هل تجري أحداث التاريخ على دروب الحتمية السببية وهل للإنسان يد في تغيير مجرى التاريخ؟ إن الماركسية، وهي أكثر الفلسفات الجاهلية تماسكا في منطقها الداخلي، تعرض التاريخ وكأنه ضغط على الإنسان وحتمية خارجة عن إرادته. وتستفيد الفلسفة الماركسية من الدراسات المجتمعية ومن تصرف الجماهير على مدى التاريخ البشري لتطرح لنا صورة عن الإنسان الفرد المندمج في نسيج اجتماعي يتحرك ويتغير حركة اجتماعية وتغيرا اجتماعيا تحت سلطان ماهيات كثيفة اسمها علاقات الإنتاج. وهذه العلاقات مخلوقة تسعى وتتلون حسب تطور القوى الإنتاجية وبتلون أسلوب الإنتاج.

وبهذه النظرة، فالعالم الخارجي بما يضعه رهن إشارة الإنسان من موارد وبما يرثه الإنسان عن الأجيال السابقة من أدوات عمل ومن تكنولوجيا، هو المتحكم المطلق في مصير المجتمعات. وتعاون الناس إنما يتم حسب تطور التنظيم المجتمعي القائم على أسلوب الإنتاج، وكلما اكتشف الإنسان أسلوبا جديدا للإنتاج تغير تنظيم مجتمعه، وتغيرت بذلك أشكال تعاون الناس وسط المجتمع.

الإنسان في كل هذا موضوع ينفعل مع عوامل التغير، فهو مفعول به وهو مرآة للعالم الخارجي. وتلخص الشيوعية قانون التغيير هكذا: “ليس وجدان البشر هو ما يحدد كيانهم، بل على العكس، كيانهم الاجتماعي هو ما يحدد وجدانهم” وتجري أحداث التاريخ مترددة بين طرفين (دياليكتيكيين) ماديين هما النقيضان الطبقيان المجتمعيان السائران في مجرى حتمية الصيرورة الاجتماعية.

الإنسان الفرد بهذه النظرة نواة اجتماعية، والمجتمع أيضا نواة اجتماعية مصيرة غير صائرة وإن كانت هي تصنع نفسها بنفسها، وتكرر حياتها بنشاط الإنتاج. تقول الجدلية الماركسية إن الإنسان ذات وموضوع معا، فهو الفاعل وهو المفعول، لكن خصائصه كفاعل منوطة بموضوعيته ككم مصير يتحكم في التطور التاريخي الطبقي.

تابع تتمة مقال الإمام عبد السلام ياسين على موقع ياسين نت