أجرت أسبوعية الأيام، في عددها 736 لـ8-14 دجنبر 2016، حوارا شاملا مع الأستاذ محمد حمداوي، عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ومسؤول مكتب علاقاتها الخارجية، تناول مختلف القضايا الوطنية الملحة، وموقف الجماعة منها، وتحليلها لبعض المواقف والأحداث، ورؤيتها للتغيير المطلوب. وفي ما يلي النص الكامل لهذا الحوار تعميما للفائدة.

أكدتم في التقرير السياسي الصادر بعد اجتماع المجلس القطري للدائرة السياسية أن خمس سنوات بعد الربيع المغربي كانت كافية بالنسبة إليكم لكشف غياب مطلق لإرادة الاعتبار والإصرار في مقابل استمرار ما وصفتمونه بـ”الاستبداد” مؤكدين تحليلكم باحتجاجات فئات المجتمع، ألا تعتقدون أن هذا ليس مؤشرا كافيا لتنظروا للربيع المغربي بكل هذا التشاؤم؟ لا بد أن ننظر إلى الجزء المليء من الكأس، وألا ننظر للجزء الفارغ منه، وهذا ما يعاب على جماعة العدل والإحسان. كيف تعلقون؟

نهضة الأمة في الربيع العربي مؤشر إيجابي على يقظة حضارية تداركت الشعوب لتنفض عنها غبار الخضوع للظلم واﻻستبداد، لكن القوى المضادة لكل تغيير في المنطقة والمدعومة إقليميا ودوليا لم تقف مكتوفة الأيدي واستفرغت جهدها من أجل إجهاض آمال انعتاق شعوبنا من الجور والطغيان. لكن في تقديرنا لم ولن تستطيع القضاء على هذه الآمال، وما يجري منذ 2011 من هزات وأحداث بعضها جد مؤلم يعتبر من السنن التي جرت على كل الثورات الإنسانية من كر وفر قبل أن يستقر الأمر لا محالة لصالح تغيير ديمقراطي حقيقي. ولنعتبر من تجارب أوروبا وأمريكا اللاتينية وجنوب أفريقيا وغيرها. لهذا فإننا ننظر إلى الأمر بتفاؤل ولا ننظر إليه بتشاؤم كما ذكرت في سؤالك. وبخصوص بلدنا المغرب فإن أملنا كان ولا يزال أن يستثمر السياق والزمن فعليا من أجل تحول حقيقي في مسار سلمي يكون فيه الجميع رابح/رابح لا أن تتم محاولات الالتفاف كما وقع ونضيع الوقت فقط في تجديد السلطوية ومحاولة بث دماء جديدة في مستنقع الاستبداد.

تتحدثون على الانتخابات التشريعية السابقة وتقولون باستمرار الصراع بين السلطة والثروة وبين الإرادة الشعبية التي ارتقت في نظركم من العزوف التلقائي للانتخابات، إلى المقاطعة بكثير من النضج والوعي، ما هي المؤشرات التي اعتمدتم عليها لتبني هذا الحكم، مع العلم أن الحديث عن أسباب مقاطعة الانتخابات متعددة وليست بالضرورة أن تكون سياسية فقط؟ ألا تعتقدون أن الأرقام والنسب التي تتحدثون عنها مرتفعة جدا؟ فالإجماع مسألة مستحيلة حتى في الأنظمة الديمقراطية العتيدة.

أولا الأرقام التي نتحدث عنها هي الأرقام الرسمية رغم تسليمنا بعدم دقتها. الذين يحق لهم التصويت قرابة 24 مليون والمسجلون 13 مليون والمصوتون حوالي 6 ملايين مع 1 مليون ملغاة.. ماذا تعطيك هذه النتيجة؟ الأمر واضح إذن. والفرق كبير جدا بين النسب المقبولة دوليا ونسبة 25% في حالتنا المغربية. الأمر الذي يشير إلى أعطاب حقيقية تعاني منها العملية السياسية في بلادنا. مسألة البعد السياسي للعزوف يؤكده الوعي المتنامي للشعب الذي تعكسه الاحتجاجات المستمرة منذ 2011، الأطباء، الأساتذة، الاحتجاج على غلاء الماء والكهرباء، الطلبة، الاحتجاجات الحقوقية، المعطلون… وآخرها الانتفاضة ضد قتل الشهيد محسن فكري رحمه الله.

قلتم في تقريركم إنه لا أحد ينكر فضل حراك 2011 الذي حقق في أقل من سنة ما عجز عنه باقي الفرقاء في عقود، ما هو تقييم الجماعة لدور النخب السياسية؟ فمرة تنثرون في وجهها الورد ومرة تنتقدونها؟

نحن نعتبر أن ما يشيد به البعض بأنه مكاسب تحققت منذ 2011، مع اختلافنا في تقدير حجم هذه المكاسب التي نعتبرها بسيطة، رغم ذلك نقول إن ما تحقق هو بفضل ضغط الشارع وبفضل عمل القوى الموجودة خارج المربع السياسي المخزني. أما العمل المتماهي مع النسق المخزني فلم يعمل إلا على تأزيم الوضع أكثر وإطالة عمر الاستبداد. بل ان عددا من الجهات السياسية الموجودة اليوم في الحكومة كانت ضد الحراك. ونحن بنفس الدرجة التي ننتقد بها غيرنا نتقبل انتقاد الآخرين لنا. ونعبر عن مواقفنا بكل وضوح ونعتبر أنفسنا طرفا من عدة أطراف فاعلة في الساحة ونحرص على العمل المشترك وعلى المقاربة الجماعية لبناء مستقبل ديمقراطي حقيقي في بلدنا ولا نعرف اليأس في التطلع لمستقبل أفضل عسى أن يكون قريبا بإذن الله.

حاولتم أن توجهوا انتقادا مبطنا لحكومة إخوانكم الاسلاميين التي ترأسها عبد الإله بنكيران حين قلتم: “فلا غرابة أن يتحول شعار محاربة الفساد والاستبداد إلى شعار عفا الله عما سلف، ثم الرضى بمجرد تأويل وتنزيل ديمقراطي للدستور بدل المطالبة بدستور ديمقراطي” ما هو انتقادكم المكشوف لهذا الفصيل الإسلامي الذي قاد المرحلة بعد 2011؟ فأنتم بقيتم تتحدثون عن تقييم أدائه بنوع من الاحتشام؟ هل السبب هو آصرة الأخوة والدين التي تجمعكم مع إسلاميي حركة التوحيد والإصلاح؟

آصرة الأخوة والدين تجمعنا بكل المغاربة. وموقفنا واحد من جميع الحكومات السابقة واللاحقة في ظل الوضع الراهن وإنها حكومات محكومة عبارة عن واقيات أمامية تستهلك في الأبعاد التنفيذية للسياسات العمومية وتحمل وزر نقائص وسلبيات هذه السياسات وكذا السياسة العامة ذات البعد الاستراتيجي التي لا يد لها فيها بحكم احتكار الكل من قبل القصر. لذا فإننا نركز دائما على الفاعل الرئيسي في المشهد السياسي، مع تحميل المسؤولية أيضا لمن رضي بلعب دور التمويه ومحاولة التسويق لنموذج سياسي مخادع، أيا كان هذا الطرف.

تتحدثون عن استمرار انتهاكات حقوق الإنسان وهناك من يؤاخذ على جماعة العدل والإحسان أنها تخلط بين السياسة وحقوق الإنسان، وتحاول استغلال بعض القضايا للركوب على الأحداث مثل الاحتجاجات التي قامت بعد مقتل الراحل محسن فكري مثلا… ما حقيقة الأمر؟

الخلط الآن في المغرب بين السياسة وحقوق الإنسان أمر واقع بحكم تردي مختلف الحقوق بسبب الظلم الأكبر الذي هو في أصله ظلم سياسي متمثل في الاستبداد وفي السطو على خيرات البلد وتبذيرها بلا حسيب ولا رقيب. فالقرار السياسي المتخلف هو الذي صادر حق البلد في تنمية اقتصادية حقيقية توفر الشغل ولقمة العيش لملايين المغاربة المحرومين منها اليوم. والقرار السياسي الفاشل هو الذي أعطانا تعليما فاشلا وأمية مستشرية. والقرار السياسي بالاستفراد بقسط كبير من خيرات الوطن هو الذي فاقم معاناة ملايين المحرومين من الفقراء والمعوزين. والقرار السياسي الظالم هو الذي صادر الحريات وأدى إلى تفشي الفساد والظلم في القضاء وفي الإدارة وفي مختلف مستويات السلطة، وما حادثتا مي فتيحة ومحسن فكري رحمهما الله عنا ببعيد. أما قضية الركوب على الأحداث فأولا: الجماعة ليست نكرة أو حركة هامشية في المجتمع حتى تضطر لاستعمال منطق الركوب على حدث معين. وثانيا: ضخامة المشاكل في البلد تفرض نفسها على الجميع من أجل التحرك ولا تترك مجالا لمنطق الركوب الذي تحدثت عنه خصوصا مع فعالية وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة.

في الوقت الذي كنتم تتحاشون الدخول على خط قضية الوحدة الترابية للمغرب وخصوصا قضية الصحراء، في هذا التقرير توجهون انتقادا لاذعا للديبلوماسية المغربية وتصفونها بـ”الهشة”، لماذا بقيت جماعة العدل والإحسان بعيدة عن ملف الصحراء، ولا نراها تدافع عن هذه القضية بشكل واضح وجلي، وما سر هذا التحول الذي بدا من خلال هذا التقرير السياسي الذي أصدرتموه؟

إذا رجعت لمواقفنا وحواراتنا ستجد هذه القضية حاضرة، أبرزها ما هو مسطر في “مذكرة إلى من يهمه الأمر” للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله.

أما مسألة الدفاع عن القضية فالمخزن يحتكر كليا تدبير الملف بدون حوار وتداول ديمقراطي في الموضوع ولا يرجع للأحزاب والهيآت الوطنية إلا عندما يكون في حاجة لتوظيفها توظيفا فجا غوغائيا، وفي أغلب الأحيان يأتي هذا الأسلوب بنتائج عكسية على تدبير الملف..وهذا كله منطق مرفوض عندنا.

تتحدثون عن قرار المغرب العودة إلى مؤسسات الاتحاد الافريقي، بشكل سلبي وبلغة الشماتة، ما هي قراءتكم السياسية لهذا القرار الذي يعتبره العديد من المراقبين مهما بالنسبة للمغرب في حين أنكم تتحدثون عنه بسلبية كبيرة؟

ليس هناك أي نظر بشماتة في هذا الأمر أو في غيره من جانبنا. ملاحظاتنا كانت حول التسرع وتكريس هامشية المؤسسات والاستفراد بالتصرف في شأن كهذا الذي عرف تخبطا كبيرا في معالجته. ثم إن ملفات كهذه تحتاج حنكة حوارية وتواصلية دبلوماسية، وليست متوقفة فقط على دبلوماسية الكرنفال والفلكلور والهدايا والاستثمار المستنزف لخيرات البلد والخادم للريع والفساد.

تخلصون في تقريركم السياسي أن الفساد يعشعش في مجالات عدة ويساهم بشكل غير مباشر في التشجيع على نهب المال العام الذي يعد من الأسباب الرئيسية في تدني نسبة النمو، كيف ذلك؟

ليس هناك وضع للإطار المناسب في المنصب المناسب. وليس هناك استثمار عادل لكفاءات الوطن . بل الزبونية والمحسوبية والولاء المخزني الأعمى هو المتحكم في تدبير شأن البلد في جو من الاستبداد لن يعطي إلا ما تحدثنا عنه من اختلالات كبرى أبرزها نسبة النمو ونسبة 81% من الناتج الداخلي الخام ديونا على الدولة مقابل الإغراق في التخلف وتردي الخدمات وتزايد البطالة.

لا تعتبرون أن موضوع المساواة في الإرث من المواضيع الحقيقية للمرأة المغربية، فهو يضر بالمرأة أكثر مما ينفع قضاياها، ولا يدخل ضمن أولويات النساء المغربيات اللواتي يعانين من واقع يتقاسم فيه 95% من ساكنة هذا البلد 5 % من خيراته وينعم فيه 5% من ساكنته ب 95% من خيراته، تلك هي القسمة الضيزى التي وجب التصدي لها، ألا تعتقدون أن المرأة تعاني من إكراهات خاصة بها مثل العنف والتحرش والتمييز إلى غير ذلك؟ لماذا تريدون استبعاد هذا النقاش وأنتم تتحدثون عن المرأة؟

لم نستبعد أي ظلم من المظالم الواقعة على المرأة في بلدنا. لكننا نميز بين مظاهر الظلم وجزئياته وبين مصدره ومسبباته. ونقر بضرورة معالجة البعدين معا. لكننا نؤكد على التركيز على أصل المشكل الذي هو الإقصاء والتهميش والظلم والتفقير على المستوى السياسي الرسمي الذي أسهم بحصة الأسد فيما تعانيه المرأة المغربية إضافة إلى الظلم الاجتماعي المتمثل في العنف والنظرة الدونية والاستغلال بكل أشكاله.

في الوقت الذي تتحدثون فيه بلغة تشاؤمية تظهر أنكم لم تتزحزحوا قيد أنملة عن التشبث بمواقفكم السابقة من المشهد السياسي والنظام، استدركتم بأن الحل هو في ستة أمور وصفتمونها بـ”العين” على المستقبل من أهمها فتح حوار وطني يفضي إلى ميثاق جامع، وينبثق عنه دستور جديد تضعه هيأة تأسيسية منتخبة وتقره إرادة شعبية باستفتاء حر ونزيه يقعد للفصل التام بين السلطة والثروة، ألا تعتقدون أنه مطلب قديم للجماعة لم تستطع الدائرة السياسية بعد مرور 20 سنة أن تطرح بديلا عنه؟ لما هذا الإصرار على الموقف؟

نعم هذا مطلب قديم جديد لهذا الشعب منذ الانطلاقة العرجاء بعد الاستقلال سنة 1956، بعدما تمت مصادرة حق الناس في الحرية وفي الاختيار الحر والنزيه لمؤسسات منتخبة لها صلاحيات وتحكم فعليا وتحاسب، ومصادرة حق الشعب في توزيع عادل للثروات. هذه المطالب وغيرها من المطالب العادلة التي ترفعها كل الفئات الشعبية في كل مناسبة قبل 2011 وأثناءها وبعدها والمرفوعة اليوم هي التي تستدعي في نظرنا ما نطالب به من دستور ديمقراطي ضمن مقاربة جماعية لكل بناء ديمقراطي مستقبلي حقيقي.

بالنظر لتأكيدكم على احترام الإرادة الشعبية، كيف تنظرون إلى تعيين الملك لبنكيران في ولاية ثانية رغم كل التأويلات التي كانت تتحدث عن خرق مسار الدستور وتعيين شخصية بديلة عنه من حزب العدالة والتنمية، واعتبر هذا التزاما من الملك بالخيار الديمقراطي؟ هل تعتبرون تعيينه احتراما لهذه الإرادة؟ وما هو تحليلكم لما يجري الآن داخل مسار المشاورات من أجل تشكيل الحكومة؟ هل هو انقلاب على الإرادة الشعبية التي منحت الإسلاميين المرتبة الأولى؟

في تقديرنا أن النظام السياسي الحاكم في بلدنا لم تتوفر عنده بعد إرادة حقيقية من أجل التحول الديمقراطي الذي سلكته سلميا مجموعة من الدول على مراحل انتقال ديمقراطي حقيقي قطع تدريجيا مع الفساد والاستبداد. وعلى هذا الأساس ينظر النظام للانتخابات باعتبارها واجهة تزيينية تأتي بموظفين جدد أو قدامى أو بخليط بين الصنفين يعملون على إتمام إخراج مشهد التسويق الديمقراطي ويسهمون في تجديد السلطوية في البلد ويستعان بهم على تطبيق السياسات العمومية المبرمجة غالبا ضمن توجهات السياسة العامة المرسومة سلفا. وعلى هذا الأساس فـ”المشاورات” و”مفاوضات تشكيل الحكومة” كل ذلك لا يستقل به رئيس الحكومة والأحزاب بل إنه خاضع مباشرة للقرار النهائي والفاصل للقصر الذي يراعي طبعا مجموعة من التوازنات التي تخصه وتعلي مصلحته بالأساس. والحصيلة في النهاية هي تكريس هيمنة القصر على المشهد السياسي الرسمي بكليته مما يزيد من تعميق الاستبداد والفساد والتخلف.