أسفر تقديم السيد خالد الخالدي، عضو جماعة العدل والإحسان، يوم 22/11/2016، أمام السيد وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بوزان عن اعتقاله تطبيقا لمسطرة الإكراه البدني المحكوم به بمقتضى القرار الاستئنافي الصادر عن محكمة الاستئناف بالقنيطرة سنة 2014، القاضي بإلغاء الحكم الابتدائي القاضي بالبراءة وبعد التصدي مؤاخذة الظنين من أجل تهم الانتماء إلى جماعة غير مصرح بها (جماعة العدل والإحسان)) والتجمع غير المرخص له).

وحيث إن تطبيق مسطرة الإكراه البدني في هذا الملف تستوجب الملاحظات الآتية:

1. فيما يتعلق بعدم جواز تطبيق المسطرة لعدم كفاية المبلغ

حيث نظم المشرع المغربي إجراءات ومساطر تنفيذ المقررات القضائية ضمن الكتاب السادس من القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية المعنون بـ: تنفيذ المقررات القضائية والسجل العدلي ورد الاعتبار) وأفرد لها القسم الأول من هذه الكتاب تحت عنوان تنفيذ المقررات القضائية).

وحيث ضم هذا القسم ستة أبواب هي:

الباب الأول: أحكام عامة.

الباب الثاني: تنفيذ عقوبة الإعدام.

الباب الثالث: تنفيذ الاعتقال الاحتياطي والعقوبات السالبة للحرية.

الباب الرابع: الإفراج المقيد بشروط.

الباب الخامس: تنفيذ العقوبات المالية والإكراه البدني.

الباب السادس: تقادم العقوبات.

ولأنه كانت هذه المقتضيات تعلو على باقي النصوص التي قد تخالفها في كل ما يتعلق بتنفيذ المقررات القضائية، فإنه بالنسبة لتنفيذ العقوبات المالية والإكراه البدني على وجه التحديد فإن مقتضيات قانون المسطرة الجنائية تتزاحم في هذا المجال مع نص قانوني آخر، نظم من خلاله المشرع إجراءات ومساطر تحصيل الديون العمومية، ويتعلق الأمر بالقانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية، الذي اهتم أيضا بتطبيق مسطرة الإكراه البدني تحصيلا لدين عمومي وأفرد له الفرع السادس من الباب الثالث من القسم الثاني تحت عنوان الإكراه البدني).

وحيث إن هذا التزاحم، يؤول حتما إلى تنفيذ مقتضيات النص الخاص، أي مدونة تحصيل الديون العمومية على حساب قانون المسطرة الجنائية على اعتبار أن الغرامات هي بطبيعتها دين عمومي وجب تحصيلها وفق ما سطره المشرع في هذا النص الخاص، تطبيقا لمبدإ النص الخاص يقيد النص العام)، والذي كرسه المشرع المغربي بمقتضى المادة 6 من الدستور المغربي التي تنص على أنه: تعتبر دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها ووجوب نشرها مبادئ ملزمة).

وحيث إن هذا ما أشارت إليه المواد الواردة ضمن الباب الخامس المذكور من قانون المسطرة الجنائية تنفيذ العقوبات المالية والإكراه البدني) بالإحالة الصريحة تارة، الواردة ضمن المادة 633 من ق.م.ج، التي أحالت على مقتضيات القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية، وبالتلميح تارة أخرى، الوارد ضمن مواد هذا الباب، بالتنصيص على كونها تطبق فقط … ما لم ينص على خلاف ذلك في قوانين خاصة) كما وردت هذه العبارة ضمن المادتين 633 و638 من ق.م.ج.

وحيث إنه متى استقر عندنا أن النص واجب التطبيق في هذا الباب والأولى بالإعمال في حالة الاختلاف، هو القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية، فإنه جدير بالتذكير في هذا المقام أن المادة 77 من هذا القانون تنص صراحة على أنه:

لا يمكن اللجوء إلى الإكراه البدني في ما يخص تحصيل الضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى في الحالات الآتية:)

إذا كان مجموع المبالغ المستحقة يقل عن ثمانية آلاف درھم (8.000)؛)

إذا كان …).

وحيث إنه بالرجوع إلى ملف النازلة فإن السيد خالد الخالدي حكم عليه بأداء غرامة بمبلغ : 3.200 درهم فقط.

الشيء الذي يتضح معه جليا أن اعتقال السيد خالد الخالي وتطبيق مسطرة الإكراه البدني في حقه تم خارج القانون.

2. فيما يتعلق بعدم جواز تطبيق مسطرة الإكراه البدني على الجرائم السياسية

حيث إن مواد المسطرة الجنائية نفسها، وخاصة المادة 636 تنص صراحة على أنه:

غير أنه لا يمكن الحكم بالإكراه البدني أو تطبيقه:)

1- في الجرائم السياسية؛)

2- …).

وحيث إن حرص المشرع هنا على استثناء الجرائم السياسية من تطبيق مسطرة الإكراه البدني جعله يتدخل لمنع تطبيقه حتى ولو حكمت به المحكمة حيث أشار الفصل صراحة إلى أنه لا يمكن الحكم به … أو تطبيقه).

وحيث إنه بالرجوع إلى ملف النازلة فإن السيد خالد الخالدي حوكم وأدين من أجل الانتماء إلى جمعية غير مصرح بها وعقد تجمع غير مرخص له).

وحيث إن الأمر هنا يتعلق باجتماع لجماعة العدل والإحسان والانتماء إليها.

وحيث إن جماعة العدل والإحسان جمعية مؤسسة في إطار ظهير 1958.

وحيث إن قانونها الأساسي المصرح به لدى السلطات المختصة، ينص صراحة في الفصل الثاني على أنها جمعية ذات صبغة سياسية، وأن الهدف السياسي يتشكل عندها في:

…)

1- توعية المنخرطين خاصة وأفراد الشعب عامة بحقوقهم السياسية وإشعارهم بواجباتهم المختلفة طبقا لما ينص عليه دستور البلاد نصا وروحا.)

2- تحديد الموقف السياسي الذي تتخذه الجمعية في القضايا الوطنية والدولية التي لها مساس بالسير العام لسياسة البلاد.)

3- …).

وحيث إن المقام لا يتسع للتفصيل فيما لعبته هذه الجمعية وتلعبه حاليا في المجال السياسي المغربي، حتى صارت حديث الخاص والعام، شهد لها بذلك العدو قبل الصديق.

وحيث إن محاكمة السيد خالد الخالدي من أجل انتمائه لجماعة العدل والإحسان وعقد اجتماع لمنخرطيها هي محاكمة سياسية بامتياز.

الشيء الذي يجعل اعتقال السيد خالد الخالي وتطبيق مسطرة الإكراه البدني في حقه هنا أيضا يتسم بالتعسف والخرق الواضح للمادة 636 من قانون المسطرة الجنائية.

3. فيما يتعلق بعدم استنفاذ إجراءات التنفيذ

حيث تجدر الإشارة أخيرا إلى أن تطبيق مسطرة الإكراه البدني ليس إجراء تنفيذيا عاديا بل هو إجراء استثنائي، جعل المشرع المغربي اللجوء إليه مقيدا بعدة شروط، نص عليها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ضمن القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية، الذي اهتم بتطبيق مسطرة الإكراه البدني تحصيلا لدين عمومي وأفرد له الفرع السادس من الباب الثالث من القسم الثاني تحت عنوان الإكراه البدني)، كما نص عليها أيضا ضمن الباب الخامس من القسم الأول من الكتاب السادس من القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية المعنون بـ: تنفيذ العقوبات المالية والإكراه البدني).

وحيث إن المادة 76 من القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية تنص على أنه:

إذا لم تؤد طرق التنفيذ على أموال المدين إلى نتيجة، يمكن أن يتابع التحصيل الجبري للضرائب والرسوم والديون العمومية الأخرى بواسطة الإكراه البدني).

وحيث إن الفقرة الثانية من نفس المادة تضيف أنه:

يتم اللجوء إلى الإكراه البدني مع مراعاة أحكام المادتين 77 و 78 أدناه، ضد:)

المدينين الذين يثبت عسرھم وفق الشروط المحددة في المادة 57 أعلاه؛)

المدينين…).

وحيث إن اللجوء إلى مسطرة الإكراه البدني إذا، كما تنص على ذلك صراحة المادة 76 المذكورة، مقيد باستنفاذ جميع مساطر التنفيذ في حق المحكوم عليه، دون تحقيق نتيجة.

وحيث إن هذا ما أكدته مواد قانون المسطرة الجنائية بدورها حيث نصت المادة 635 من ق.م.ج على أنه:

يمكن تطبيق مسطرة الإكراه البدني في حالة عدم تنفيذ الأحكام الصادرة بالغرامة ورد ما يلزم رده والتعويضات والمصاريف، إذا تبين أن الإجراءات الرامية إلى الحصول على الأموال المنصوص عليها في المادة السابقة بقيت بدون جدوى أو أن نتائجها غير كافية).

وحيث نصت المادة 640 من ق.م.ج بدورها على أنه:

لا يمكن تطبيق الإكراه البدني، في جميع الأحوال ولو نص عليه مقرر قضائي، إلا بعد موافقة قاضي تطبيق العقوبات الذي يتحقق من توفر الشروط الآتية بعد توصله بالملف من وكيل الملك):

1- …)؛

2- …)؛

3- الإدلاء بما يثبت عدم إمكانية التنفيذ على أموال المدين).

وحيث إنه بالرجوع إلى نازلة الحال، فإن الملف خال مما يفيد استنفاذ جميع مساطر التنفيذ في مواجهة السيد خالد الخالدي، كما أنه خال مما يفيد مباشرة إجراءات الحجز والإشعار، مع العلم أن السيد خالد الخالدي أستاذ في السلك الثاني.

فهل هو استهتار بالمالية العمومية، أم أنه استهداف للشخص وتصفية حساب.

وأيا كان الجواب، فان الأمر صار واضحا بكون تطبيق مسطرة الإكراه البدني في حق السيد خالد الخالدي تم خارج نصوص القانون، واتسم بالشطط وانعدام المشروعية، في دولة تدعي أنها دولة الحق والقانون.

فلا حقوق المواطنين احترمت ولا قوانين الدولة روعيت.

وإلى أن يستفيق النائمون من المسؤولين، وإلى أن ينتبه الغافلون منهم ويعود إلى الوطن الغائبون، نتمنى للسيد خالد الخالدي مقاما طيبا في مكان أراد له المشرع أن يكون مكان إصلاح للفاسدين من المواطنين، وأراد له الساهرون على تنفيذ القانون أن يكون مكان إفساد للصالحين منهم.

الأستاذ الحسن السني/محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء