نظم المشرِّع المغربي في الباب الخامس من الكتاب السادس من قانون المسطرة الجنائية كيفية تنفيذ العقوبات المالية والإكراه البدني، وعهد في هذا الباب إلى المصالح المكلفة بالمالية ومصالح كتابات الضبط بمحاكم الاستئناف والمحاكم أمر استيفاء المصاريف القضائية والغرامات، وأجاز المشرَّع تطبيق مسطرة الإكراه البدني في حالة عدم تنفيذ الأحكام الصادرة بالغرامة ورد ما يلزم رده والتعويضات والمصاريف، وهو ما يجعل من مسطرة الإكراه البدني وسيلة إجبار تنفيذا لحكم أو سند تنفيذي عن طريق إيداع المُكرَه في السجن لمدة معينة.

وبالنظر لخطورة هذه الوسيلة وكونها استثناء من قاعدة أن الشخص يلزَم في ماله لا في شخصه، فإن المشرع قد وازن نظريا بين حق الدولة في اقتضاء حقوقها وحق الفرد في حريته وكرامته، وذلك بترجيح هذه الأخيرة مراعاة للمصالح الأجدر بالحماية لتحقيق عدالة هذا النظام.

إلا أن الواقع العملي بشأن تطبيق مسطرة الإكراه البدني في استيفاء مبالغ الغرامات والمصاريف التي يحكم بها على نشطاء جماعة العدل والإحسان يشهد صراحة على حياد عملية تطبيق الإكراه البدني عن نصوص القانون رغم أن الجهة الساهرة على التطبيق تعتبر جهة قضائية يفترض فيها نظريا الانتماء إلى سلطة دستورية تتمتع باستقلاليتها عن باقي أجهزة الدولة الأمنية الغارقة في إهدار الحقوق الدستورية لخصومها السياسيين.

ولعل من أهم الاختلالات التي نرصدها كرجال قانون في خرق عملية تطبيق الإكراه البدني لضوابط قانونية صريحة ما يلي:

1- عيب المخالفة لمقتضيات المادة 636 من قانون المسطرة الجنائية:

إن جنحتي عقد اجتماع عمومي بدون تصريح وكذا الانتماء إلى جمعية غير مصرح بها تعتبران من ضمن الجرائم السياسية باعتبار النص عليها ضمن قانون ينتمي إلى أحد قوانين الحريات العامة، وأنه بالرجوع إلى المادة 636 من قانون المسطرة الجنائية نجد أن المشرع قد نص صراحة على استثناء هذا النوع من الجرائم من الحكم بالإكراه البدني أو تطبيقه عندما أورد بصيغة لا تقبل التأويل: غير أنه لا يمكن الحكم بالإكراه البدني أو تطبيقه):

1- في الجرائم السياسية؛) وحيث إنه بالنظر لكون الغرامة موضوع الإكراه البدني إنما تتعلق بنوع من الجرائم استثناها المشرع صراحة من التدبير المذكور، فإن إيداع أعضاء جماعة العدل والإحسان بالمؤسسة السجنية في غياب المسوّغ القانوني يعتبر بمثابة “جريمة الاعتقال التحكمي” التي يحتفظ المودعون بحقهم في سلوك المساطر القانونية قصد متابعة كل الأشخاص المتورطين في سلب حريتهم ضدا على كل الضمانات الدستورية التي تحمي حريتهم من كل تدبير تعسفي ولو كان هذا التعسف مغلفا بلبوس قانونية.

2- عيب المخالفة لمقتضيات المادتين 2 و 77 من مدونة تحصيل الديون العمومية:

حيث نص المشرع في النبذة 6 من المادة 2 من مدونة تحصيل الديون العمومية على أنه: تعتبر ديونا عمومية بمقتضى هذا القانون):

الغرامات والإدانات النقدية؛).

وأوضحت المادة 77 من ذات القانون الحالات المستثناة من تطبيق الاكراه البدني عندما نصت على أنه: لا يمكن اللجوء إلى الإكراه البدني في ما يخص تحصيل الضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى في الحالات الآتية):

– إذا كان مجموع المبالغ المستحقة يقل عن ثمانية آلاف درهم (8.000))؛

– إذا كان سن المدين يقل عن 20 سنة أو بلغ 60 سنة فما فوق)؛

– إذا ثبت عسر المدين طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 57 أعلاه)؛

– إذا كان المدين امرأة حاملا)؛

– إذا كان المدين مرضعة، وذلك في حدود سنتين ابتداء من تاريخ الولادة).

وأنه بالرجوع إلى مبلغ الغرامات المحكوم بها في كلتا الجنحتين – عقد اجتماع عمومي بدون تصريح وكذا الانتماء إلى جمعية غير مصرح بها- نجد أنه في حده الأقصى لا يتعدى 5.000 درهم وهو مبلغ دون المقدار المتعين تطبيق الإكراه البدني بشأنه، وهو ما يوضح بجلاء حجم الانتكاسة القضائية في عملية تطبيق تدابير استثنائية ماسة بحريات الأفراد.

خلاصة

اعتبارا للممارسات الشاردة عن نصوص القانون عند تطبيق مسطرة الإكراه البدني وما يستتبعه ذلك من مس بحريات الأفراد المحمية بنصوص جنائية من قبيل الفصل 225 وما بعده، نعتقد أن النيابة العامة مدعوة إلى تقديم مراجعة نقدية لأدائها في هذا الباب باعتبار وقوع أفرادها في المحظور القانوني المتمثل في ارتكاب جريمة “الاعتقال التحكمي”.

الأستاذ محمد قطاية / محام بهيأة الرباط