في أتون الغضب الطبيعي الذي اجتاح الشوارع المغربية عقب استشهاد محسن فكري بائع السمك الذي حركت مظلمته والطريقة التي تم بها قتله الرأي العام الخارجي قبل الوطني، ومع هذا الهيجان الشعبي المتزايد وفي ظل اختناق النظام وعجزه عن تبرير ممارسات أجهزته الأمنية التي تجاوزت كل الحدود، لا سيما في فاجعة الحسيمة، اختارت نخبته تحريك دعاية مضادة لمنطق المحاسبة والمطالبة بالحقوق، فبدأ الترويج كالعادة لخطاب الفتنة وتذكير المغاربة بنعمة الأمن والأمان المحسودين عليها، وفي هذا السياق تم استحضار بعض التجارب الخارجية خاصة المأساة السورية للتخويف من أي سلوك احتجاجي.

لا ننكر أن النموذج السوري بالذات بات كابوسا يكوي الوعي النضالي عند فئات واسعة، ما يجعلهم يكفرون بأي عمل احتجاجي وأي هَمٍّ تغييري حتى لو كان سلميا، لكن هذا راجع إلى الدعاية المكثفة من طرف إعلام الثورات المضادة أكثر منه إلى قراءة واعية للأحداث ولطبيعة المجتمعين السوري والمغربي وطبيعة الحركات الاحتجاجية بشكل عام، ما يجعل من الصعب تحويل المغرب إلى سوريا أو ليبيا أو يمن جديد.

فوبيا الاحتجاجات السلمية تلك ليس لها ما يبررها، فليس من المنطقي الاستدلال بالانتقال في بعض الحالات من السلمية إلى العسكرة ثم الفوضى مثلما هو الحال عليه في عدد من مناطق “الربيع العربي” لنتخذ ذلك قاعدة لضرب مبدإ الاحتجاج السلمي من الأساس خوفا من عدم ضبطه، فكما أن هناك تطورا في بعض التجارب من حراك سلمي إلى عنفي، هناك أيضا شعوب حافظت على حراكها السلمي الحضاري من مبتدئه إلى منتهاه، وشعوب أخرى جربت المهادنة ظنا منها أنها الخيار الأسلم واستكانت دهرا حتى اختنقت، ثم ما لبثت أن انفجرت في وجه ظلامها بقسوة لتلجأ مباشرة إلى العنف الشديد دون تدرج ودون مقدمات.

الملاحظ أننا أمام سلوك فطري لا قبل للإنسان بتغييره أو إلغائه وهو الغضب للاعتداء على الذات وانتهاك حقوقها، فحتى لو تم كتم ذلك الغضب داخل الذات فإن مضاعفاته السلبية تظهر مع الوقت، فإما أن تهلك الجسم من الداخل أو تتسبب في انفعالات غير محسوبة تخرب العلاقات الاجتماعية في حالة السلوك الفردي. أما في السلوك الجمعي فالأمر أفدح؛ حيث يؤدي صبر المجتمعات على قهر السلطة إلى تكريس أحقاد دفينة مكتومة ذات أبعاد طائفية أو عرقية أو مناطقية داخل الجسم تضعفه وتهدد لحمته، حتى إذا ما تعرض النظام الحاكم لأية هزة خارجية ناجمة عن التدخل الأجنبي أو داخلية بفعل تآكله الذاتي تطفو على السطح كل تلك الأمراض وتتغول. ومهما عمل البعض لإقناع الناس بتجنب الصدام مع السلطة فإن ممارساتها القمعية تجعل تلافي ذلك غير ممكن، ما دامت قد أوصلت جل فئات شعبها لمرحلة لم يعد لديها فيها ما تخسره.

من هنا نحن أمام حتمية يدفع النظام شعبه إليها دفعا بتأزيمه للأوضاع، ولا مهرب معها من الاحتجاج الذي لا نختاره بل يفرض علينا نفسه فرضا، وما نملكه حقا هو المفاضلة بين الحراك السلمي باعتباره خير وسيلة لتفريغ الغضب وتوجيهه في إطاره المناسب وبين الانفجار العنيف الذي سيأتي على الأخضر واليابس.

كما أننا إن دققنا جيدا في الواقع المغربي نجد أن التخوف الذي يطرحه البعض من إمكانية انفلات الأوضاع بفعل الحراك السلمي مبالغ فيه كثيرا، لأن العوامل التي جعلت البوصلة تنحرف عن مسارها في بعض بلدان “الربيع العربي” غير متحققة في المشهد المحلي، ولأن منسوب الغضب الشعبي يجد دائما طريقه للتصريف في شكل احتجاجات دورية، فقلما يفرغ الشارع من الحركات الاحتجاجية رغم القمع والتنكيل والاعتقال والتعسفات الإدارية وغير ذلك لدرجة وصلت معها حمى الاحتجاج إلى عدد من قرى ومداشر المغرب.

وهذا ما جعل المسار الاحتجاجي المغربي يختلف عن تلك البلدان رغم أنه عرف بدوره حراكا كبيرا في نفس الفترة، لكن مخرجاته ليست في نفس الاتجاه، وهذا غير راجع بالضرورة إلى حكمة السلطة الحاكمة كما يزعمون، فلو أرادت مكونات 20 فبراير وجماهيرها آنذاك أن تذهب بالحراك لمرحلة اللاعودة لفعلت.

الحقيقة أن السلطة تعاملت مع المعطيات التي كانت أمامها والمتمثلة في حراك سلمي قوي يغطي جل المناطق المغربية، الذي كلما لجأت للتصعيد ضده كلما هاجت الجماهير أكثر، بالإضافة إلى تنظيمات قادرة على حمايته من الانزلاق، والأهم ثقافة احتجاجية سلمية راسخة لدى عموم المغاربة، ما اضطر المخزن إلى المناورة والانحناء أمام العاصفة في نهاية المطاف، بخلاف المشهد في سوريا. وفي سوريا، وإن كانت ثورتها أكثر قوة وأعلى سقفا، إلا أن نقطة ضعفها هو تلك الصبغة المناطقية الواضحة. فعلى الرغم من التضحيات الهائلة والرائعة إلا أنها ظلت محكومة بمحدودية مناطق انتشارها وعدم قدرتها على تهديد النظام في مراكز ثقله وتحديدا في مدينتيه الحيويتين دمشق وحلب بالإضافة لدعم الطوائف المعلن له واللوبيات الاقتصادية النافذة، هذا مع حالة التصحر التنظيمي والمجتمعي والفقر في الممارسة الاحتجاجية التي جعلت الثورة تستدرج بسهولة في اتجاه العسكرة، وما يقال عن سوريا يقال عن ليبيا واليمن بدرجة أو بأخرى، الشيء الذي أغرى أنظمة تلك البلدان في النهاية بمزيد من التصعيد.

سلوك الطغاة إذن متشابه ولا يوجد نظام أذكى من الآخر بقدر ما تتحكم طبيعة الظروف الداخلية والخارجية في خياراته، ولو كان المخزن سوريا لما اختلفت ممارساته عن ممارسات نظام البعث، لكنه يعلم أنه في بيئة قابلة للاشتعال، ولو لم يطفئ حرائقه فيها لكان الوضع غير الوضع بما يفوق الوضع السوري.

نقطة أخرى تجعل الوضع المغربي مختلفا، فرغم ذلك التباين الظاهر بين فسيفساء المجتمع المغربي في عدد من الأمور، والذي يوحي بحالة من التشرذم الذي لا يقدر على لم شمله غير المخزن كما يدعي أنصاره، إلا أن هذا لا ينعكس على واقع الشارع العفوي الذي لم يُبنَ عن تلك الاختلافات الثقافية والمناطقية، فقد ظلت جل مطالبه ذات نفَس اجتماعي واقتصادي وحتى مهني وفئوي.

وهذا ما يمكن تلمسه في الحراك العشريني وفي الانتفاضات الشعبية بعدد من المدن التي توزعت بشكل عفوي على كافة ربوع الوطن والتي لم تتحول إلى تكتلات منطقية شوفينية، وكذلك الأمر بالنسبة للتنسيقيات الفئوية، بل إنها تفوقت على الصراع الإيديولوجي وفرضت على الفرقاء التوحد خلفها، وخير مثال على هذا حادث محسن فكري الذي لم تمر ساعات على استشهاده حتى اشتعل المغرب بأكمله بالاحتجاجات لتتجاوز بذلك مظلوميته الطابع المحلي الضيق الأفق، الشيء الذي يشكل صمام أمان للمغاربة ويظهر تجانسهم ووحدة مصيرهم.

لا خوف إذن من الاحتجاج ما دام سلميا حتى لو بلغ القمع المخزني مداه، ذلك أن كفاح اللاعنف كان دائما قادرا على اقتلاع أفتك الأنظمة وأشدها بطشا، بشرط الحفاظ على لحمة المتظاهرين وعلى قدرتهم على الحشد وعلى تمددهم الجغرافي وأيضا على تمثيل جل مكونات مجتمعهم.