توضأت، وصليت عليه، صلى الله عليه وسلم، ثم أخذت قلمي، وبسطت دفتري، وقلت: يا قلبي بُح، ويا عقلي سُح، ويا لساني ويا قلمي فُح، بعطر الكلام في ذكر خير الأنام، فكتب: عذرا يا سيدي يا رسول الله، فما أنا بمن يقدر على الكتابة، وقد مدحك المداحون بأشعارهم دواوين، وكتب عنك العلماء والأدباء والأولياء بأفكارهم كتبا ومجلدات ملايين، فكأنه قال لي: كن كالفقير الذي يملك درهما، فأنفقه في سبيل الله، ففاق بدرهمه من أنفق من الدراهم الملايين. عندئذ توكلت على الله تعالى.

المشهد الأول

نظرت بعد أن اخترقت عيناي حجبَ الماضي البعيد إلى ما قبل مولده الشريف، فبدت لي الدنيا مظلمة، أظلمتها الجاهلية بجهلها بالله وشركها وكفرها، وأظلمتها بعنفها وعصبيتها وظلمها. وسط هذا الظلام كان من البشر مَن كان على دين الحنيفية السمحاء، مَن يمدّون أعناقهم لرؤية طلوع شمس نور الهداية، قلوبُهم تهفو لمعانقة المنقذ من الضلال، وأرواحُهم تتُوق إلى من يحررها من الإصر والأغلال. لم يكن يومئذ هؤلاء فقط ممّن ينتظر شمس النور، بل كل الكائنات تنتظر سيّدها، بما في ذلك الحجر والشجر والحيوان. وكيف لا تنتظره ولولاه لكانت هي والدنيا في العدم.

وكأني حضرت يوم مولده الشريف، فشاهدت كل الكائنات مصطفّة في صعيد واحد، وقد استقبلت سيّدها الكريم، مستبشرة بقدومه العظيم، تعلو وجوهَها الفرحةُ الكبيرة، تردّد بأعلى صوتها يسمعها الكون كله: مرحبا بسيد الكائنات، مرحبا بخاتم الأنبياء والمرسلين، مرحبا بالرحمة المهداة والنعمة المسداة والسراج المنير.

ثم أضاءت الدنيا كلها شرقيها وغربيها بأنواره، واختفى منها الظلام بشمس طلعته البهية.

الموقف الأول

من آمن به وصدق بما جاء به، من صحبه وعاشره، من رآه وجالسه، من أحبه وتعلَّق به، من هاجر معه ونصره، من جاهد معه واستشهد في حضرته، تلقى من هدايا العيد الكثير، عاش في جو من الفرحة والسعادة ليس لهما مثيل. مع أن سيدنا أويسا القرني رحمه الله أخبرهم حين التقوا به بعد ذلك بأن كل ذلك الفرحة والسعادة التي غمرتهم في حياتهم بوجود كماله البشري، ما كان إلا في صحبة ظله الشريف، أما الحقيقة المحمدية فلا يعلمها إلا الله، ففهمتُ أن الله تعالى ترك إدراك تلك الحقيقة للفرحة الكبيرة والسعادة الكاملة يوم القدوم عليه في الآخرة.

الموقف الثاني

من كفر به وكذب بما جاء به، من عاداه وحاربه، من أعرض عنه وأبغضه، من آذاه وأخرجه، فقد حُرم تلك الهدايا وعاش الخيبة والشقاوة ليس لهما مثيل. يكفي لهم عذابا أن يعيشوا في الظلام إلى الأبد. أظلمتْ قلوبُهم لما أنكرت نور شمس النبوة لوقوفهم عند حاجز القبّة البشرية، فأظلمتْ دنياهم وكذلك ستظلم آخرتهم.

المشهد الثاني

تتبعت مسيرة التاريخ بعد العهد النبوي حين غابت شمس نور النبوة، فألفيتها غابت من الأفق، لكنها لم تغب من القلوب المؤمنة المصاحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمتابعة له بإحسان، ممن اشتاق إليهم من بعده من الإخوان، فجعلتْ شمسُ النبوة من تلك القلوب أقمارا ونجوما يهتدي بها الناس في كل زمان اشتدّ فيه ظلام الفتنة والجاهلية المحيط. في هذه المسيرة عبّر المؤمنون عما يجدون في قلوبهم من محبة وتقدير وتعظيم لهذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بتعبيرات مختلفة، فمنهم من كتب دواوين شعر ومدح، ومنهم من كتب في السيرة النبوية والشمائل المحمدية كتبا ومجلدات، ومنهم من سَهِرَ وحرَص على ربط القلوب والأرواح بنور شمس النبوة من خلال الصحبة المتسلسلة عبر التاريخ، حتى يتجدد فيها الإيمان بعدما اخْلَوْلقَ من جديد.

الموقف الأول

من الناس من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق بما جاء به وهو لم يره، وأحب جنابه الكريم وتعلق به قلبه، وعظّم قدره ورفع من شأنه، باعتباره رسول الله ونبيه وحبيبه ومختاره ومصطفاه. فتمسك بسنته العطرة وعض عليها بالنواجذ. فكان لهؤلاء الانتساب الكامل به قلبا وقالبا، اسما وقولا وفعلا، فشملتهم بذلك الهدايا النبوية.

الموقف الثاني

منهم من آمن به وصدّق بما جاء به وهو لم يره، وآمن برسالته ونبوته، لكن باعتباره فقط رجلا رسولاً بلغ الرسالة ومضى. فلا حاجة إلى الاحتفال بذكرى مولده، ولا تعميق محبته وتعظيم قدره وتقدير شخصه الكريم على الله. فكان لهم الانتساب به اسما، وخالفوه قولا وفعلا، فلكونه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين شملهم من الهدايا ما شملهم.

دروس وعبر

الأول: أظهر الله في كل نوع من مخلوقاته أصنافا متباينة، منها الأدنى والأوسط والأعلى، ونشاهد ذلك في النبات والطيور والأسماك والأشجار والحيوان والأحجار والمعادن وغيرها، إلا البشر ترك إظهار أصنافها ومعادنها للأنبياء والرسل، وعلى رأسهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وتترتب تلك الأصناف وتتمايز في درجاتها بحسب استجابتها لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن لم يستجب هو صنف أدنى، ومن استجاب جزئيا هو صنف أوسط، ومن استجاب كليا هو صنف أعلى. يقول الله تعالى: ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير 1 .

الثاني: رغم ما حمله النبي صلى الله عليه وسلم من أعباء الدعوة، والتي كانت تملأ وقته وتثقل كاهله، فإنه صلى الله عليه وسلم أعطى لنا القدوة في أمور من حياته تُحمل على محمل الفسحة والدعابة. قد يعُدّها البعض جزئيات بسيطة في السيرة النبوية، والبعض الآخر يعُدها لا تناسب وظيفة النبوة، لكننا إذا تأملناها بعمق سنجد لها وقعا كبيرا في التاريخ من بعده صلى الله عليه وسلم. نأخذ كمثال على ذلك مداعبته لسبطيه الكريمين الحسن والحسين رضي الله عنهما وتقبيلهما واهتمامه الكبير بهما. هو مشهد يستدل به أحدنا على كيفية تعاملنا مع أطفالنا، ولكن مرمى نظر النبي صلى الله عليه وسلم أبعد من ذلك، هو إدراك ما يكون للسبطين الكريمين من دور كبير في تصحيح مسار التاريخ الإسلامي، والعمل على إفشال محاولة الانقلاب على حكم الخلافة.

الثالث: إن كان سيدنا أويس القرني رضي الله عنه أخبر الصحابة رضوان الله عليهم بأنهم ما رأوا من الحقيقة المحمدية إلا الظل، فإن سعيد النورسي في أحد كتبه عبّر عما كتبه ودونه إخوانه من بعده من كتب ومجلدات كمن يحدث غيره عن نخلة عظيمة وجليلة وجميلة ويلخص تلك الأوصاف كلها في نوى تمرة، رؤية الناس للنوى حجبت عنهم حقيقة النخلة، فظهر لهم الأمر عاديا، لكنهم لما رأوا النخلة واقعا أمام أعينهم تعجبوا وسبحوا الله الذي خلق هذه النخلة بهذه الأوصاف الخارقة. فالكمال البشري الذي يُتحدّث عنه ويُكتب عنه شيء، والكمال المحمدي الذي ستظهر حقيقته يوم القيامة شيء آخر.

الرابع: يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث له: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”، هذا يعني أن سنته المطهرة في جوهرها وحقيقتها أدب عظيم، وهذا الأدب ينطوي على نور عظيم، فمن هجر السنة المطهرة فقد هجر منبع الأدب ومصدر النور.

الخامس: كل ما جاءنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند رب العالمين من خير، وما أوصله لنا من هداية ورحمة وحكمة، جاء به وأوصله إلينا من دون مقابل، فقط يطلب منا محبة آل بيته الطاهرين. قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودّة في القربى 2 . فمحبةُ آل بيته من محبتِه، ومحبتُه صلى الله عليه وسلم من محبة الله تعالى.

السادس: يقول الله تعالى: فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو، عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم 3 ، إذا كانت هدايته صلوات الله وسلامه عليه ورحمته وشفقته ورأفته هي كل سيرته العطرة، هي سعادته وفرحته، هي جماله وكماله وإحسانه، فكم يكون الإعراض عنه وعن منهاجه قسوة عليه يجد ألمه في قلبه، وجرحه على جسده.

السابع: الإكثار من الصلاة والسلام على نبينا محمد، ما أعظمها من هدية تُقدم إليه، وما أجملها من تحية تورَد عليه، وما أسهله من عمل يرضي الرب ويرضيه، وما أعظمه من أجر وثواب، يضع قدمي المصلي على جادة الطريق، ويدخل على المُصلّى عليه الفرحة والسرور عليه في قبره. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه قال: “إن لله ملائكة سيّاحين يبلغونني من أمتي السّلام” 4 . وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعته حتى دخل نخلا فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون قد توفاه أو قبضه، قال: فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: “ما لك يا عبد الرحمن؟” قال: فذكرت ذلك له، قال فقال: “إن جبريل عليه السلام قال لي: ألا أبشرك أن الله عز وجل يقول: من صلى عليك صليتُ عليه، ومن سلّم عليك سلمتُ عليه””، زاد في رواية: “”فسجدت لله شكرا”” 5 . وعن حسين بن علي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ذُكرت عنده فخطئ (وفي رواية: فنَسِي) الصلاةَ عليّ خطِئ طريق الجنة” 6 .

خاتمة

لما انتهيت من كلامي في ذكر خير الأنام، استحضرت عيد الفطر فوجدتُ فرحته بعد إكمال صيام شهر رمضان المبارك، واستحضرت عيد الأضحى فوجدت فرحته بعد تقديم الأضحية تقربا إلى الله، واستحضرت عيد المولد النبوي فوجدتُ فرحته بعد ولادة حبيب الله صلى الله عليه وسلم. فأدركت أن ولادته عيدٌ ليس كباقي الأعياد، إنه عيد الأعياد. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

والحمد لله رب العالمين.


[1] فاطر: 32.\
[2] الشورى: 23.\
[3] التوبة: 129.\
[4] رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.\
[5] رواه الإمام أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد.\
[6] رواه الطبراني.\