أثارت التوصية الصادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين الداعية إلى إقرار وفرض رسوم على التعليم في بعض مراحله جدلا قويا وواسعا وسط مختلف الشرائح الاجتماعية والقوى الحية بالبلد، على اعتبارها [أي التوصية] إيذانا رسميا بالتخلي على مجانية التعليم بالسلك الثانوي التأهيلي والتعليم الجامعي، حيث أعلنت مجموعة من الهيئات والنقابات رفضها القاطع لهذا الأمر واستعدادها التام لخوض كل الأشكال النضالية ضدها.

ردود فعل قوية أجبرت المجلس الأعلى للتربية والتكوين على إصدار بلاغ توضيحي يتوخى، حسب البلاغ نفسه، رفع كل أنواع اللبس وتصحيح المعطيات غير الدقيقة والمعلومات الخاطئة التي تتداول حاليا. إلا أن القراءة الأولية للبلاغ تكشف دون عناء ولا كثير تفكير الإصرار الغريب والرغبة الجانحة للمجلس ومن يقف وراءه على الإجهاز وعلى ضرب آخر ما تبقى للفئات المستضعفة من مكاسب وهي مجانية التعليم، وتفضح عزمها الأكيد على تنفيد إملاءات المؤسسات المالية العالمية المتحكمة كصندوق النقد الدولي والبنوك الدولية التي تفرض ضرورة تخلي الدولة عن القطاعات الغير المنتجة في نظرها.

يقول البلاغ: للتدقيق، فإن رسوم التسجيل هي مجرد شكل من أشكال التضامن الوطني، يتجلى في مساهمة الأسر الميسورة في حسن سير المدرسة ونجاعة أدائها).

لماذا تلجأ الدولة دائما إلى جيوب الفقراء والمستضعفين لسد العجز وسوء التسيير مشهرة دائما يافطة التضامن والتكافل في وقت لا تستطيع فيه الاقتراب من لوبيات الريع ومربعات الفساد التي تحتكر الثروة والسلطة؟ وقد رأينا كيف استمات “نواب الأمة” في الدفاع عن مرتباتهم ومعاشاتهم، وتابعنا جميعا كيف تكافؤ أو عفوا “تتضامن” الدولة مع خدامها الأوفياء فيما سمي بأراضي زعير.

فالحديث إذا عن “تضامن وطني” أو ما شابه ذلك لا يمكن إدراجه إلا في إطار التحايل والالتواء الذي تلجأ إليه الدولة في فرض مزيد من أساليب الاستنزاف والتجبر على الفئات الفقيرة. أما مقولة أن الأداء يتعلق بالأسر الميسورة فقط فهي كذبة أخرى يصعب تصديقها أو تقبلها، فمعظم الأسر الغنية والثرية لا ترسل أبناءها أصلا إلى المدارس العمومية المعطوبة.

ناهيك عن غياب معايير دقيقة لتحديد “الأسرة الميسورة” من غيرها.

فهل توكل سلطة التقدير مجددا لأعوان السلطة من شيوخ ومقدمين وما يرافق ذلك من حيف وتعسف، وما تجارب المنحة الجامعية عنا ببعيد، حيث حرمت نزوات وأهواء هؤلاء الأعوان عددا كبيرا من أنباء الفقراء من الاستفادة من حقهم المشروع في المنحة الجامعية؟ أم توكل هذه المهمة لحكومة أكدت غيرما مرة أن كل من يملك سيارة فهو “ميسور”. أما عن مساهمة الأسر في العملية التعليمية فلا يمكن أن نغفل ما تقدمه أسر وأولياء تلاميذ القرى والمناطق النائية من تضحيات جسام من أجل دراسة أبنائهم خاصة في المرحلة الثانوية والجامعية.

إن النظرة التشييئية للجهات الرسمية للتعليم وتغليب الهاجس المادي واعتبار التعليم قطاعا استهلاكيا يثقل كاهل الدولة بمزيد من المصاريف التي ينبغي الحد منها تبقى نظرة قاصرة بل ومتخلفة، فالأمم التي تقدر الرأسمال البشري وتدرك القيمة الحقيقية للتربية والتعليم تجعل منهما مجالا حيويا للاستثمار لما فيه خير حاضرها ومستقبل أجيالها.