كما يحتكر المخزن الشأن الديني باسم الدين، يحتكر من ضمن ما يحتكر منه نصوصه المقدسة، فيفسرها كما تشاء مصالحه، ويوظفها كما تملي عليه أهدافه، منها فزاعة “الفتنة”، فإن قام الشعب من سباته، ونهض للمطالبة بحقوقه، وخرج إلى الشارع بمنتهى السلمية، نعت المخزن يقظته بأن الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها)!!!

فمباشرة بعد الهبة الشعبية القوية التي أعقبت استشهاد محسن فكري بتلك الطريقة المهينة، ارتعدت فرائس النظام الحاكم الذي يريد لأبناء الوطن السكوت الدائم على كوارثه اتجاه الإنسان المغربي، فجند آلته الإعلامية وكتائبه الفيسبوكية وزبانيته والمستفيدين من ريعه السياسي والاقتصادي، ليعزفوا على إيقاع واحد مكشوف “احذروا الفتنة” و”حافظوا على أمن واستقرار البلد” و”إياكم أن تحتجوا حتى لا نقع في تكرار النموذج الليبي والسوري”… وغيرها من الشعارات والعبارات المكرورة التي تكشف هلعا من حق الشعب في الاحتجاج، ورعبا من قدرته على رفع الظلم والحكرة التي يعانيها منذ عقود، وإصرارا على استرداد حقوقه المسلوبة.

وفي هذا الصدد تحدث نور الدين الملاخ في تدوينة له على حسابه الفيسبوكي عن “زمن الفتنة”، مشيرا إلى أن جهات تشيع في كل فترة مصطلحا للاستهلاك السياسوي، إما للتضخيم أو للتقزيم، وكذلك للتخويف والترهيب)، مضيفا أنه في فترة الانتخابات تم تداول مصطلح “التحكم” لحجب حقيقة الاستبداد! )وإثر فاجعة الطحن يتم تداول مصطلح “الفتنة” لتشويه صورة الاحتجاجات!).

ومن جهتها عرّت الناشطة هند زروق أكذوبة السلطة فقالت ولو سأل الظالم الفتنة لأشارت إليه بأصبع الاتهام.. هو من زرعها في مستنقع الحكم الفاسد وسقاها بعلقم القهر والتفقير والتهميش، هو اللعوب بها ورقة تخويف ماكر للبسطاء المغلوبين على أمرهم، هو الجبان الرعديد الخائف من ضمورها يوم تقوم من قبرها العفة والعزة والكرامة…).

أما المدون عبد الله بلمين فنقل إحدى التدوينات الفيسبوكية التي تستغرب تلك الشابة التي تتأبط محفظتها وتمسك بهاتفها الجوال بكلتا يديها خوفا من قطاع الطرق في وضح النهار ثم تتحدث عن الاستقرار والأمن الذي تنعم به البلاد… وعن ذلك الشاب الذي لا يزال يعتمد على والديه في مصروفه اليومي لأن الدولة لم توفر له عملا ثم يصف المطالبة الحقوق ومنها حق الشغل بالفتنة… وعن ذلك المستفيد من ريع الفساد والاستبداد الذي يتغنى بمزايا الاستقرار وينذر المستضعفين بما لا يرى له مرادفا في قاموس المخزن إلا “الفتنة”.

ويعقب رشيد بوصيري في تدوينته على طائفة ممن يقومون على منابر العلم مرددين: “الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها” بأن أموالنا هي كذلك فتنة، فلماذا التهافت على المناصب بوَحشية؟)، ويرد على المنتفعين بملايين ومليارات البرلمان قائلا: أنتم وأولادكم تأكلون 5 مليار و250 مليون ريال من أموال الشعب ظلما وعدوانا، أليس ذلك فتنة؟)، ويضيف: والظلم هو كذلك فتنة، فلماذا الصمت والساكت عن الحق شيطان أخرس؟ والتلاعب بالدين هو أشد الفتن، فلماذا استخفاف الشعب باسم القرآن؟).

ويتساءل خالد العسري بنبرة لا ترى، بالضمن، وصفا لما يكابده الشعب إلا فتنة:

ألا يُطحن مغاربة حتى الموت وهم ينتظرون سيارات إسعاف مهترئة تسعفهم بعد حادثة سير، فتصل بعد فوات الأوان؟ ألا يطحن مغاربة في مستشفيات تلفظ الأموات أكثر من الأحياء، بنايات فارغة من المعدات، فقط تجد فيها غلاظا شدادا لا تأخذهم رأفة في المرضى؟ ألا يطحن المغاربة عندما يشب حريق في بيت من البيوت، ثم تأتي سيارات مطافئ بلا ماء، لتتفرج على ألسنة اللهب إلى حين انطفائها الذاتي؟ ألا يطحن المغاربة في القرى، حين يموتون بالبرد، والجوع، والفيضانات ثم لا يجدون حتى من يسمع بخبرهم؟ ألا يطحن المغاربة تحت سقوف بيوت خربة، يعلم غير الخبير بقرب سقوطها، ثم تتكفل بعدها جهات بالدفن؟).

وختم تدوينته قائلا: الشهيد محسن فكري صرخ بملء فيه: قد طفح الكيل، والمغاربة أهل كرامة وليس حطاما للطحن… محسن فكري… استشهادك بعث الحياة فينا).