مرض الزوج مرضا استعصى معه العلاج، فطلب تقاعدا مرضيا، أبقى له نصف الراتب، والتحق بالأبناء، وبقيت الزوجة مصرة على إكمال المسير، حبا في مهنة التنوير والمتاعب، وطمعا في الحصول على معاش كامل يضمن حياة سعيدة، بعد سداد ما تبقى من أقساط ما يسمونه قبر الحياة.

كان القرار صعبا ومصيريا، وكان الفراق أليما، انضاف إلى جملة المتاعب التي تنوء بحملها الجبال. ثم بدأت تعتاد شيئا فشيئا على الوحدة، مستأنسة بمذياع لا تغلقه إلا عند النوم، منتظرة نهاية الأسبوع بفارغ الصبر كي تلتقي الأحباب وتقضي معهم سويعات تمر كالبرق، ثم تستأنف رحلة المعاناة من جديد، شغب التلاميذ وعدم انضباطهم وجديتهم، رتابة المقرر، كثرة الجذاذات والكراريس، عنف الرؤساء وشدتهم، حدة طبع الآباء وغلظتهم، مرارة العيش وقسوته…

أنهت واجباتها المنزلية، واستعدت لنومة هادئة تنسي ألم الدهر، لكن خبرا على المذياع لفت انتباهها وسلب النوم من أجفانها، أطرقت السمع باهتمام، ثم صرخت بملء حنجرتها: رفع سن التقاعد! اقتطاع من الراتب! تخفيض نسبة المعاش! أإصلاح هذا؟ أم جريمة نهب وسرقة مع سبق الإصرار والترصد؟!

أخذت الهاتف وكلمت زوجها على الفور لتستيقن من الخبر، فطمأنها بأن المشروع لن يكون سهل التمرير، وأن المجتمع لن يقف مكتوف الأيدي، لكنه عاتبها بأن لم تقبل نصيحته فتطلب تقاعدا نسبيا وتتفرغ لنفسها وللأسرة.

أصبح “الإصلاح” شغلها الشاغل، تتابع البرامج، وتستقصي الأخبار بكل اهتمام، تحزن لإصرار المدافعين عنه، وتفرح لكل من يتصدى له، آملة أن ينقشع الضباب، وينفرج الهم، مستبشرة بآراء زميلها المتدين، الذي كان كثيرا ما يذكرها بأن العبد لا يقرر حتى يقضي الله بحكمه، وأن القضية مجرد فرقعة إعلامية يراد بها التغطية على الفشل الذي مس كل القطاعات، وأنه ليس من الحكمة التضحية بسمعة حزب وشعبيته، وهو مقبل على انتخابات مصيرية.

تحمست للنضال وساهمت في كل الأشكال الاحتجاجية رفضا للمشروع، لكن الرياح جرت بغير ما تشتهيه السفن، وتم تمرير “الإصلاح”، فأصيبت بخيبة كبيرة، وانتابتها كآبة لم تحس بمثلها قط، وصبت جام غضبها على المقترح والمنفذ والمتواطئ.

في بداية الموسم الجديد، تفاجأت بنبإ الخصاص المهول في الأطر، بسبب كثرة الفارين إلى التقاعد النسبي، خوفا من نار الإصلاح المزعوم، وإصرار المسؤولين على عدم توظيف آخرين بدلهم، وبعزم الإدارة على سن إصلاح آخر لا يقل فداحة عن الأول: دمج المستويات، اكتظاظ، إعادة انتشار… وكان نصيبها الانتقال إلى فرعية لا تتوفر على أدنى شروط للعمل، وتدريس أربع مستويات مشتركة!

لم تتمالك نفسها، وأصيبت بانهيار وإغماء، لم تستفق منه إلا وهي على سرير المستشفى، والزوج يرمقها بنظرات كلها حنان وإشفاق. نظرت إليه مليا وعبرات تنسكب على خدها متثاقلة، ثم أخذت تتمتم: على خطاك يا حبيب.