يحكى في إحدى الطرائف أن جحا أراد شغل مجموعة من الأطفال “برزطوه” فقال لهم: أنتم هنا والحلوى توزع على الأطفال مجانا في السوق. فهرع الأطفال يجرون. ولما رآهم كذلك عاد لنفسه وقال: ما ذا لو كان ما قلته صحيحا؟ فهرع في إثرهم لينال نصيبه من الحلوى “المتوهمة”. وهكذا كذب كذبة وصدقها.

هذه الدعابة تذكرنا بطريقة تفكير المخزن؛ فبعد الانتخابات التشريعية الأخيرة وبعد أسابيع من التسويق والتشويق والتزويق، وبعد العبارات الرنانة من الديمقراطية والمشاركة في انتخاب من يمثلنا، وقيمة الصوت والصوت أمانة، ويجب أن نعطي صوتنا ونشارك في صناعة مستقبلنا، بل وسمعنا هذه النغمات حتى من السادة الفقهاء الخطباء، الذين أقحموا بجلابيبهم في الميدان، ظن الناس أن المخزن فعلا أصبح ديمقراطيا، وأن المواطن أصبح إنسانا ذا كرامة يحق له أن يمشي فوق الأرض مرفوع الرأس عزيز النفس، فقد آب المخزن إلى رشده وأصبح متشبعا بقيم العدالة والكرامة والإنسانية وحقوق الطفل والمرأة والإنسان والحيوان والنبات والشجر والدواب والأنعام. فإذا أم الحوادث تعود بنا إلى نقطة الصفر، وترفع الأوراق عن سوءة المخزن لتظهره وأعوانه وجوقته الموسيقية على حقيقته، أنغام نشاز وأصوات خشبية قصديرية لا تطرب ولا تنغم إلا بأسطوانة مشروخة وبأغان عفا عليها الزمن. وأصبحت لا تسكت حتى الرضع في مهدهم.

لا يا سادة ما هكذا تورد الإبل، الشعب استيقظ يا سادة، ما عادت تنطلي عليه مزاعمكم. لا تخيروا الناس بين الظلم أو الفتنة، بل خيروهم بين الحسن والأحسن، بين العدل والأكثر عدلا منه، بين الاحترام والتقدير، بين الحرية وتنفس عبقها وبين الكرامة وتنسم عبيرها.

أدخلوا المواطن سوق العزة والعدل والكرامة والاحترام والتقدير، حيث الربح في الجودة والأثمان. خفضوا له من طول “الزرواطة” ونظرات الاحتقار و”المرمطة” أمام أبواب المحاكم والإدارات و”الباراجات” والسفارات والأسواق… وضاعفوا له في تعبئة الحرية والكرامة والشغل والتعليم والصحة والعدل. حينها لن تحتاجوا إلى إشهارات تدعوه إلى الحج إلى مكاتب التصويت. لأنه حينها سيكون مرتكزا إلى ركن شديد من الرصيد الحقوقي والمساواتي. وسيحس المخزن حينها أنه يمتلك خزانا وافرا من المشروعية والمصداقية.

لقد أظهرت حادثة مقتل المرحوم بفضل الله محسن فكري أن الشعب لم يعد يقبل الضيم ولا يسكت عنه، وأن من يصطاد فعلا في الماء العكر ويريد الركوب على الأحداث هي الجهات التي ما زالت تفكر وتعمل بعقلية زمن “طحن مو” ولا أحد سيحرك ساكنا.

ذهب وقت الغفلة والسبات، واستيقظت الأمة من نومها العميق، وأصبحت تعرف حقوقها وواجباتها، وهي في حاجة إلى من يفهمها ويعاملها معاملة الراشد لا معاملة القاصر، فكفى من استعباد الناس واستبعادهم. والأسئلة التي تطرح من هنا وهناك باتت تحتاج إلى أجوبة عاجلة ناجعة فاعلة، والإصبع الذي يوضع على الداء يحتاج إلى حركة من نوع آخر تفعل الكلام إلى روزنامة من الإجراءات العملية التي تغير وجه المغرب إلى بلد ديمقراطي تعلو فيه سلطة القانون على سلطة العمل بالمزاجية وردود الأفعال غير المسؤولة.

من طحن المرحوم محسن فكري طحن المغاربة كلهم (ومن قتلها فكأنما قتل الناس جميعا)، لأنه ينظر إلى المواطن بعين الاحتقار والازدراء والدونية. وعوض طرح أسئلة حقيقية ومحاسبة المسؤولين عن وصول السلعة إلى أماكن ما كان لها أن تصل إليها لولا الفساد الذي ينخر أوصال الإدارة بشهادة السلطات العليا يحاسب المواطن المسكين، وهكذا في الأوطان المتخلفة فقط إذا بلغ الإنسان عن فساد ما فإنه يخضع إلى تحقيق وسين وجيم حتى يصبح في النهاية هو المسؤول عن خراب روما وزلزال إيطاليا وفاجعة تشرنوبيل.

قتل محسن فكري لأنه أخرج الحوت من المرسى ليبيعه. شخص واحد أخرج سلعة بقيمة بخسة، مقارنة بالأسماك من شتى الأنواع التي تخرج بآلاف الأطنان وبملايير الدراهم. أين تذهب؟ من يستفيد منها؟ لماذا نمتلك واجهتين تطلان على البحرين ونأكل السمك بـ”دقة للنيف”؟

قضية مقتل الشهيد تفتح الباب على مصراعيه لطرح مجموعة من الأسئلة التي تقتضي فتح نقاش حقيقي حول ثروة هذا المواطن المسكين الذي يأكلون غلته ويرمون له الفتات. فإذا احتج طحنوه سواء ماديا كما الشهيد أو معنويا بقتل عزته وجعله يجري طوال يومه وراء كسرة خبز يابسة يذل معها ماء وجهه وما بقي له من كرامة.

ليس البديل للظلم هو التخويف من الفتنة وما يقع في الدول الأخرى، بل البديل ما قاله عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين كتب إليه: يا أمير المؤمنين، إن الناس قد تمردت وساءت أخلاقها فلا يقومها إلا السوط. فقال رحمه الله: كذبتم، فإنه يقومها الحق والعدل) فهل من مجيب؟