توطئة

الجُرح واحد والآلام كثيرة!

قُل لي بربّك هل ضروريّ ألاّ نستشعِر آلامَ الآخرين حتى نُصاب بمثل ما أصيبوا به؟!

وأين مُصابُنا مِن مُصابهم ونحن لنا مال ومأوى وإخوان وأطباء شُرفاء يواسون ويَأْسُون وليس لهم إلاّ الله ملاذا وملجأ، والقرآن رحمة وشفاء، والدّعاء سُلوة وعزاء؟!

ثم قُل لي بربّك هل مُلِحّ جدّا ألاّ نكتَرِث لِداء الأُمّة حتى يُوردها مَوارد الهلاك فننْهَضَ مُنتفضين ولات حين مناص، أو يأذَنَ الله بخلاص، بمخلِصين مُخلِّصين، وميثاق صفّ مُتراصّ أَقِفُ ناحِيَةً عنه مُتفرِّجا أنتظر أن أكون ممن عَيّد مَع مَن عيّد وهو لم يَصُم مع مَن صام ولا اعتكف ورابط وقام مع مَن اعتكف ورابط وقام.

على فِراشِ سِقامي لم أَجِد وَسَنا ** جُرْحي عميقٌ وليل الآه ما سَكَنا
آلامُ بَطْني تُجيدُ الرَّقْصَ ناسيةً ** أنّي على رَقْصِها غَنَّيْتُ واحَزَنا
تَزورُني الحينَ بعد الحينِ شائكةٌ ** تُسائِل الزَّوجَ هل ذاق الشريفُ هَنا؟!
وتَتْرُك البَيْتَ بعد الوخز راضية ** لِسَعْيِها والصَّريعُ المُسْتَباحُ أنا
أبْكي بِلا ماءِ عَيْنٍ فالدّموع سُدى ** لن يُجْدِيَ الدَّمع مَكْلُوما إذا كُفِنا
بياضُ خِرْقاتهم أمسى لنا كَفَنا ** وذا سريرهمُ أمسى لنا جَنَنا1
لم يبق إلاّ دُعاءٌ ضارع وجِلٌ ** يا ربّ داوِ عَليلا يشتكي مِحَنا
أيّامُ ضُرّ الورى مَعدودة فلَهُم ** مِن رَبّهم فرَجٌ يُمْضي المُنى مِنَنا
ومَرّة بعد أُخرى أشْتَهي خَبَرا ** يُبَشِّرُ المُبتلى أنّ الصّباح دَنا
وأذكُر المَوْتَ لم أسْعَدْ بِخاطِرِه ** هل يُسعِدُ الموتُ مَن ألهَتْهُ عنه دُنى؟!
وأذكُرُ العانِيَ المَحرومَ حَسْرَتَهُ ** يَرْتاد مَشْفىً حُكومِيّاً له ظَعَنا
فينزِفُ الدَّمَ مِن قَلْبٍ ومِن جَسَدٍ ** ويَرْجِع القهقرى كَلاًّ ضَجيعَ ضَنى
بعد انْتِظارٍ كَسيحٍ ضَيِّقٍ حَرِجٍ ** والسُّوءِ مِن عامِلٍ يَبْتَزُّه عَلَنا
فمَوعِد الفَحْصِ مَضْمون لِمَنْ دَفَعوا ** أمّا الجِراحَةُ فارْقُبْ يَوْمَها زَمَنا
إنْ كُنتُ ذا حُظْوةٍ في سِرْبِ عائِلَتي ** وكنتُ أَلْقى مِن الأبْرارِ ما ثَمُنا
ومِن أطبّاءَ أخيارٍ جَدى كَرَمٍ ** ولُطْفَ نُصْحٍ يُزيلُ الهَمَّ والدَّرَن
ومِن صحابي وأحبابي شَذى عَبَق ** يُطَيّب الجِسْمَ مِمّا شابَهُ عَفَنا
زيارةً وقِرىً، دَعْماً ومَكرُمَةً ** مِن بَعْدِ ما كان حالُ النَّفْسِ مُحْتَقَنا
فَمَن لِمَنْ حُرِموا الأخيارَ لم يَجِدوا ** إخوانَ عَدْلٍ وإحْسانٍ ولا مُؤَنا؟!
ومَن لأُمَّتِنا والوَهْن أَرْهَقَها ** داءُ الذين خَلَوْا مَن أُشْرِبوا الوَهَنا؟!
دَبَّت إلينا غَداةَ العَضِّ نِقْمَتُه ** وأتْلَفَ الجَبْرُ ما أبْقى فَغَرَّبَنا
متى الشِّفاء وشَرُّ الدّاء ما خَفِيَتْ ** أعْراضُه عند مَن والى ومَن ركَنا؟!
ومَن بَنى لِشِرار الخَلْقِ دولَتَهُم ** على جَماجِمِنا صَرْحاً بَناه بِنا
بُخْلا وجُبْنا وإرهابا وشَيْطَنةً ** خَرْساء إنْ قُلْتَ «لا» قالوا «نَعَم» بِكُنى
بِالعِلْم فَتوى بلا تقوى ولا رَشَدٍ ** مَن يُصْلِحُ المِلْحَ إن أزْرى المَليحُ بِنا
بالذِّكْر آه إذا الذِّكْرُ اسْتَحالَ هَوىً ** يُزَيِّنُ القُبْحَ أو يَسْتَهْجِنُ الحَسَنا
بِالفِكْر والفِكْرُ إمّا حِكْمَةٌ وصُوىً ** أو دَعْوَةٌ تُلْهِبُ النَّعْراتِ والأُبَن2
بِالفَنِّ أمسى غِناءً مَاجِناً وزِنا ** العَدْلُ جَرَّمَهُ و«الفيسُ» بَرَّأَنا
بِلِحْيَةٍ مِن أسانيدِ الهُدى سُنَناً ** مَنْ خالَفوا المُصطفى هادي الوَرى سَنَنا
بِصَوْتِ زُورٍ يُزَكّي الجَوْرَ مُنْتَشِياً ** أَن طافَ ثُمّ سَعى مُسْتَهْدِيا سَدَنا3
بالمَال والمَالُ مالُ الله نِعْمَتُه ** إن كان لله أو أمسى دُنى لِفَنا
أمّا إذا كان مالُ المرء ريعَ رِباً ** أو دَعْمَ مَن أيّدوا الأزلام والوَثَن
فقل لهم هل حَمى المالُ الذين قَضَوا ** حَتى يُفيدَ دَعِيّاً خانَ مُؤتَمَنا؟!
أو قاذِفا لم يَجِدْ مَأوىً ولا سَنَداً ** فَجُرَّ مِن جُحْرِه كالجُرْذِ مُمْتَهَنا
أو صالِحاً طالِحاً أرْغى بِلا زَبَد ** ولم يَجِدْ غَيْرَ حُوتٍ في الثَّرى مُنَنا4
بشِيعةٍ وشيوعِيٍّ سَرَتْ فِتَنٌ ** تُخيفُ نَجْداً وتُرْدي حَرْبُها يَمَنا
أم هل أفادَ سِلاحُ المَكْرِ لِبْيَتَنا ** أم هل أعاد دُعاة الفِكْرِ نَهْضَتَنا؟!
بَشّارُ أُسْدٍ لهم في الغاب مَمْلَكةٌ ** الدُبُّ حاضِنُها مُستأسِداً نَتِنا
وفي فِلسطين تضييقٌ ومَلحمَةٌ ** وليس للقُدْس إلا فِتْيَةٌ جُنَنا5
باعوا نُفوسهمُ لله خالِصةً ** لم يسألوا ربّهم أجْرا ولا ثمنا
أمراضُنا عِدَّةٌ والوَهْن حِلْيَتُها ** وفاقِدُ الشيء لا يُعطيه لو فَطِنا
قد قيل إن كان رَبُّ الخَلْقِ شافِيَنا ** فليس للطِبِّ إلاّ أن يُواسِيَنا
واسِ الأسيرَ وجَرحى أُمَّةٍ تَعِسَتْ ** بجَوْرِ حُكّامِها مَن شَرْعَنوا الدَّخَن
واسِ الشّريد بلا مأوى ولا سَكَنٍ ** ألفى لديهم حِمىً فاستَبْعَدَ الوَطَن
واسِ المُعَطَّل هَدَّ اليَأْسُ مُنْيَتَه ** فاستعْذَب المَوت حَلاًّ وامتطى سُفُنا
واسِ الفقير يرى خَيْراتِ موطِنِه ** نَهْبَ الدَّخيل ومَن جارى ومَن دَهَن
واسِ الغَريبَ بِصَمْتٍ لُذْ بحِكْمَتِه ** إن لم تَكُنْ في دُنَى الدَيّان مُمْتَحَنا
أو كُنْتَ ذا نِعْمة تخشى إضاعَتَها ** في قَوْمَةٍ تمتطي أهْوالَها مَعَنا
الهَوْلُ يَمضي ويبقى الله غايتُنا ** وما مِنَ اللهِ خَيْرِ الخَلْقِ أُسْوَتِنا
وما مِنَ المصطفى المُختارِ قدوتُنا ** ياسينُ خِلِّي ومَن راموا العُلا قُنَنا6
أَنْسَتْنِيَ الأَلَمَ القَاسي مَواجِعُنا ** حَتّى أفَقْتُ على صَوْتٍ عَلا ودَنا
قُمْ فالمُؤذِّن نادانا بِحَيَّ على ** جِسْرِ الفَلاح وليْلُ الآهِ قَدْ سَكَنا
قُم واهْتَبِلْ عُمْرَك الباقي فلا سَعِدَتْ ** نَفْسٌ تَلوكُ الأَسَى أو تَنتشي بمُنى
إنّ الشّفاء لفي هَدْيِ الكتاب إذا ** غَدا لنا رحمةً، ذِكرى، هُدى وسَنا
إنّ الشِّفاء لفي دَرْءِ الفُتونِ بما ** يُحْيِي الفُؤاد ويُبْدي سِرَّهُ عَلَنا
إنّ الشِّفاء لفي دين الخليل إذا ** خالَلْتَه صادِقا مُسترشِداً فَطِنا
وكان مُسْتَخْلَفاً مُسْتَأْمَناً ثِقَةً ** مِنْهاجُه حِكْمَةٌ هيهات عنه غِنى
صلّوا على المصطفى الهادي وعِتْرَتِه ** ما حنّ شوقاً إلى طه الفُؤادُ هُنا
وما أراقَ هُناك الدّمْعَ مُرتجِياً ** عَفْواً وصَفْحاً وإحسانا وما أَمِنَ
حتى رأى وَجْهَهُ نورا يلوذُ به ** مِنْ هَمِّه فانْجَلى ما كان قَبْلُ عَنا
أبياتٌ كُتِبَتْ بأنامل تُسَبِّح بحمد ربّها بعد إجراء عملية جراحية كَلَّلَها الله بنجاح تُؤرّخ للحظة جرح وآلام.

———————————————-

1- الجُنَّةُ: سُترَة، كُلّ ما ستر.

2- الأُبَن: الأحقاد.

3- سَدَنَة الكعبة: خدّامُها.

4- المـُنَن: ج مُنّة: القوّة.

5- الجنن:القبر.

6- قُنَّة كلِّ شيءٍ أَعلاه.