution à l’heure de l’Islam”، وفي مختلف كتاباته لا يتوانى عن الحديث عن أهمية الحوار وضرورته الملحة، بل يبحث عن الكيفية التي تجمعه بكل الفرقاء الغيورين قصد التفاهم والتعاون، فيقول: كيف اللقاء اليوم وغدا، مع العناصر المخلصة الجادة من الفضلاء على كلمة سواء ترجعنا وإياهم إلى إفراد الله وحده لا شريك له بالعبادة، وإلى كسر الأغلال التي يَرْسُف فيها الشعب، ليساهم المخلصون في صنع حاضره وتخطيط مستقبله، وإنما يتداول الخدمة على الأعتاب كل انتهازي مستكين عابد وثن؟) 2 . كما أن الجماعة في تصورها العام تعتبر الحوار استراتيجية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير الأمن والاستقرار وضمان آليات الانتقال الديمقراطي يؤكد ذلك الأستاذ فتح الله أرسلان في استجواب أجرته معه وكالة رويترز عام 2007 إذ يقول فيه: الجماعة كانت دائما تؤمن بالحوار، ونحن نعتبر اجتماع جميع الأطراف بما فيها الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني المغربي من أجل فتح حوار جاد لتدارس الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد حلا معقولا للمأزق الذي تعيشه البلاد اليوم).

أما من الناحية العملية فقد شهدت سيرة الإمام وتحركاته في حياته، وكذا جهود أعضاء الجماعة مدى سعيهم الجاد للحوار مع كل النخب والساسة حول مختلف القضايا الشائكة، بهدف بناء التغيير وقطع دابر الاستبداد الذي يحاول التفريق بين مكونات الشعب، بنشر الإشاعات والأكاذيب المضللة، وزرع الأحقاد بين كل الأطياف لصدها عن التعاون والتآلف. بل قد يصل الأمر بالبعض إلى تخوين الآخر ووصفه بأقذع النعوت لنيل الحظوة عند الجهات المتنفذة، ولا غرابة في هذا إذ أن التاريخ علمنا أن دأب المستبدين في كل زمان أن يرفعوا شعار “فرق تسد”، حيث يتخذونه شرعة ومنهاجا في تحقيق مآربهم، ولكي يخلو لهم الجو ليمتصوا دماء المستضعفين ويستحوذوا على كل الخيرات بلا رقيب ولا حسيب. وكانت فكرة “الميثاق الاسلامي” التي طرحها الإمام أرضية للنقاش مبسوطة لدى كل الأطراف حتى يثمر اللقاء وتكون بداية لمسار التوافق والائتلاف، كما كانت خطوة “الأبواب المفتوحة” التي دشنتها الجماعة في بداية 2006 محطة مهمة رافقتها بشعار “جميعا من أجل الخلاص” سعيا دؤوبا للتلاقي بين الفرقاء والتعاون مع الفضلاء في المشترك فيه وترك الخلاف لتأليف القلوب وجمع الجهود. ثم تلتها مرحلة حركة 20 فبراير التي رأتها الجماعة فرصة لرص الصفوف ضد الفساد والاستبداد متعاونة مع كل الأطياف وكانت من أهم الفرص السانحة للحوار واللقاء. أضف إليها الدعوات التي ترسلها الجماعة لكل الفضلاء في كل مناسبة تراها متاحة لأجل اللقاء ومن أبرزها حفلات التأبين التي تقام في كل مدن ومداشير وقرى البلاد من أقصى الشمال إلى جنوبه.

لقد كانت الجماعة ولا تزال تدعو إلى الحوار وتنبذ الإقصاء والتهميش كما تعارض بشدة فكرة الإملاءات والاستبداد بالرأي واللجوء للعنف بكل أشكاله لفرض الأمر الواقع، وقد امتحنت في كثير من المواقف فأبانت عن صدقها في الاعتراف بالآخر وعدم مصادرة رأيه أو الحط من شأنه، فكان السعي بالإقناع والحوار والتلطف هو دأبها الحثيث ونهجها الدائم في بناء المشترك والمتفق عليه، وما فتئت تطرح فكرة الميثاق أرضية للحوار واللقاء مع كل أطياف المجتمع.

أهمية الحوار وأثره في التغيير

يعتبر الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله الحوار أملا في الأفق مع كل الفرقاء، فبالحوار نجنب بلداننا الحروب الطاحنة، والاقتتالات الداخلية التي لا تزيد الأمة إلا تفرقا وتمزقا، يقول رحمه الله: ولو جلسنا مع خليط المثقفين إلى الحوار الهادئ المسؤول لنبين لكل فريق أن لنا مع الديمقراطية نقط لقاء كثيرة على علاتها النظرية، وعلى ما نشاهده من شيخوختها وتفاهاتها التطبيقية هناك وهنا. لو جلسنا بهدوء لنشرح لأنفسنا وللفضلاء المثقفين ما هي نقط لقائنا مع الديمقراطية لربحنا أول ما نربح يقظة المثقف المسلم الذي تشاكست فيه إسلاميته مع لبراليته ونضاليته وتقدميته. وبما أن الديمقراطية حوار وحوار، وحل للخلاف السياسي بالوسائل السياسية المتحضرة لا بالدبابات تُحشد لحصد الخصم السياسي الفائز عليك، فإن في الأفق أملا. إن في الأفق أملا أن نُبقي على أنفسنا، وأن نجنب شعوبنا هزات عنيفة هي في غنى عنها) 3 .

يذكرنا الإمام أن الحوار هو من أس وصميم عقيدتنا وديننا وليس إكراها يمليه علينا الواقع أو التاريخ، فبالحوار نقيم بنيان أمتنا، يقول رحمه الله: ليست الجغرافية في عالم أصبح بوسائل التواصل قرية، ولا التاريخ في عالم تهب عليه رياح التغيير عاصفةً، هما الداعيَيْن للتعايش السلمي والحـوار. بل الداعي دينُ الله ونحن حملتُه، وسنة الرفق وإن كانت من حولنا الغربان تُعَقْعِق، وجهادٌ نُعد له القوة من كل أنواعها لا نعنفُ) 4 .

كما يبرز أيضا أن الغاية من الحوار هو إسماع الفطرة والدعوة الرفيقة الرحيمة، امتثالا للأمر الالهي، يقول رحمه الله: الحوار عندنا جِدَالٌ بالتي هي أحسن. ومقدمة الجدال وموضوعه ومضمونه وغايته إسماع الدعوة. إن كانت التي هي أحسن تدلنا على اللِّين في القول، وعلى الصدع بالحق لا نخاف في الله لومة لائم، فإن «ادع إلى سبيل ربك» تعطينا الخط والمسار والهدف، لكيلا ندورَ حول المقصود ونحورَ) 5 .

والباعث على الحوار ينبع إما من الواجب الدعوي الذي يفرضه علينا ديننا، أو الفطنة السياسية التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم في إعداد القوة وبناء الذات، أو المشترك الإنساني في البحث عن التعايش السلمي وتحقيق الأمن لهذه الأمة المسلمة، يقول رحمه الله تعالى: إن لم يكن حرصنا على مجالستهم ومناقشتهم ومراجعتهم بالصبر والمعاملة الحسنة الصادقة نابعا من شعورنا المخلص بواجب الدعاة حاملي الرسالة، فلا أقل من فعل ذلك أو بعضه فطانة سياسية، وحنكة إنسانية، ورفقا يتناسب مع مذهبنا ونيتنا في نبذ العنف مهما عنفوا علينا، ونُشدانا للأمن الاجتماعي لهذه الأمة… هاتوا يا قوم ما عندكم تقدمونه على الملإ وفي شفافية كما كان يقول كرباتشوف. هاتوا اقترحوا مشروعكم بوضوح على الأمة ونقترح. وإن كان النقاش والحوار جادا بريئا من المغالطات والمزايدات فهو أليق بالأخلاق الكريمة والفضيلة التي تجمع العقلاء. لا تحاكمونا على النيات، ولا تصادروا الرأي منا ولا تماحكوا، فنحن من صميم إيماننا بالله واليوم الآخر نستشعر الخشية منه سبحانه أن ننافقكم أو ننافق الأمة. لا مناص ولا مراوغة، بل السعي إلى الحوار البناء على علم تام بما هي اللاييكية التي يتشبع بها ويستشعر ويتدرع ويستظهر أولئك النخب المثقفة الذين يغمس نظراؤهم وقسماؤهم في هذا البلد وذاك من بلاد المسلمين أيديهم في الدماء البريئة الزكية) 6 .

في سبيل الختام

تعتبر جماعة العدل والاحسان الحوار واجبا شرعيا قبل أن يكون استراتيجية للتلاقي والتواصل مع الآخر، وتعتبره وسيلة مهمة للتفاهم وقنطرة لبناء التوافق ونبذ الخلاف القروني الذي يكرسه الاستبداد ويغذيه وينعشه، كما أنها تصنع الحدث الذي من شأنه أن تبسط فيه أرضية الحوار مع الآخر، وما احتفالات التأبين التي تستدعى إليها كل الأطراف والأطياف في المجتمع إلا عربون صدق على الرغبة في الالتقاء والحوار، كما أن الملتقيات والمؤتمرات التي تنظمها وتسعى من خلالها لإيصال رأيها للآخرين و الاستماع والتواصل مع مختلف الشرائح، محطات للتلاقي وبناء جسور الحوار. إن مساحات المشترك فيه والمتفق عليه أكبر من المختلف فيه، لذا فإن الجماعة لا تزال تدعو إلى الحوار وتجعله خيارا أوحد لرأب الصدع وجسر الهوة بين كل الأطياف السياسية ومختلف الهيئات المدنية والجمعوية، ثم إن سفينة الوطن التي تجمعنا والروابط التي توحدنا ومصيرنا المشترك وعوامل أخرى تفرض علينا الحوار ثم الحوار لنرتقي ببلدنا وأمتنا.


[1] الخلافة والملك ص 52.\
[2] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 5.\
[3] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 62.\
[4] العدل: الاسلاميون والحكم ص 430.\
[5] الشورى والديمقراطية 103.\
[6] حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 18/19.\