أعادت جريمة “طحن” الشاب المغربي من مدينة الحسيمة “محسن” في شاحنة للقمامة التي ألقى فيها نفسه احتجاجا على مصادرة رجال الأمن لسمكه، إلى الذاكرة مشاهد مماثلة لمغاربة فقدوا حياتهم في مواقف رفض الظلم والقهر الاجتماعي الذي تمارسه السلطة وأجهزتها ضد المواطنين البسطاء بشكل يومي وممنهج.

الحادث الأليم الذي وقع البارحة ليلا ذكرنا بـ”مي فتيحة” التي دفعها تسلط رجل سلطة القنطرة ومصادرة فطائرها (بغرير)، التي كانت تعيل منها أسرتها، إلى إحراق ذاتها في مشهد صادم ومؤلم، وغيرها من الحوادث/ الجرائم المتكررة في السنوات الأخيرة.

إن حق الحياة لا يمكن المجادلة على قيمته لا في شريعة السماء ولا في شرائع الأرض، ولا يمكن أن يفرط فيه المواطن الإنسان إلا في مواقف تتقابل فيه كرامته مع حقه في الحياة. فهل المغاربة استرخصوا قيمة الحياة إلى هذا الحد؟ أم أن الأمر انتصار فردي لكرامة جماعية مسلوبة؟

يشكل ظلم السلطة وتعسف أجهرتها في استعمال السلطة المستهترة بالمواطن وحقوقه، الدافع الرئيسي لعدد كبير من حالات إهلاك الذات بالمغرب. وكأن المخزن لم يكفه اغتصاب الحكم ولا الاستحواذ على مقدرات الوطن وخيراته ولا تهريب جزء من ثروات هذا الشعب إلى ملاذات آمنة وتوزيع الجزء الآخر على خدامه الأوفياء له في ممارسة إذلال هذا الشعب المقهور المحقور المفقر المجهل المعطل المحروم من أبسط حقوقه.

إهلاك الذات ليس لعبة للمواطن، وليس حدثا معزولا في المجتمع، ولا رد فعل عابر على ظلم جاثم، ولا يمكن أن تغطي على بشاعته مسكنات هنا وتنقيلات هناك، بل هو علامة تخطر بأن الإفساد وصل مداه والظلم بلغ أقصاه، وضوء أحمر ينذر بنفاذ صبر الشعب ولا أحد يمكن توقع حجم ونوع رد فعله على هذا الظلم والاستعباد المستمر. فهل من عاقل في القوم يعقل باقي القوم قبل فوات الأوان؟