في دوريته المنتظمة ودورته العادية، عقد المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان دورته العشرين بالدار البيضاء، يومي السبت والأحد 26 و27 صفر الخير 1438ه الموافق 26 و27 نونبر 2016م. تحت شعار: مع الشعب: اصطفاف مسؤول من أجل التغيير المأمول).

وقد حضر أشغال هذه الدورة للمجلس القطري للدائرة السياسية (مقدس) مختلف مؤسسات الدائرة وتمثيلياتها المتنوعة، ووفود ممثلة لكل الأقاليم، وفعاليات وخبراء، وضيوف الشرف، وحظي بزيارة ورعاية أعضاء مجلس الإرشاد ومواكبتهم لأشغالها.

بعد الافتتاح بآيات من الذكر الحكيم تناول الكلمة رئيس الدورة الدكتور عمر أمكاسو، عضو مجلس الإرشاد ونائب رئيس الدائرة السياسية، فرحب بالحاضرين، وعرض برنامج الدورة، وقدم لإلقاء الكلمة الأستاذ محمد عبادي الأمين العام للجماعة.

في كلمته للمؤتمرين ذكّر الأستاذ عبادي بتبعات تحمل المسؤولية، مؤكدا أن “مناصب الدنيا تتبعها حسرة وندامة إن ضيع أصحابها الأمانة”، وأن المنافسة الحقيقية هي “المنافسة على القرب من الله تعالى”. كما ذكّر بما “تنعم به الجماعة من نعم لا تعد ولا تحصى، ولعل أعظمها بعد نعمة الإسلام هي نعمة الصحبة والجماعة”. وأضاف: “نعيش راحة وطمأنينة وسكينة… فقد أعطتنا الصحبة التصور الصحيح والسليم للكون والحياة والإنسان، وعلمتنا أن التربية الإيمانية الإحسانية هي الوسيلة لإقامة العدل”. وتساءل الأستاذ عبادي عن الحل فأجاب: “التربية الإحسانية تطهر القلب من الحسد والكبر والجشع والأنانية، وتعلم العبد محبة الله ومراقبته، فإذا أحب العبد ربه أحب خلقه فآثر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، وقضى حياته في خدمة الصالح العام”.

ثم تناول الأستاذ عبادي ما تُتهم به الجماعة من اتهامات، فقال: “بعض الناس يتهمونكم بالعدمية لأنكم لا تشاركون في الانتخابات ويغيب عنهم أن ما تقومون به هو باب الدخول في الانتخابات، بمعنى أنكم تهيئون المنتخِب الصالح وتعدون المرشح الصالح الذي يقدر المسؤولية حق قدرها”. وأضاف: “الصحبة علمتنا الثبات على المبدإ في حين أن غيرنا تميل بهم الريح حيث مالت، وعلمتنا الصدع بالحق رغم ما له من تبعات، وغيرنا لا يستطيع حتى التلميح إلى منبع الفساد ولا يمس مكمن الداء”.

ووجه الأستاذ عبادي الحاضرين إلى أن “عالم السياسة متغير لا ينجو من مزالقه إلا من حفته عناية الله، فاعتصموا بالله. طريقكم شاق ولكنه مربح”. كما وجه الأمين العام للجماعة الحاضرين إلى شكر الناس على النقد البناء، “فمن ينصحنا لا بد أن نشكره ونقدره وننصفه وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى”، وإلى التماس الأعذار لهم والتنويه بمزاياهم “ولا تبخسوا الناس أشياءهم”. وتناول الكلمة بعد ذلك ممثلو المؤسسات المركزية؛ عن الهيئة العامة للعمل النسائي والهيئة العامة للتربية والدعوة وأمانات الأقاليم، حيث أكبروا في نساء الدائرة ورجالها عملهم الدؤوب اصطفافا مع الشعب في الميدان، وبلورة للمواقف السياسية الصادقة من الأحداث، مشددين على تكامل وظائف مؤسسات الجماعة وتعاونها في مشروع التغيير الجامع، كما تم التأكيد على لب وجوهر مشروع العدل والإحسان وهو الإنسان، دون إغفال متطلبات التربية وما تقتضيها من جميع أعضاء الجماعة على تنوع مواقعهم ذكرا وصياما وحضورا في الجماعات وقياما بين يدي الله…

ثم التحق بعد ذلك بالمنصة أعضاء مجلس الإرشاد الأساتذة عبد الكريم العلمي، رئيس مجلس الشورى، ومحمد سعودي وعبد الهادي ابن الخيلية وعبد الله الشيباني، فتناول الكلمة الأستاذ العلمي ليحمد الله تعالى “على هذا العرس البهيج”، ودعا الله تعالى “أن يكلل أعماله بالنجاح والسداد”.

ثم أطلق العلمي عملية انتخاب الأمانة العامة للدائرة السياسية بالتذكير ببنود القانون المنظم للعملية، وإجراء العملية على مراحل جددت الثقة في الدكتور عبد الواحد متوكل رئيسا، وإعادة انتخاب عدد من أعضاء الولاية السابقة، وآخرين جددا، لتنتصب الأمانة العامة خمسة عشر عضوا ما بين إخوة وأخوات.

وتناول الكلمة عضو مجلس إرشاد الجماعة ورئيس دائرتها السياسية الدكتور عبد الواحد متوكل، فتحدث عن انتخابات 7 أكتوبر، التي “أثارت نقاشا واسعا وأسالت مدادا غزيرا قبل الانتخابات وبعدها”، وهو النقاش الذي اعتبر متوكل أنه “لم يدخل في صلب الموضوع، وهو أن النظام هو أم المشاكل وأبوها، وهو المعضلة التي إن لم تتم معالجتها لا يتم معالجة ما تتخبط فيه البلاد”. وتساءل: “لماذا يتفادى هذا النقاش الحديث عن الفساد والاستبداد رغم ما نتج عنه ولا يزال من مآس وأمراض؟ هل يعود ذلك إلى يأس في إمكانية تغيير النظام؟ أم إلى أمل في أن يقوم يوما ما من تلقاء نفسه بتلطيف تسلطه؟ أم أن تغييب نظام الحكم عن النقاش راجع إلى دوافع ذاتية كالحرص على امتيازات يُخشى فقدانها؟ أم إلى أسباب أخرى يتحرج من الإفصاح عنها…؟”.

وفي أجواء من الشعور بالمسؤولية، عرفت الجلسة الثالثة تقديم التقرير التنظيمي من قبل الأساتذة أبو الشتاء مساعف وعمر إحرشان والمصطفى الريق وعبد الصمد فتحي، فتناولوه في جوانبه الثلاثة: السير التنظيمي، وحصيلة المنجزات، وحصيلة تجديد المؤسسات.

وتطرق التقرير إلى المؤسسات التي يشملها التقرير، وإلى الاستنتاجات والتوصيات ثم خلص إلى خلاصات عامة، ليفتح الباب لمداخلات المشاركين في هذه الدورة لإبداء آرائهم وملاحظاتهم على التقرير.

بعدها خلد الأعضاء إلى قسط من الراحة، ليخفوا بعده سراعا من فرشهم للوضوء والاصطفاف قياما وذكرا ودعاء في ثلث الليل الآخر، لتنطلق بعد صلاة الصبح جلسة تربوية مفتوحة مع أعضاء مجلس الإرشاد، ركزت على مجموعة من الصوى الموجهة لسلوك الفاعل السياسي عضوا وللدائرة السياسية جماعة. وقد تم التذكير بأساس السلوك إلى الله والمسارعة والمسابقة في فعل الخيرات “ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين”، كما طُرحت مسألة التوازن في العمل ومفتاح المجموع الذي يلزم أن يحصله عضو وإطار العدل والإحسان من الخصال العشر صحبة وذكرا وصدقا وبذلا….، وتم التركيز على خلق التعامل بالحسنى مع الناس والمخالف وخلق الله أجمعين فـ”سيف المحبة أمضى سيف”، وجدد أعضاء مجلس الإرشاد التأكيد على المفهوم الجديد للسياسة والذي تجتهد الجماعة في حمله وتمثله وعرضه والقائم على التميز والزيال وعدم الاستسلام للظلم والباطل وطرح البدائل العملية وتجويد الأداء وتطوير الكفاءات.

افتتحت أشغال اليوم الثاني بجلسة خاصة عن التقرير السياسي، الذي ننشر لاحقا كاملا، أطرها الأساتذة حسن بناجح ومحمد منار ورشدي بويبري ومحمد سلمي والأستاذة أمان جرعود، مسلطا الضوء على الواقع المغربي والمحيط الإقليمي الدولي ومستشرفا الأفق المنظور.

وتوزع التقرير السياسي على محاور أربعة؛ الأول سياسي تطرق للمقاطعة الواسعة للانتخابات وأعاد التذكير بأصل المشكل “طبيعة النظام” وعرض الاختلالات الحقوقية والديبلوماسية، والثاني اجتماعي واقتصادي كشف بالأرقام مستويات التنمية والفقر والتعليم وواقع المرأة والشباب، والثالث دولي عنوانه الأساس تواطؤ للانقلاب على إرادة الشعوب، ليختم التقرير باستشراف للمستقبل مدخله الطريق الجماعي للتغيير.

وقد كان النقاش فعالات ومثمرا، أضاف من خلاله المتدخلون أفكارا ومعطيات، وعدلوا وصوبوا، وعرضوا الرؤى التفصيلية التي تتبلور بالدقة المطلوبة في مؤسساتهم التخصصية في الكثير من القضايا، وهو النقاش الذي أنتج في مجمله أفكارا ومقترحات لاقت الاستحسان والإقرار والإلحاق بالتقرير.

ثم كان المجلس على موعد مع جلسة جديدة خصصت لعرض ونقاش والتصديق على البرنامج السنوي، وهو البرنامج الذي غطى مساحة اشتغال الدائرة السياسية ومجالاتها وقطاعاتها، واستحضر تخصصاتها واختصاصاتها، وأوضح المسؤوليات والتقاطعات، وهي الجلسة التي أدارها الأساتذة مصطفى سنكي ورشدي بويبري وأبو الشتاء مساعيف.

بعدها وصل “مقدس 20” إلى جلسته الختامية؛ إذ شكر رئيس الدائرة السياسية الدكتور عبد الواحد متوكل، أعضاء المؤسسة على تجديد الثقة وحسن الظن، مؤكدا على أن مجال العمل شاسع ويحتاج لتعاون كل الجهود والمؤسسات والطاقات، داعيا مختلف الكفاءات للإسهام في العمل والاجتهاد والبذل والعطاء، مؤكدا على أنها تجارة مع الله، وفرصة للاغتنام.

من جانبه عبر الأستاذ فتح الله أرسلان نائب الأمين العالم للجماعة عن فرحه بالأجواء التي مر فيها مقدس 20، الذي طبعته الربانية وروح الأخوة الصادقة من جهة والجدية والمسؤولية والجودة في الاقتراحات والنقاشات من جهة ثانية، مشيرا إلى أن ذات الأجواء ميزت باقي المؤسسات التي حضرها وعقدت مجالسها القطرية في الآونة الأخيرة (الهيئة العامة للعمل النسائي، والهيئة العامة للتربية والدعوة).

ليختتم المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان في أجواء من الارتياح لسير ونتائج ومخرجات الدورة.