يبدو أن السياسة الجنائية لبلادنا تغير منطقها الجنائي بين عشية وضحاها وأصبحت تعتمد على السرعة الفائقة في إصدار الأحكام القضائية وتنفيذها بشكل لا يقبل الطعن – سوى الطحن – بأي شكل من الأشكال، وهو ما حصل في قضية المواطن “محسن فكري” رحمة الله عليه.

من المعروف فقها وقضاء أن صدور الحكم في أي قضية من القضايا له مسطرة قانونية وإجراءات ومراحل في التقاضي وحقوق الدفاع وكل شروط المحاكمة العادلة المعروفة، لنصل إلى آخر مرحلة وأعقدها وهي مرحلة تنفيذ الأحكام.

لكن في نازلتنا هذه الأمر مختلف، حيث تم ضبط “الجريمة” ثم مصادرة المحجوز وإتلافه في عين المكان، وإصدار حكم حضوري نهائي لا يقبل الطحن، “حكمت المحكمة حضوريا ونهائيا بـ”طحن مو” مع النفاذ المعجل بالطحن وتكليف شاحنة الأزبال بعملية الطحن على الحالة” ثم تنفيذ الحكم في حينه، دون الرجوع لمقتضيات قانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي والدستور وكل القواعد القانونية والأعراف والمواثيق الدولية.

وبذلك يكون المخزن دخل كتاب “غنيز” بإصداره وتنفيذه لأسرع حكم في العالم وسن نظرية وسياسة جنائية متكاملة اسمها “طحن مو”، لا تحتاج إلى محكمة ولا موظفين ولا قضاة ومحامين ولا كتاب ضبط ولا إدارة سجون ولا خبراء محلفين ولا فتح ملفات ولا إنجاز محاضر ولا معاينات… لما في ذلك من بطئ في التقاضي وتكاليف باهظة مرهقة لميزانية الدولة.

وبهذا لم يعد المخزن، في إطار إصلاح منظومة العدالة ولمساعدة مرفق القضاء في تجنب تراكم الملفات على المحاكم، في حاجة إلى كل هذه الإجراءات والمساطر والأطر البشرية، وأصبح يقتصر فقط على عنصرين أساسيين هما:

– الداخلية: مصدرة الأحكام والعقوبة المعروفة: “طحن مو”.

– شركة النظافة: منفذة الأحكام على الحالة.

وعليه فإن هذه النظرية الجنائية الجديدة والشاملة لكل المجالات تدخل في إطار إصلاح منظومة العدالة والحكامة وسياسة القرب والجهوية المتقدمة وترشيد الموارد والنفقات…