مقدمة

تحدثنا في مقال سابق عن الشخصية الإحسانية وأهميتها الدعوية، والتي بنجاحها في دعوة الناس تتحول إلى شخصية إحسانية قيادية، وقد استطاعت بما حباها الله من نورانية أن تؤثر فيهم وتجذبهم إليها، حتى صارت بذلك قِبلة للناس في فعل الخير والتعاون على البرّ والتقوى وطلب الاستشارة وعرض الشكاوى والتماس الدعاء والبركة، لأنها أصبحت موضعا للثقة ونموذجا للقدوة. هذه المكانة القيادية التي نالتها الشخصية الإحسانية بحضورها المسؤول والتي بوّأها لها المحبون والمعجبون والمتأثرون سواء داخل محيط سكناها أو مجال عملها مكّنها من أن تستوعب وتكتسب جملة من الخصائص الإضافية، بواسطتها تستطيع قيادة الناس والانتقال بهم من التفكير في المصلحة الفردية إلى التفكير في المصلحة الجماعية، ومن التغيير المنحصر داخل حيز النفس والأسرة إلى التغيير المنفتح على وسط الحي أو القرية أو المدينة، ثم من الاهتمام بالمحيط إلى الاهتمام بأمر الأمة والعالم.

وجدير بالذكر أن الشخصيات الإحسانية تتصدى للمسؤولية القيادية ليس رغبة فيها وحبا في منصبها وإنما يأتي ذلك من باب الإحساس بالمسؤولية الدعوية وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسعي إلى الجمع والوحدة والإصلاح والتغيير لوجود الخلل وتشتت الناس وحيرتهم والفوضى التي يعيشون فيها. ثم لقطع الطريق على من يريد إضلال الناس وإفساد دينهم ودنياهم.

وتبرز أهمية الشخصية الإحسانية القيادية في الوسط الذي توجد فيه، في كونها الشخصية الصادقة والثقة والرحيمة والحكيمة القادرة على أن تجمع الناس على خيري الدنيا والآخرة في آن واحد.

خصائص الشخصية المنهاجية

من خصائص الشخصية الإحسانية الدعوية التي ذكرناها في المقال السابق: الـتأثير والجاذبية، وكتبنا أنه إذا تحولت هذه الشخصية إلى شخصية إحسانية قيادية اكتسبت خصائص أخرى تليق بتلك المكانة. وهي خاصيتا الرؤية المنهاجية والقدرة على ممارسة القيادة.

– الرؤية المنهاجية

الرؤية المنهاجية هي رؤية شمولية، تستوعب الواقع في كل أبعاده، حاضره بمكوناته ومجرياته، وماضيه الذي نتج عنه، ومستقبله الذي هو آيل إليه. وتتجلى هذه الرؤية المنهاجية في أمور أربعة:

1- فقه الواقع الحالي: فالشخصية الإحسانية القيادية تدرك بما تمتلكه من نور البصيرة ورجاحة العقل وعمق الفكر وبعد النظر مدى فوضى الفساد والاستبداد التي يعيشها المجتمع والعالم بصفة عامة، ومدى تأثير تلك الفوضى العالمية والمجتمعية بصفة خاصة على الناس في محيط عملها الدعوي وفعلها الحركي. وارتباطا بذلك تدرك أيضا أهمّ الأسباب التي أدت إلى هذه الفوضى بالتفصيل ومن هم مسبّبوها. وما تدركه الشخصية الإحسانية بنورانيتها من فقهها للواقع أكثر بكثير مما تدركه أي شخصية أخرى بعقلها الذي يفسر الواقع بالملموس فقط. ذلك أن الشخصية الإحسانية بنورانيتها تستطيع أن تنفذ ببصيرتها إلى الأسباب الكامنة وراء كل فوضى تراها في الواقع، وتشرحها كالجراح، ثمّ تشرع في معالجتها وتصحيحها بالوسائل والأساليب الشرعية المناسبة.

2- فقه الواقع المطلوب: عندما تدرك الشخصية الإحسانية القيادية تلك الفوضى في واقعها يتولد لديها موقفٌ برفضها، وقبل موقف الرفض وأثناءه يكون لها رؤية واضحة عن الوضع الجديد الذي تتوخاه بعملها الدعوي، وهذه الرؤية كلما كانت علمية وعملية تخدم المصلحة العامة كلما أقنعت الناس من حولها بالانخراط والمشاركة في تحقيق أهدافها. فمن السهل فقه الواقع المطلوب على مستوى الأمة بما ورد فيه من كتابات واجتهادات، لكن الأصعب من ذلك هو فقه الواقع المطلوب على المستويات الدنيا المنحصرة في الحي أو القرية أو المدينة أو البلد.

3- إدراك الفجوة بين الواقع المرفوض والواقع المطلوب: فعندما يجتمع لدى الشخصية القيادية فقه الواقع الحالي المرفوض بسبب ما يعيشه من الفوضى، وفقه الواقع المطلوب والبديل لتلك الفوضى تدرك بما معها من حكمة عقلية ورحمة قلبية الفجوة الفاصلة بين الواقعين، لأن إدراكها لتلك الفجوة والهوّة يمدّها بمعلومات مهمة حول تفاصيل الخطة العملية من حيث عدد الخطوات والإمكانيات المادية والبشرية للانتقال من واقع إلى واقع.

4- إيمانه بالقدرة على تحقيق الواقع المطلوب: وهذا الأمر الرابع به تكتمل الرؤية المنهاجية لدى الشخصية الإحسانية القيادية، فالإيمان بالقدرة على تحقيق الواقع المطلوب والمرغوب هو يقين تام يملأ قلب هذه الشخصية، وأي شكّ يخالط ذلك اليقين يضعف من شأن تلك الرؤية المنهاجية، وبالتالي سيُنقص من ثقة الناس في قيادة الشخصية الإحسانية لهم. فالأتباع يحترمون قادتهم ويقدرونهم لوضوح رؤاهم، ولكن رغبتهم في المشاركة والانخراط في العمل يكون عندما يدركون يقين قادتهم التام وقدرتهم الكاملة على تحقيقها.

خاصية امتلاك الشخصية الإحسانية للرؤية المنهاجية الواضحة هو ما يميزها عن المجتمعين من حولها والمتعاونين معها. وبها يدركون تماما أحقّية هذه الشخصية في قيادتهم لتحقيق مصالحهم دنيا وأخرى. امتلاك الرؤية المنهاجية الواضحة والكاملة يعني بداية الشخصية الإحسانية القيادية في الانتقال بالناس من حولها في حيها، أو في قريتها، أو في مدينتها، من النظرية إلى الممارسة، ومن التخطيط إلى التطبيق، ومن الحلم إلى الحقيقة، وبالتالي من الفوضى إلى النظام.

– الخصال القيادية

تمتلك الشخصية الإحسانية القيادية إلى جانب الرؤية المنهاجية الواضحة لعملها الدعوي خصالا قيادية عبارة عن قدرات شخصية ومهارات في التواصل مع الناس وتنظيمهم وتحفيزهم على تحقيق مصالحهم الفردية والجماعية. ومن هذه الخصال القيادية:

1- القدرة على حشد الناس في أي وقت يتطلب الأمر ذلك لأسباب إعلامية أو ثقافية أو اجتماعية أو ترفيهية أو حتى سياسية، واحتشادهم حول قيادتهم في الوقت المناسب وبكل شجاعة واقتناعهم بأهمية هذا الاحتشاد وبمضمونه وأهدافه ورغبتهم الملحة في إنجاحه بكل ما أوتوه من قوة وإمكانية، هذا دليل على تمكن الشخصية القيادية من هذه الخصلة. وهناك قضايا محلية ووطنية وعالمية كثيرة قد تستدعي ذلك الاحتشاد.

2- القدرة على استنفار الطاقات وتوظيفها، ففي محيط العمل أو السكن أو الحركة توجد طاقات مهمة منها الخجولة ومنها الراكنة إلى الراحة ومنها الخائفة، هذه الطاقات كلها أو بعضها تستطيع الشخصية الإحسانية القيادية بتواصلها المباشر ومن خلال إقناعها بالعمل الجماعي من تحريكها ودفعها للعمل المشترك، فيتمّ تحفيزها بما يناسب إمكاناتها وتخصصاتها على العمل وتطويره، ثم الارتقاء بهم إلى أعلى مستويات الإنجاز.

3- القدرة على توجيه الجهود، وذلك بتنسيقها وتنظيمها بحيث تصب في جهد متكامل يشكل وحدة في التصور المشترك والسلوك الجماعي ويؤدي إلى تحقيق الأهداف والغايات المحددة. فالأماكن التي يتجمع فيها الناس قد تجد فيهم الكثير ممن يحب الإسهام في خدمة مصالح الناس وقضاء حوائجهم بمبادرات فردية، لكن الشيء المهم الذي ينقصها هو توجيه هذه المبادرات لتكون جهودا منسقة ومنظمة يشارك فيها الجميع حسب الإمكانيات. وهذا ما تحرص عليه الشخصية الإحسانية القيادية.

4- القدرة على تنمية دائرة الفعل، فعندما تشرع الشخصية الإحسانية القيادية في رحلتها بالناس من واقع فوضوي مرفوض كانوا يعيشون فيه إلى واقع منظم جميل يليق بهم مرغوب فيه، فإنها تعبر بهم بين الأهداف المسطرة بالتدريج والحكمة ومراعاة الظروف واحدا تلو الآخر. وكلما تحقق هدف اتسع الأفق وانفرج عن هدف جديد آخر يطمحون إليه. وهذا ما سيزيد من الثقة في القيادة ومن اتساع دائرة الفعل والرغبة في المشاركة أكثر من قبل جميع الفئات حتى من خارج المحيط. مما يجعل الرؤية تتضح لهم ولغيرهم أكثر وتتحسن وتتطور.

وبهذه الرؤية المنهاجية والخصال القيادية تتحول الشخصية الإحسانية القيادية إلى شخصية إحسانية مجاهدة لها خصائص أخرى تفرضها عليها ضغوطات الواقع وتحدياته، وذلك لأن من طبيعة التغيير سواء كان في دائرة ضيقة أو واسعة دائما كما له أصحاب يحملون شعاره ومشعله، له أيضا أعداء ومقاومون له يحملون المعول لإيقافه وهدمه.

خاتمة

كل شيء يبدأ من الرغبة الشديدة في فعله، ثم الإرادة القوية على تحقيقه، فعندما تحظى الشخصية الإحسانية بالقبول بين الناس لما يبدونه لها من المحبة والتقدير والاحترام، ثم تجد نفسها أمام واقع يستفزها ويدفعها إلى اتخاذ مواقف منه تلقائية تتّسم بالرفض وعدم الرضا، فإن ذلك يعني أن بذور النقلة والتحول في الوعي والسلوك نحو القيادة وتحمل المسؤولية قد بدأ. والقيادة الناجحة عبر التاريخ هي التي لا تفعل أي شيء بمفردها، بل تفعله من خلال الآخرين. لا يضر بقيادتها ولا ينقص منها إن كانت بنورانيتها العالية قليلة البضاعة في الجانب العلمي، فإن ذلك الجانب يمكن أن تغطيه بما حولها من كفاءات علمية وفكرية حين تُحسن توظيفها، معتمدة في كل ذلك وهي المنوّرة بنور الله على توفيق الله وتأييده أولا وأخيرا.