انشطار الرسالة الجامعة

“ويختلف الصحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم في فروع الفقه. ومن بعدهم تأتي أجيال اختلفت في أصول العقيدة وقواعد الدين. ونشِبَتْ قتالات بين المحقين والمبطلين حتى تصَفَّتْ الساحة من الزنادقة والباطنية وأصناف المارقين. ودخل الشيعة في سراديبهم السرية قرونا. وانزوى الصوفية مكرمين معززين معظمين زمانا” 1 .

“ما قننوه (سلفنا الصالح) رضي الله عنهم من أسس في علم التعديل والتجريح وأصول الفقه وفروعه وأصول الدين وعلم السلوك باق رهن إشارتنا، باق في تجزئته وبعثرته” 2 .

“لم يخلفوا لنا إلا نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل” 3 .

أسباب الانشطار

إجمالا

“إن عوامل التحريف والتكدير والتكسير الفتنوية ليست ترجع إلى علة في العقل المسلم المجرد الذي عجز عن جمع نفسه أمام المفرقات وأمام كنوز الدنيا وأبناء الدنيا وبنات الدنيا وفلسفات الدنيا. العلة سياسية اجتماعية اقتصادية كلية” 4 .

تفصيلا

اختلاف النوازع البشرية

“رسالة جامعة أبْلغت لبشرٍ يسعون في الأرض تتنازعهم مع بواعث الإيمان بواعث الكفران، مختلفةٍ ألسنتُهم، بدائيةٍ أفكارُهم أو متطورةٍ، ذَوِي حضارة أو بدوٍ في الصحراء، لهم من خيرات الأرض وكنوزها القليل عليه يتقاتلون، أو الكثير فيه يُترَفُ بعضهم ومنه يحرم الآخرون. كيف تَلَقَّى الإنسان في ذلك العهد وفي كل العهود، وكيف يتلقى إلى يوم القيامة الرسالة الجامعة؟ إنه إنسان في مجتمع، إنه إنسان يجري به التاريخ، إنه إنسان حتى ولو أسلم وصدق النبي وقبل الوحي، محدود بظروفه الاجتماعية، وقدرته العقلية، ومصادره اللغوية، وأحوال مجتمعه السياسية. لو كان الإنسان فردا في قارورة معقمة في المختبر، روحا مجردة، متعاليا عن الدنيا، لكانت صلته بالنبوة والوحي في صفاء البِلَّوْر. لكنه محبوس في قفص الجسمانية، تتناوشه الغرائز الفطرية، والعقلانية السائدة، والعادات، والموروثات. رسالة جامعة واحدة تلقاها بنات الدنيا وأبناؤها من زوايا مختلفة، وتناولوها فهما وتأويلا بأدوات عقلية مختلفة، واصطبغ فهمها صبغة الزمان والمكان بكدورات علِقَتْ بالرسالة تصدى علماء المسلمين لتصفية الرسالة منها، وتحرير العقيدة من الخلط الفلسفي، والدس الزَّنْدَقِي، والشعوذات المحلية، والرسوبات الجاهلية” 5 .

طالع أيضا  نحو تجديد معاني "الفقه في الدين"مدرسة الإمام المجدد "عبد السلام ياسين" نموذجا (3)

بسط الدنيا

“دخلت كدورات الدنيا بخيلها ورَجْلِها على الرسالة وحامليها فحيّرت وفتنت وآلت إلى تشظية العلوم، ومحنة العقل المسلم، ومحنة السياسة المسلمة” 6 .

ضغط الحاكم

“لا بد لنا إذن من إرساء قواعدنا على مكين الكتاب والسنة لأن العاطفة المجنحة خبال، ولأن فقه سلفنا الصالح الذين عاشوا رهائن مقهورة في قبضة العض والجبر لم يخلفوا لنا إلا نثارا من العلم لا يجمعه مشروع متكامل لأن الحديث عن الحكم وسلطانه ما كان ليقبل والسيف مصلت، وما كان بالتالي ليعقل أو ينشر، إلا إذا احتمى في جزئيات “الأحكام السلطانية” التي تقنن للنظام القائم لاتتحدث عنه إلا باحترام تام، أو دخل في جنينات آداب البلاط المزينة بفضائل الأمراء وحِكَمِ الإحسان الأبوي إلى الرعية” 7 .

“ما نزل إلينا من اجتهاد حافل لا يكاد يتجاوز الفقه العبادي الفردي والمعاملات الاجتماعية. عكف فقهاؤنا رحمهم الله على ذلك بعد أن عزلهم السلطان عن الحياة العامة، وأفردهم للفتوى في شؤون الناس اليومية” 8 .

“واصطبغ الاجتهاد بصبغة الاضطرار فيما عدا العبادات الفردية من طهارة وصلاة وصيام وحج. وتقلص الفقه في حدود ضيقة لما وقع على العلماء ضغط الحاكم الذي يريد الناس على طاعة لا يخولها له الشرع. فهجر الفقهاء قضايا الحكم، وأخلَوْا الساحة، ففقه الحكم في تراثنا يكاد يكون قاعا صَفصَفا” 9 .

خلاصة

“انصبت كنوز الأرض على المسلمين، وانصب عليهم بلاء آخر هو استبداد بني أمية. وتبع ذلك بلاء توافد الأمم والنحل على الإسلام، كل وفد بخلفياته الفلسفية، وعجمة لسانه، وعجمة عقله” 10 .

نتائج الانشطار

فقدان “الهيبة”

ظهور فقه مقلد منحبس سطحي فروعي:

“من بلاء الله للعباد، ومن مظاهر الحراسة المشددة على أبواب الإنابة، هذا الفقه السطحي المقلد” 11 .

فقدان “البهاء”

غياب وتغييب فقه القلوب:

طالع أيضا  نحو تجديد معاني الفقه في الدين: نظرات في الأصول5- الفقه الجامع

“هذا التماسك الموروث بالانتساب القلبي، بالتحاب في الله، والخلة في الله والتواصي بالحق والصبر، هو كان ولا يزال روح الأمة ومناط وجودها وبقائها ومنعتها على الفتن. في عصرنا توشك هذه العروة القلبية أن تتلاشى” 12 .

“لكنَّ سؤال الربانيين إياكم (يعني الدعاة المعرضين عن التربية الإحسانية) يتلخص في بحث الأسباب التي جعلت النداء العقلاني يعلو من منابركم حين يقال: إن الإسلام دين العقل والعلم، ثم يُسكَت عن الغيب سكوتا أخرس، أو سكوت تحريف، أو سكوت إهمال” 13 .

“في هذه العصور النفطية غيب فقه ترقيق القلوب، فقه المحبة في الله، فقه حب الله، فقه التقرب والسلوك إلى الله وكأنه بدعة طارئة في الدين لا أصل لها” 14 .


[1] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 286.\
[2] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 17.\
[3] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 11.\
[4] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 269.\
[5] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 266-267.\
[6] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 268.\
[7] نظرات في الفقه والتاريخ، ص: 11.\
[8] المنهاج النبوي، ص: 217.\
[9] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 65.\
[10] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 268.\
[11] تنوير المومنات، ج: 1، ص: 280.\
[12] الإحسان، ج: 1، ص: 24.\
[13] الإحسان، ج: 2، ص: 94.\
[14] تنوير المومنات، ج: 2، ص: 34.\