الموءودة كما هو معلوم هي البنت التي كان الناس في الجاهلية قبل الإسلام يدفنونها حية في التراب، وقد عظم الله أمر الموءودة بأن تسأل يوم القيامة لماذا قتلت؟ وفيم قتلت؟ حتى ينال القاتل الظالم جزاء فعلته هذه.

وقرأ أبو الضحى مسلم بن صبيح وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (التكوير 8-9)؛ بمعنى: سألت الموءودة الوائدين بأي ذنب قتلوها وحاججتهم أمام الله تعالى.. كان هذا في الجاهلية ويجب الإسلام ما قبله.. لكن بعد الإسلام وفي دار الإسلام أعظم الله جرم القاتل المعتدي عمدا على حرمة الدماء بالتحريم المغلظ وبالوعيد الشديد حيث قال جل وعلا: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (النساء 93). ولا شك أنه حين يستهان بأمر القتل ويحدث بأبشع الصور على الإطلاق كما حدث في مقتل محسن فكري رحمه الله الذي تم طحنه بآلة عجن الأزبال، لا شك بأنه عندما يكون الأمر هكذا فإن الجرم يكون فادحا والخطيئة تصبح منكرا فظيعا عظيما ترتج له السماوات والأرض!

عار وأي عار أن يستهان بحياة الإنسان إلى هذه الدرجة المقيتة ويكون فينا من تشرب هذا الغل وهذا الحقد الأعمى على هذا الشعب الكريم. لقد بلغ الظلم مبلغه في هذه البلاد وطغى الجلادون مصاصو دماء المستضعفين طغيانا لا حد له ربطا لجديد منكرهم بقديمه منذ الاستقلال (وأي استقلال..؟!) حيث آلاف الشهداء والمعذبين ظلما وعدوانا في الهواء الطلق وفي مخافر الذل والعار في تازمامرت وأخواتها… إلى محرقة البنك للشباب الخمسة بالحسيمة نفسها، إلى كريم الشايب وكمال عماري ومي فتيحة ومن نسينا ذكرهم رحم الله الجميع… ولا ينبغي أبدا تغليط الناس والرأي العام وحصر أركان هذه الجريمة المنظمة في المنفذ المباشر. أبدا أبدا. فأضلاع المخزن المختلفة والمتسلسلة كلها مسؤولة عن هذه الجريمة البشعة والنكراء: إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (القصص 8).

هي مسؤولة يوم نهبت ثروة هذه الأمة وكدست القناطير المقنطرة من خيرات هذا الوطن في ضيعاتها وعقاراتها ومتاعها وحساباتها داخل المغرب وخارجه بغير وجه حق، بل باستنزاف وتبذير رهيب وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة 34-35)، وتركت لعموم المستضعفين من أبناء هذا الوطن العزيز اللهث وراء الفتات، وهم ينظرون إلى خيرات بلادهم يتمتع بها القريب والبعيد والقاصي والداني ويتصرف فيها كل سفيه دنيء… وهي مسؤولة مسؤولية مباشرة يوم أطلقت العنان للأيدي الآثمة الظالمة تسوم المواطن أصناف الذل والاحتقار ومحاصرة الأرزاق إلى هذه الدرجة من الوحشية والوحش في الغابة من أمثالها براء! ويوم رسمت الحكم بالفساد والاستبداد وصادرت حق الأمة في الصحة والتعليم وفي الاختيار الحر للحاكمين الفعليين وفي الكرامة وفي الديمقراطية الحقة، لا ديمقراطية تسويق الوهم وتزيين الوجه البشع للاستبداد بتسخير وترويض نخبة شاركتها هذا الإخراج الرديء وأعطتها جرعات الاستمرار والتمادي في الضلال والطغيان! وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (هود 113).

إن المسؤولية اليوم قائمة على الشعب بكل أطيافه وأصنافه وفئاته لينصر المظلوم ويضرب على يد الظالم. ووالله ما قوة هذا الظالم المتعجرف إلا من ضعف لحمة هذا الشعب في تصديه للباطل. الأمة أصلا وأصالة قوية بمجموعها وبعناصر قوتها الكثيرة والمختلفة والمتنوعة، وبتأييد الله لها إن هي قامت تطلب حقها. لكنها إن تقاعست وضعفت استغل الظالم المستبد ضعفها. فأنت إما أن تستغل قوتك أو يستغل غيرك ضعفك، وهذه هي المعادلة في مواجهة الحق للباطل، لأن الظلم والباطل في أصله وأصالته جبان زهوق، وإنما يستمد قوته من ضعف جهة الحق وتخاذلها عن القيام بالواجب في ردع الظالم. وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (الإسراء 81)… بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (الأنبياء 18).