تزينت مراكش الحمراء بألوان الطيف احتفاء بضيوف مؤتمر الأطراف COP22، الذي انعقد من 7 إلى 18 نونبر 2016.

ضيوف حلوا من كل بقاع العالم، هبوا لمدينة مراكش قصد مدارسة قضايا المناخ. وأهم هذه القضايا ظاهرة الاحتباس الحراري، والتي تتجلى في ارتفاع درجة حرارة الأرض بسبب انبعاث الغازات الدافئة، خاصة ثنائي أكسيد الكربون. هذا الغاز يطرح في الغلاف الجوي بسبب ترَف الإنسان. الكل أصبح يعرف السبب والمتسبب في خطر يهدد كوكب الأرض وساكنتها.

حجَّت نُخب علمية وسياسية واقتصادية إلى “قرية إغلي” للتعبير عن الخطر الذي يهدد الإنسان وكوكب الأرض، منهم خبراء المناخ جاؤوا ليدلوا بمعارفهم ويكشفوا نتائج بحوثهم لمن يلوث الأرض ويعيث فيها فسادا وينهب ثرواتها الطبيعية التي هي في ملك كل مخلوقاتها. بل جاؤوا لرسم خطة عمل لتنفيذ الاتفاق الذي تم تبَنِّيه في “دورة 2015 بباريس” لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري. هذا الاتفاق يرمي إلى تثبيت الاحترار العالمي دون درجتين مئويتين بالمقارنة مع ما كانت عليه حرارة الكوكب ما قبل الثورة الصناعية.

هدف استراتيجي مهم، نجاحه يتوقف على درجة مشاركة وجدية الأطراف في تنفيذ مقرراته. من أجل ذلك جعلت “قرية إغلي” بمدينة مراكش نقطة اجتماع أصحاب القرارات السياسية من دول الشمال والجنوب، وممثلي المجتمعات المدنية العالمية والإقليمية والمحلية، لكون مشاكل المناخ ترتبط بالأفراد والجماعات والسياسات التدبيرية لثروات الأرض.

على مستوى “الميكرو-إيكوسيستيم”

في المنطقة الخضراء، اجتمع ممثلو المجتمع المدني والمؤسسات التربوية والنقابات… كل يشخص الأزمة البيئية بطريقته، كما يقدم مقترحاته من زاوية نظره، قُدمت في أروقة العروض والمعارض والحلقيات “أكورا”.

انخرطت هذه المؤسسات والمنظمات غير الحكومية في أغلب البلدان في برامج بيئية نوعية، حيث تنظم حملات تحسيسية في المؤسسات التعليمية لفائدة المتعلمين ليكتسبوا سلوكا بيئيا مسؤولا في إطار الأندية البيئية، وتسطر برامج تحسيسية وتربوية من أجل إدماج الشباب في مشاريع بيئية في الفضاءات التعليمية والتربوية، كما تنظم الاحتجاجات على هشاشة النظم الاقتصادية والفجوات العميقة بين الشعوب في الأمن الغذائي…

لكن حركة المجتمع المدني رغم تنوعها ومشاركة المؤسسات التربوية والتعليمية، يبقى أثرها محدودا وفعاليتها منقوصة، لانفصال مشاريع أنساقها عن السياسة البيئية العالمية، وكذلك للفجوة العميقة بين القرار السياسي والقرار التربوي ولاستمرار عقلية هيمنة أصحاب القرار على أصحاب التنفيذ.

فاقتصاد الدول الصناعية، في المنظومة العالمية المعاصرة، ركيزته المنتوجات الصناعية الضخمة الملوثة لجميع أصناف الأوساط البيئية وفي كل مستوياتها.

نظام عالمي معاصر، أسست ركائزه على المنفعة الخاصة من خلال استحواذ قطب على الثروات الطبيعية للقطب الآخر (النفط، الماء…) والاستبداد السياسي بتجويع دول ضعيفة تصبح في خدمة الدول القوية. واقع أفرز دول شمال ودول جنوب، ودولا نامية وأخرى غير نامية، وشعوبا متحضرة وأخرى متخلفة، ومناطق تنعم في أمن غذائي وأخرى ينخرها الفقر والجوع والأوبئة.

كيف يمكن لهذا التوحش الاقتصادي الذي به تدار دواليب الحكم في العالم، أن يستحضر البعد البيئي؟

كيف يمكن لدول الشمال التي يستهلك إنسانها تسعة أعشار من الثروة المائية، أن تتهمم لدول الجنوب الذي يستهلك إنسانها العشر المتبقي – وهو رقم مرشح للانخفاض -؟

كيف لدول الغرب أن تستغني على الثروات الطبيعية لدول الشرق، وهي تنهب ثرواته النفطية ومقدراته الطبيعية؟

كيف يمكن أن يحقق العالم أمنا غذائيا وسلما عالميا وإسرائيل تبيد منطقة الشرق الأوسط الكبير بإبادة شعب فلسطين وحرق أرضه ونهب ثرواته، كما توزع الأدوار بين المعسكر الشرقي والغربي بسن شريعة “الأراضي المحروقة” من خلال حروب طائفية هنا وتزرع بذور إرهاب هناك… حتى أصبحنا نعيش ترهيبا وجوديا حقيقيا؟

على المستوى “الماكرو-إيكوسيستيم”

أمام هذه الأسئلة المعقدة والتي لم تجد لها أجوبة واضحة، يبقى انخراط أصحاب القرار السياسي محتشما ولا يرقى إلى ما يجب فعله لما يهدد كوكب الأرض من مخاطر حقيقية تهدد التوازنات البيئية في جميع مستوياتها.

الوضع العالمي المعاصر الذي تسيطر عليه عقلية الهيمنة السياسية بتسخير آلة الاقتصاد، جعل الدول العظمى لا تلتزم ببنود الاتفاقيات الأممية التي تقنن الصناعات الكيماوية التي تطرح بإفراط الغازات الدافئة في الهواء وتطرح المعادن الثقيلة في البحار والتربة، وتسعى بكل توحش لامتلاك الصناعات النووية التي تطرح إشعاعاتها الخطيرة وتصدر نفاياتها في صحاري إفريقيا، كما أن دول الجنوب تعرف اضطرابا خطيرا في تدبير نفاياتها وإعادة تدويرها، وإتلاف ثروتها المائية والغابوية وما يترتب عليه ذلك من انتشار أمراض خطيرة تصيب الإنسان كانتشار السرطانات الجلدية والالتهابات وأمراض الحساسية، كما أن الملوثات تنتشر عبر الحلقات الغذائية من النباتات إلى الحيوانات ثم إلى الإنسان.

فأي أجرأة تم تخطيطها على المدى القريب والمتوسط والبعيد لحماية الإنسان والأرض؟

هذا ما عرفته مدينة مراكش طيلة 12 يوما، من خطابات وتعبيرات وتصريحات والتزامات وتعهدات لحماية الإنسان من ترفه، والحفاظ على الكوكب الأزرق وتوازنه.

إعلان مؤتمر مراكش للمناخ كوب 22

أمام هذا الوضع العالمي غير المتوازن، يمكن أن نلامس ضبابية وعمومية “إعلان مراكش”. حيث إن المؤتمرين لم يستطيعوا تحديد أجندة دقيقة للأطراف المانحة لفائدة المناطق المتضررة من العالم، وبقيت بنود إعلان مؤتمر مراكش للمناخ كوب 22 تسويفا نحو مرحلة جديدة من التنفيذ والعمل من أجل المناخ والتنمية المستدامة)، وتأكيدا على ضرورة اتخاذ تدابير آنية لمواجهته)، وترحيبا باتفاق باريس وعزما على التنزيل الكامل لهذا الاتفاق) ودعما لـخطة التنمية المستدامة لعام 2030 وأهدافها)، ودعوة إلى:

1. التزام سياسي على أعلى مستوى لمواجهة التغير المناخي.

2. تضامن أكبر مع الدول الأكثر عرضة لآثار التغير المناخي.

3. تعزيز جهود القضاء على الفقر وضمان الأمن الغذائي واتخاذ إجراءات صارمة لمواجهة التحديات التي يطرحها التغير المناخي على الفلاحة.

4. الرفع من حجم وتدفق وولوج التمويل الخاص بالمشاريع المناخية بالإضافة إلى تعزيز القدرات والتكنولوجيا بما في ذلك نقلها من الدول المتقدمة إلى الدول النامية.

5. المزيد من العمل المناخي ودعم، قبل حلول 2020، مع الأخذ في عين الاعتبار الاحتياجات والظروف الخاصة للدول النامية، والدول الأقل نموا خاصة تلك الأكثر عرضة للآثار الكارثية للتغير المناخي.

وبعد،

إن المدينة الحمراء سجلت في المنطقة الزرقاء والخضراء بقرية إغلي – التي تحدها أسوار المدينة العتيقة وأضرحتها، وصومعة الكتبية ورجالها وجبال الأطلس المطلة وقممها – على أن الأرض ومن عليها من نبات وحيوان وبشر تعيش خللا في توازناتها الطبيعية تنذر بطوفان بحارها على أراضيها. كل ذلك سببه ظلم الإنسان لنفسه وترفه وفساده.