صحيح أن مسألة التمويل بالغة الأهمية في النهوض بالمنظومة التعليمية، لكن إشكالية التعليم بالمغرب أعقد من أن نحصرها في هذا الجانب. فإن أخذنا مثلا تطور الإنفاق على التعليم، فقد بلغ بعد تطبيق المخطط الاستعجالي 61.7 مليار درهم سنة 2011 محققا قفزة مهمة عن 24.8 مليار درهم مسجلة سنة 2001، ليعود إلى الانخفاض سنة بعد أخرى ليسجل بمشروع ميزانية 2016 ما يناهز 45.7 مليار درهم. لكن ما هي الحصيلة؟ تقهقر في جميع التصنيفات الدولية وتراجع في أهم المؤشرات من نجاعة ومردودية وإنتاج علمي يقابله تطور محتشم في محاربة الهدر المدرسي في المستويات الأولى للتعليم. لا أقول بأن الغلاف المالي المخصص للتعليم بالمغرب جيد وكاف، فدولة تتلمس طريقها للنمو من المفترض أن يشكل إنفاقها على تعليم أبنائها نسبة مهمة من ميزانيتها العامة، ولكن نتساءل عن مدخلات أخرى غير مادية تؤثر في المنظومة. الإشكالية هنا إشكالية تدبير وقبلها إشكالية اختيارات سياسية. لن أقول انعدام رؤية لأنها موجودة عند أصحاب القرار وواضحة بالنسبة لهم. الرؤية المفروضة من طرف المؤسسات المانحة والمسطرة في ميثاق التربية والتكوين والتي جاء المخطط الاستعجالي 2009 ليعطي دفعة قوية لبلوغها هي تخلص الدولة تدريجيا من الإنفاق على التعليم مقابل فتح باب الاستثمار فيه. وبطبيعة الحال يستعمل للدالة على هذا التوجه في وثائق الخطط مفاهيم وعبارات ألطف كالشراكة بين القطاع العام والخاص.. ومساهمة القطاع الخاص في.. وما إلى هنالك.

الجواب عن سؤال العنوان واضح في العنوان نفسه وهو توفير الموارد. وأكيد إذا قبل الناس بالأداء عن التعليم العمومي ستوفر مليارات مهمة من الدراهم التي بالتأكيد سيطرح عليها نفس سؤال التدبير. هدف مباشر واضح لكن يبدو أن هنالك مآرب أخرى.

جاء المخطط الاستعجالي بحزمة مهمة من الحوافز للاستثمار في التعليم الخصوصي من قبيل التفضيلات في اقتناء الأراضي والإعفاءات الضريبية وتفويت المؤسسات القائمة وتكوين ومواكبة الأطر، حوافز استثمرتها مؤسسات خصوصية كثيرة من أجل الرفع – النسبي – من الجودة. وجاء بالمقابل بحزمة من الإجراءات غير المعلنة الأهداف التي تقضي بالإجهاز على التعليم العمومي من قبيل، عدم مسايرة عجلتي التوظيف وتشيد المؤسسات للنمو الديموغرافي والتي كان محصلة لها الاكتظاظ غير المسبوق في تاريخ التعليم المغربي، عدم مواكبة معلمي وأساتذة وإدارات التعليم العمومي ما أعطى جودة متدنية للعرض التربوي التعليمي، عدم التصدي بحزم لتفشي ظواهر السرقة والاعتداء وترويج المخدرات بمحاذاة الإعداديات والثانويات والتي ولدت هواجس أمنية تربوية عند الأسر المغربية. ماذا نتج عن هذه الإجراءات غير المعلنة؟ نتج عنها هروب الأسر المغربية، حتى الفقيرة منها، من التعليم العمومي والتكلف فوق الطاقة من أجل تدريس أبنائها في التعليم الخصوصي. فحصدت ماكينة الخوصصة، مستفيدة من هذه الازدواجية المقيتة في التعاطي مع التعليم، جزءا مهما من “السوق”.

لكن يبدو أن ماكينة الخوصصة استنفذت المحصول المطحون وتحتاج إلى “سوق” جديد. هنا يأتي دور إلغاء مجانية التعليم العمومي في السلكين الثانوي والعالي. إذن فالمآرب الأخرى تتلخص في ضرب التعليم العمومي وإلغائه وليس فقط إلغاء مجانيته. فبعد أن يصبح المواطن المغربي الفقير ومتوسط الدخل أمام تعليم عمومي رديء مؤدى عنه وتعليم خصوصي أقل منه رداءة مؤدى عنه، فعند إذن سيكون ملزما بأحد الخيارين، فإما أنه سيأخذ بعد عرقه من لحمه ودمه ويولج أبناءه التعليم الخصوصي، وهنا ستتحقق مقاصد تخلص الدولة من “عبء” التعليم ومقاصد تحول هذا التعليم إلى مساهم في الناتج الوطني وناتج لوبيات الاقتصاد، وإما أنه سيستغني عن هذا التعليم ويكتفي أبناؤه بتعليم أساسي يمحو أمية قراءة الإشهارات أو سيدفعهم إلى التكوين المهني – غير المعني بإلغاء المجانية – ليصبحوا يدا عاملة في مصانع لوبيات الاقتصاد، وهنا مقاصد سياسية مهمة.

أظن أن هذا القرار الذي جاء في سياق رجوع النظام المغربي إلى موقعه بعد ارتجاجات الربيع العربي لن يتم تنزيله، ولو تدريجيا بفرض رسوم التسجيل أو ما شابه. فإذا كان النظام قد عاد إلى موقعه ما قبل 2011، موقع التسلط والاستبداد وضبط إيقاع السياسة وقمع احتجاجات المواطنين، فإن الشباب ما زالوا في موقع ما بعد 2011، موقع تكسير حاجز الخوف وعدم الرضى بالحيف. ولكن تجدر الإشارة إلى أن إصدار هذا القرار فيه إيجابية، وهي أنه يشكل مناسبة سانحة للحركة الطلابية والتلمذية وقوى المجتمع الحية وعموم الشعب لكي يفتحوا نقاشا حقيقيا حول التعليم برمته، بل ليفتحوا معركة حقيقية من أجل المطالبة بتطوير التعليم. معركة الوقوف ضد إلغاء مجانية التعليم معركة رابحة بأقل مجهود، هي مهمة لكن، ليست الأهم، الأهم هو إنقاذ المنظومة التعليمية.