الاستبداد حليف الاستعمار وثمرته، معلومة يدركها أهل الفكر والسياسة والتاريخ، لذلك، فاستراتيجيات الاستبداد نسخة طبق الأصل لاستراتيجيات الاستعمار التي استعملها في احتلاله لأمتنا، إلا أن الفارق بينهما هو اختلاف الفاعلين والمنفذين لها.

تعتمد الأنظمة الاستبدادية على مجموعة من الاستراتيجيات المتنوعة والمختلفة، تخدم أجندة واحدة: “تدمير الإنسان ومسخ شخصيته”، عبر مجموعة من المشاريع والخطط والبرامج، لذلك، ليس سراً أن يُحصن الاستبداد نفسه من أجل البقاء على رأس السلطة وبأساليب متنوعة، بدءاً بسياسة التجهيل والتفقير والتهميش، مرورا بمنع حق التعبير الحر ومصادرة الآراء والمواقف المناهضة له، انتهاء بصناعة عداوة وهمية وتصنيع أعداء على أهوائه ومقاييسه.

في برنامج حواري متلفز قال “مهاتير محمد”، رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، بأن كلمة السر في النهضة التي وصلت إليها بلاده كانت في توجيه 25% من ميزانية الدولة إلى قطاع التعليم، حيث لم يكن لديهم سوى جامعة واحدة، فقرروا إرسال أبنائهم إلى الخارج لتلقي التعليم وتحصيل المعارف، واليوم، أصبح في ماليزيا 60 جامعة.

وأضاف أنه عندما أصبح رئيسا للوزراء قررتُ ألا يُعتمد في ماليزيا على المعونات، وأن نعتمد على أنفسنا كدولة.. كنا نريد أن نكون مستقلين وألا نكون تحت أي ضغوط من أي طرف، و بالتالي، إذا لم تكن هناك أموال كنا سنعيش وفقاً لظروفنا، لأننا إذا حصلنا على المال بهذه الطريقة الأخرى يمكن أن نخسر استقلالنا).

هذا المنطق في التدبير نجده عند بعض الساسة الذين خبروا معنى التحرر والاستقلال، وأدركوا معنى عدم الرضوخ لتوصيات الأجنبي، لاقتناعهم الراسخ أن قطاع التعليم والحرية أساس لأي نهضة حقيقية، فلا نهضة لتعليم بلا حرية وتحرر من أي ضغط من أي طرف كان، ومتى تحقق هذان الشرطان انفتحت آفاق الحرية بمختلف مستوياتها وأنواعها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية…

التعليم في أوطاننا متخلف، بئيس البيئة بدائي الفلسفة والأساليب والوسائل، أما التحرر فلا حديث عنه حتى إشعار آخر، لتكون النتيجة ضمنيا تخريج نخب تتقن دور الانحناء والخنوع والخضوع، إلا من اكتملت رجولته باكتمال رشده رغم سفاهة الظروف.

الأنظمة السياسية الفاسدة تريد أن يستمر الجهل، وتعمل على تطوير مشاريع تجهيل شباب هذا الوطن، لأنها تعلم يقينا أنه حينما ينتهي الجهل تبدأ الحرية.

لا خوف على العلم وأهله رغم هذه السياسات نظرا لحمله على أكتاف أبناء الفقراء والمهمشين والمقموعين، الذين بعلمهم وإرادتهم وعزمهم سيكنسون هذا الوطن من وساخة الاستبداد والفساد وأهله.

التعليم يحمي الحرية أفضل من جيشٍ مرابط، والحرية دون تعليم في خطر دائم، أما التعليم دون حرية فيذهب هباء منثورا.