أصبح المغرب مؤخرا عرضة لآثار التقلبات المناخية، حيث شهد تراجعات مهمة في التساقطات المطرية وتأخرها، وارتفاعا في درجات الحرارة رافقته موجة جفاف، إضافة إلى فيضانات إقليم العيون واليوسفية وكلميم السنة الماضية، والتي راح ضحيتها مواطنون إلى جانب الخسائر الكبيرة على مستوى البنية العمومية والممتلكات الخاصة.

هذا التغير المناخي، سيترتب عنه تداعيات على البلاد، على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، كما أنه مهدد بفعلها بأزمات الفقر والجوع والبطالة، إضافة إلى انتشار الأوبئة، والنقص الشديد في المياه الذي سيهدد كتلة كبيرة من الساكنة خلال الـ15 سنة القادمة.. وهذا ما سيؤدي إلى فقدان التوازن بين الاستهلاك والإنتاج خلال السنوات المقبلة، مما ينذر بحلول كارثة إنسانية غير مسبوقة.

هذه ليست تخمينات أو قراءات تحليلية، بل هي دراسات دولية دقيقة دقت ناقوس الخطر وحذرت من هذه التداعيات المناخية، مؤكدة أن القطاع الفلاحي أكثر القطاعات التي ستتضرر بالتغير المناخي بسبب الجفاف وقلة التساقطات، كما سينتج عنها نقص إنتاج الغطاء النباتي والغابوي، وتناقص الموارد الطبيعية التي تعتبر مصدر عيش شريحة واسعة من المغاربة، مما سيؤثر سلبا وبشكل مباشر على أمنهم الغذائي.

التغير المناخي يكلف الملايير

بحسب التقارير المحلية والدولية التي صدرت مؤخرا والتي كشفت عن حجم الخسائر المادية التي يخلفها التغير المناخي، يتوقع أن تتفاقم هذه الخسائر بشكل مضاعف، إلى جانب الخسائر البيئية والديموغرافية.

فحسب معطيات سبق أن كشفت عنها العديد من دراسات وتقارير منظمات دولية خاصة “الفاو” و”البنك الدولي”، فقد يفوق حجم الخسائر 150 مليون دولار كأقل تقدير خلال السنوات القليلة القادمة، خاصة بسبب الفيضانات.

أما دراسات أخرى في ذات السياق فقد رسمت واقعا أكثر قتامة على المدى المتوسط، وأشارت إحدى هذه الدراسات إلى أن سطح البحر سيرتفع بـ0.16 مترا وارتفاع درجة الحرارة بدرجة مائوية، وهذا الارتفاع وإن بدا منخفضا، غير أنه سيكلف المغرب خسائر مرتفعة جدا تقدر ببليون و200 مليار دولار سنويا، وهذا دون الحديث عن أكثر السيناريوهات قتامة والتي استمرت في سردها التقارير ذاتها.

ومن المؤكد أن هذه الخسائر لن تقتصر على الجانب المادي، حيث إن المغربي ستكون حياته مهددة بفعل هذه التطورات المناخية الخطيرة.

شبح المجاعة

لا شك أن المغاربة لن يمحى من ذاكرتهم أحد أسوء الأحداث التي طبعت ماضيهم، والمتمثلة في مجاعة عام 1945، والتي عانى خلالها المغاربة من استنزاف خطير للمواد الغذائية، وتفشت بسببها الأوبئة والأمراض، كما أن موجة الجفاف التي ضربت المغرب قبل حوالي عشرين سنة، ستظل موشومة في الذاكرة، حيث عانى بسببها عدد كبير من سكان المغرب من قلة الماء، والجوع بعدما انحسرت التساقطات التي أدت إلى تراجع الإنتاج الفلاحي الذي ساهم في بروز أزمة غذائية. هذان الحدثان يعودان ليخيما على سماء المغاربة من جديد.

فالمغرب معروف بكونه دولة تعتمد بشكل كبير على القطاع الفلاحي، بحيث يساهم بحوالي ستة عشر بالمائة من الناتج الداخلي الخام، كما أنه يشغل حوالي أربعين بالمائة من المغاربة، وهذا ما يجعله عرضة لمخاطر تغير المناخ المتمثلة في ارتفاع درجة الحرارة وانحسار التساقطات وعدم انتظاميتها، كما أوردنا سلفا.

الاتكالية على السماء تمهد لحلول الكارثة

وأمام هذه السياسة الاتكالية على ما تجود به السماء والأرض، انتقدت التقارير ذاتها استمرار اعتماد الدولة على التساقطات من أجل مردودية فلاحية جيدة في غياب أي استراتيجية ذكية تدبر هذا القطاع في حالة شح الأمطار، خاصة مع ارتفاع نسبة قلة التساقطات والتي وصلت إلى ثلاثين بالمائة، ونسبة هذا التراجع مرجحة للارتفاع حيث قد تصل إلى خمسين بالمائة حسب الدراسات المستقبلية التي قامت بها بعض المؤسسات الدولية المختصة على المستوى العالمي شملت الدول المهددة بتقلبات المناخ ومن ضمنها المغرب.

إن ما عاشه المغرب خلال السنة الماضية والحالية يؤكد صحة هذه التوقعات، فالنمط الموسمي للأمطار تراجع بشكل ملحوظ، وقلت التساقطات وتأخرت، وصارت تظهر سمات الجفاف بشكل جلي، هذا ناهيك عن موجات الحرارة غير العادية والتي سيكون لها انعكاس سلبي على القطاع ذاته، كما ستؤثر على الثروة المائية التي ستتراجع بشكل كبيرا جدا مما ينذر بحلول الكارثة، إذ كانت منظمة الأغذية والزراعة “فاو” قد دقت ناقوس الخطر إزاء تطور مستوى الجوع في المغرب في السنتين الأخيرتين، كاشفة أن قرابة مليونين من المغاربة لا يجدون ما يقتاتون به.

كوب 22 الشجرة التي أخفت الغابة

المغرب بلد غير قائم على البحث العلمي ولا على الصناعة، بلد لا يعول سوى على المردود الفلاحي والبحري والفوسفاط والاستيراد، وهذه طبيعة الأنظمة الفاسدة التي تستنزف الثروات الطبيعية، وتنهبها على حساب الشعب الذي يصير مستقبله يواجه المجهول، في غياب سياسات واستراتيجيات، تؤمن له السلامة والكرامة في معيشه اليومي.

كما أن من طبيعة الأنظمة الفاسدة أنها تحاول أن تخفي وتزين ما أمكن حجم فسادها أمام المنتظم الدولي، من خلال احتضان ملتقيات دولية، لتسوق للعالم صورة مخالفة للواقع، وهذا ما تجلى في استضافة كوب 22 بمراكش.

إن الدولة أمام ما أصابها ويصيبها من أزمات متعلقة بالبيئة والمناخ، لم تتخذ الإجراءات الواجبة والاحتياطات اللازمة لمواجهة المخاطر التي تهدد حياة المواطن المغربي بشكل مباشر.

ففي غياب تدابير وآليات لمواكبة هذا التغير المناخي، وتمويل دراسات عميقة للوقوف على مختلف إشكالياته، تصير حياة المواطن المغربي مرهونة بما تحمله الطبيعة من تطورات مستقبلية غير آمنة.

لا تزال الدولة بعيدة عن مفهوم واقعي للتنمية المستدامة وعلاقتها بالبيئة، وذلك في غياب توازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى إنجاز مشاريع تنموية ثبت فشلها وعدم جدواها.

إن ما نعيشه اليوم يدعو إلى التسريع بخلق سياسة استراتيجية للتدبير البيئي وتغيير السلوكيات المؤثرة في المناخ تتعامل مع هذه التطورات الخطيرة التي كانت بالأمس خارج الحسابات، واليوم أصبحت حقيقة معاشة.