15 صفر 2011؛ يوم رحيل الأستاذ أحمد الملاخ رحمه الله.

ست سنوات مرت على فراق رجل من رجال الله. كان مدرسة في البذل والعطاء وعنوان الصحبة والجماعة. أيام وليال مضت على فراق الأجساد، والقلب يعتصر أسى على هذا البعاد، لكن كلِمه الطيب بقي بصمة بارزة في ذاكرتي وذاكرة من تربى على يده وغرف من معينه وسمع قوله وأسمعه. نتذكر اليوم بعضا من هذا الكلِم الطيب بمناسبة الذكرى السادسة لرحيل الأستاذ أحمد الملاخ، عساه يكون لنا نبراسا مضيئا نستنير به في الطريق، يضيء لنا المسالك والدروب الصعبة، ومفتاحا لفهم علم المنهاج وتوجيها لاكتساب السلوك المتوازن.

يرحل عنك القريب والبعيد تباعا، وأنت لا تعلم موعد سقوط ورقتك من شجرة الدنيا الفانية. ربما تتذكر ذلك لحظة وداع والد وولد، أو أخ حبيب أو صديق حميم… فراق يفرز شحنة إحساس قوي بالألم والأسى، وتذرف العين دموع الحزن على غياب شبح الأجساد، لا ترى عينك إلا صور بهاء من رحل، ولا تسمع أذنك إلا أصوات من سافر ،ولا يشم أنفك إلا رائحة الطيبين ممن غاب… تصبح حواسك المادية مندمجة مع حواسك الباطنية، ويقول عنك محيطك: ربما اختل صاحبنا، أو أصيب بمس أو جنون…)!!

بمرور الزمن، ينسى عُمَّار الأرض صورة وصوت ورائحة من رحل. ويدخل الهالك في دائرة النسيان ويسترجِع المُصاب بلوعة الفراق فرحه بالدنيا “وتستمر الحياة..” هكذا يقول الناس، من هم تحت سيطرة الحواس المحدودة الشعور.

ونحن من الناس، يمكن أن تكون نظرتنا إلى الموت والحياة نظرة سطحية دوابية لتستمر الحياة.. أي حياة هذه التي نتحدث عنها ونتمسك بها؟ بأي منظار ننظر إلى هذا الكون الفسيح؟ وبأي معيار نقيس أثر الإنسان الذي يعيش إلى حين فوق الأرض ليقبر تحتها ثم ليلقى جزاءه عند ربه.

المؤمن يذكر الموت كما يذكر الحياة. فذكره للموت وتفكره في مآله بعد الموت يجعله يقدر زمن حياته تقديرا دقيقا، ويختار صحبة من ينتشله من الغفلة عن الله، ويزن كل كبيرة وصغيرة بميزان العنكبوت؛ لأن لعمل الدنيا جزاء في الآخرة. قال الله عز وجل في سورة الأنبياء (الآية 47): وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ. وقال سبحانه في سورة الزلزلة (الآيات 6-8): يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

ميزان الله ميزان قسط وميزان عدل، يدرك حقيقةَ هذا الميزان من خشي ربه وذكر الله كثيراً في حياته وصدق في طريقه وسلك سلوك الخائف الراجي.

لن يكتسب المرء مقام الخوف والرجاء إلا بصحبة صالحة تمنحك الدفء وتقيك العثرات وتجبر كسرك وتكسبك منعة ضد الهوى والشيطان الذي يتخذ كيان الإنسان مأوى وعشا، ويجعل النفس خبيثة لا تتزكى ولا تتطهر.

لن يرتقي الإنسان من دركات النفاق إلى درجات الإحسان، وهو يلهث وراء متاع الدنيا في لهو ولعب.

الإنسان مظروف في مكان وزمان، لكن يفتن من داخله بنفسه ونوازعها وبالشيطان ونزغاته، كما يفتن من خارجه بالناس وما عند الناس.. ليصبح زمنه هدرا يتلاطمه موج البحر وريح الأرض، لتجيء سكرة الموت وتجعله جثة عفنة في قبر مظلم لمصير أخروي في الدركات مع الكافرين والمنافقين.

رحم الله الأستاذ أحمد الملاخ، سمّاه صاحبه الإمام عبد السلام ياسين “مدرسة الصبر”. وفي رسالة كلفني الإمام بإيصالها لصاحبه عندما اشتد عليه المرض، قولة لسيدي عبد القادر الجيلاني قدس الله تعالى سره: نمْ تحت ميزاب القدر موسداً الصبر، متقلداً بالموافقة، عابداً بانتظار الفرج. فإذا كنت هكذا صبّ عليك المقدّر من فضله ومننه ما لا تحسن تطلبه وتتمناه).

عندما جاءه الداء استقبله بالصبر، وبعدما اشتد عليه الابتلاء استقبله بالشكر، فتعلق قلبه بمولاه، وترك الدنيا خلفه، وطرق باب الآخرة فعاش في الدنيا مطمئنا لأنه صبَّ على قلبه ماء رحمة الله ولطفه، إلى أن لقي ربه بنفس مطمئنة راضية مرضية.

طالع ملف الداعية أحمد الملاخ إلى رحمة الله.. وَتَرَجَّل الفارس.