احتضن المغرب مؤتمر الأطراف (COP22) لتفعيل توصيات قمة باريس لتطويق خطر التغيرات المناخية وما يعرف بالاحتباس الحراري؛ احتضان يكتسب “شرعيته” من ادعاء الدولة المغربية انخراطها في مخطط الطاقات النظيفة ومشاريع تنموية صديقة للبيئة: مشروع إنتاج الكهرباء اعتمادا على الطاقة الشمسية نموذجا.

وقد شكلت قمة المناخ فرصة لمساءلة الدول، التي تدعي انخراطها في المحافظة على البيئة، عن مدى التزامها بالحفاظ على المؤهلات الإيكولوجية واحترامها لحقوق الشعوب البيئية، مساءلة تفضي من خلال استقراء الواقع إلى مساءلة أصحاب القرار في هذه الدول على إتلاف الحرث والنسل من خلال استنزاف الثروات البيئية وتسميم أجواء مناطق شتى بما تفرزه مشاريع شبه خاصة من سموم تصل أحيانا إلى درجة تهديد وجود الإنسان والحيوان.

ولتقريب الصورة نقف عند بعض الأمثلة الفاضحة لتناقض الخطابات الرسمية وسلوك الدول في المجال البيئي:

– إتلاف غابة الأمازون، بالاستهلاك المفرط والتدمير الممنهج للرصيد المشترك بين جميع ساكنة الأرض؛

– غض الطرف عن تحويل دول العالم الثالث إلى مزبلة للتخلص من النفايات الخطيرة كالنفايات النووية وبقايا الزئبق وغيرها؛

– استمرار الدعم اللامشروط لقطاعات معروفة بتلويثها للأوساط البيئية، نموذج قطاع الطيران والملاحة البحرية.

والمغرب لا يشكل استثناء في هذا المجال. وخير دليل على ذلك:

* إتلاف عشرات الآلاف من الهكتارات في غابة “المعمورة” لإقامة وحدات صناعية وسكنية، والحال أن إمكانية إقامتها في مواقع أخرى دون تهديد الرصيد الغابوي ممكنة.

* إطلاق يد لوبيات تجارة الخشب لإتلاف شجر الغابات بتواطؤ مع السلطات في كثير من المناطق.

* تسميم المكتب الشريف للفوسفاط للمجال البيئي لمدينة أسفي برا وبحرا وجوا، وجعله بعيدا عن أية مساءلة أو محاسبة.

* استنزاف الفرشة المائية وخرق القوانين المنظمة لاستغلال المياه الجوفية من طرف كبار الإقطاعيين والأعيان المحصنين من طرف المخزن في عدة مناطق: منطقة تارودانت مثالا.

* جعل المغرب مطرحا للنفايات الأوربية من خلال صفقات مشبوهة: نفايات “الطليان” نموذجا، وما تشكله من خطر مضاعف نتيجة غياب آليات المعالجة.

* عشوائية تدبير مطارح النفايات في جل المدن المغربية والتخلص من المياه العادمة برميها في البحر بدون معالجة (الدار البيضاء والمحمدية وأسفي)، حيث أضحت صحة المواطن مهددة بشكل مباشر.

إن إشكالية التغيرات المناخية وما يترتب عنها من أخطار تهدد السلم العالمي في بعده العام تتطلب إرادة صادقة وجهودا جماعية على مستوى الشعوب، كل الشعوب لبناء منظومة قوانين تحمي أسباب الحياة وتؤسس لتعاون حقيقي يقلص الفوارق ويستأصل عوامل الفقر والاستغلال؛ منظومة تروم تنزيل مشروع العمران الأخوي على الأرض والتوزيع والاستغلال العادلين للمقدرات والثروات.

إن إشكالية التغيرات المناخية تجسد انحرافا في السلوك والعلاقة مع المحيط القائمة على نظرة “الصراع” أسست لها فلسفة “قهر الطبيعة” والتي ظهر قصورها.

فهل يا ترى، نملك جميعا اليوم القدرة على مراجعة سلوكنا وتصحيح علاقتنا مع محيطنا البيئي؟ هل نملك اليوم القدرة على مراجعة اختياراتنا ومخططاتنا الصناعية والزراعية لتكون صديقة للبيئة محترمة للحق في حياة لا تتهددها المخاطر البيئية والنووية والكيماوية؟

إن ما يتهدد البشرية اليوم من مخاطر نتيجة طبيعية لاختياراتنا المتهورة وسلوكنا غير المتزن وغياب القيادة الراشدة لتدبير شؤون الناس. وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (سورة الروم: 40).