دخلت مشاورات تشكيل الحكومة المغربية شهرها الثاني منذ تكليف الملك لرئيسها المرتقب يوم 10 أكتوبر 2016م، بعد انتخابات قاطعها أزيد من %70 من الكتلة الناخبة المغربية. مشاورات طبعها الغموض إلا ما رشح من هنا وهناك يؤكد أن المفاوضات عسيرة جدا والفرقاء المتصارعين على السلطة التنفيذية يستميتون في الدفاع عن مواقفهم ومواقعهم. مخاض عسير يجعلنا نتساءل: هل فعلا ذلك العسر وتلك المفاوضات الشاقة يجسدان موقع الحكومة في النظام السياسي المغربي؟ وقبل أن نجيب عن هذا السؤال المفصلي نرى أن نمهد له بالموقع الطبيعي للحكومة أو السلطة التنفيذية في النظم الديمقراطية المقارنة.

الحكومة في النظم السياسية الديمقراطية

يعتبر فصل السلط أحد المبادئ الأساسية التي اهتدى إليها الفكر السياسي لتحقيق حكم ديمقراطي مستند على الإرادة الشعبية. مبدأ يقسم سلط الدولة إلى ثلاث سلط مستقلة استقلالا لا يخل بتوازنها وتعاونها في إطار وحدة الدولة، وهذه السلط هي السلطة التشريعية التي يمثلها البرلمان والسلطة التنفيذية التي تمثلها الحكومة والسلطة القضائية التي تضمن العدل عبر مختلف أنواع المحاكم.

تستمد الحكومة شرعيتها في الأنظمة البرلمانية (سواء كان النظام ملكيا أو جمهوريا) من الشعب، حيث يشكل الحزب أو التحالف الفائز بأغلبية أصوات البرلمان حكومة تمارس كل الصلاحيات التنفيذية وأيضا بعض الصلاحيات التشريعية في إطار تعاون السلط وتوازنها، وتكون مسؤولة سياسيا أمام البرلمان وحده، باعتباره يجسد إرادة الأمة التي أوصلت الحزب أو التحالف إلى سدة الحكم وفق برنامج انتخابي تعاقدي. بينما يحتفظ الملك أو الرئيس بصلاحيات شكلية ليس إلا كتعيين رئيس الحزب الفائز بالأغلبية في رئاسة الحكومة.

أما في الأنظمة الرئاسية فالسلطة التنفيذية يجسدها الرئيس المنتخب شعبيا، والذي يشكل حكومة بمثابة فريق عمل لتنفيذ برنامجه الانتخابي الذي من خلاله فضله الشعب على مرشحين رئاسيين آخرين. وتكون إذ ذاك السلطة التنفيذية خاضعة تماما للرئيس وفريقه، وللشعب سلطة إقرار استمرار الرئيس وفريقه لولايات محددة تجسيدا لمبدأ التناوب على السلطة وتفاديا لشخصنتها.

الحكومة في النظام السياسي المغربي

احتار الباحثون في تصنيف النظام السياسي المغربي، فلا هو يمثل نظاما برلمانيا تحكم فيه الحكومة المنتخبة شعبيا وبالمقابل تكون السيادة الشكلية للملك، ولا هو نظام رئاسي ينتخب فيه شعبيا رئيس الدولة الذي يجسده الملك في الحالة المغربية، والمالك لصلاحيات واسعة تخترق السلط الثلاثة برمتها حسب الدستور وأيضا حسب الأعراف المخزنية. وهذا ما يجعل عددا من هؤلاء الباحثين يستدعي التاريخ والدين والتقاليد لتبرير هيمنة الملك على النظام السياسي المغربي، مقابل صلاحيات شكلية لمن من المفروض أن يمثل الشعب أي البرلمان والحكومة.

شكليا يمكن القول بأن السلطة التنفيذية بالمغرب ذات رأسين: الملك ورئيس الحكومة المنتمي للحزب الفائز في الانتخابات التشريعية، مما يعني ضمنا أننا بصدد نظام برلماني. لكن بالرجوع إلى الدستور المغربي نجد أن تعيين الحكومة من عدمه وإعفاءها جزءا أو كلا بيد الملك وليس بيد البرلمان.

كما أن اختصاصات الحكومة، وإن جاءت متقدمة في دستور 2011 مقارنة مع ما سبقه من دساتير، فإنها كلها مرهونة بإرادة الرأس غير المنتخب من السلطة التنفيذية، فالقرارات الاستراتيجية في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية وغيرها من حق ممارسة حل البرلمان وإشهار الحرب وإعلان حالة الاستثناء كلها بيد المجلس الوزاري الذي يرأسه الملك، كما أن مشاريع القوانين التي تعتزم الحكومة تقديمها للبرلمان قصد المصادقة عليها لا بد لها من موافقة السلطة غير المنتخبة (الملك) عبر المجلس الوزاري نفسه، الذي يمثل السلطة التنفيذية الحقيقية بالمغرب. وبالتالي نكون هنا أمام نظام رئاسي برئيس غير منتخب يستعين بفريق عمل منتخب وغير منتخب (نقصد هنا مستشاري الملك).

ولم المخاض العسير إذن؟

إن الجواب الحقيقي عن هذا السؤال، لن يتأتى من خلال الوثيقة الدستورية التي أكدت أن الحكومة في المغرب ذات سلطات شكلية بينما السلطة التنفيذية الحقيقة بيد الملك، وبالتالي فالمخاض العسير الذي يعرفه تشكيل الحكومة المغربية يجد تفسيره في الدستور العرفي المسكوت عنه. فالأمر يتعلق بنزع حتى تلك الصلاحيات الشكلية المقررة دستوريا للحكومة عبر هندسة فريق عمل على هوى السلطة الحاكمة، سواء عبر مفاوضات رئيس الحكومة المرتقب مع مستشاري الملك ذوي الصلاحية الواسعة في فرض أو رفض أسماء الوزراء، أو عبر الأحزاب الإدارية التي تتماهى مع إرادة السلطة الملكية في تشكيل الحكومة.

فأزيد من شهر إذن من المشاورات والمفاوضات ليس مرده إلى محاولات التوفيق بين البرامج الانتخابية المختلفة للفرقاء السياسيين، بل هو تأكيد للهيمنة الملكية ليس فقط على السلطة التنفيذية بل على النظام السياسي برمته، وأيضا لتكريم خدامه من الأحزاب الموالية بحقائب ومسؤوليات مختلفة.