انطلق الدخول السياسي في المغرب على إيقاع ترسيخ أزمته السياسية والمجتمعية. وهذه مؤشرات ثلاثة على حقيقتها:

– انتهاء حلقة جديدة ممجوجة سميت انتخابات، أريد بها الإلهاء وكسب الوقت وإضفاء الشرعية، غير أن الغالبية العظمى من الشعب المغربي قاطعتها ليقينها أنها مدخل وهمي للإصلاح المزعوم. وهو اليقين الذي رسخه عبث التحالفات بعد قطيعة التصريحات، وظهور حكومة الظل الحاكمة في أدغال إفريقيا تزامنا مع مشاورات تشكيل حكومة الواجهة المحكومة.

– تصريح من أعلى هرم الدولة يواصل التأكيد على أزمات المغرب المستفحلة؛ فبعد التعليم والثروة جاء الدور على الإدارة، وهو اعتراف لا يعفي صاحبه من المسؤولية، لأنه مؤسسة تنفيذية تمارس السلطة يوميا، بل إنه السلطة الأقوى، إن لم تكن الوحيدة، في المغرب.

– بروز جملة من الكوارث هنا وهناك، في التعليم خصاصا الأطر وإغلاقا للمدارس العمومية وتكديسا للتلاميذ، وفي الاقتصاد تراجعا للاستثمار وارتهانا للمؤسسات الدولية المانحة وضعفا في توفير فرص مستقبلية للشباب، وفي الاجتماع تزايدا في البطالة وغلاء في الأسعار وعموم المعيشة مع انفجار احتجاجات العشرة آلاف إطار وطلبة ENSA والموظفين الذين بدأت “خطة التقاعد” الاقتطاع من أجورهم الهزيلة أصلا.

إنها مؤشرات قوية على غياب الإرادة الجادة والرؤية النافذة والاستراتيجية الواضحة والتدبير الحكيم. إنه التخبط الذي ينعكس في ثلاثة مستويات كبرى:

– على المستوى السياسي: حيث أزمة المغرب المتواصلة منذ الاستقلال؛ دستور ممنوح من سلطة غير منتخبة، تملك جل الصلاحيات وأقواها، مقابل هامش ضيق لمؤسسات منتخبة يجلد بعضها بعضا على رؤوس الأشهاد. أزمة نظام حكم غير ديمقراطي، مؤسساته لا تنبني على الشورى والصلاحيات الواضحة والمسؤولية والمحاسبة.

– على مستوى المشروع المجتمعي: حيث تغيب الرؤية الكلية للدولة والأمة، ماذا يريد نظام الحكم للإنسان المغربي؟ وكيف يتصور البلد في أفق 20 أو 30 سنة؟ وما وتيرة التقدم؟ وما خطة السير؟ وما المرتكزات الكلية للأمة المغربية؟ وهي الأشياء التي من شأنها أن تحفظ هوية الدولة ورسالة الأمة، وتضمن انفتاح البلد واستفادته من تجارب ونماذج الأمم الناجحة.

– على مستوى باقي المجالات: التي يخترقها المستويان الأول والثاني، الثقافية والتربوية التعليمية والاقتصادية والاجتماعية… إذ تغيب قيم البناء والأصالة والجدية والصرامة والانفتاح والإجرائية لصالح التدجين والعبث والتغييب والاستبعاد والوصولية… فتتجلى الأزمات في جل القطاعات، وينكشف التخبط الذي يشل المجتمع والدولة معا.

في غياب إرادة سياسية جادة تنهي أزمة نظام الحكم غير الديمقراطي، ورؤية استراتيجية تتولد عن نقاش واسع مفتوح يعيد اكتشاف الذات وصياغة المرتكزات وبناء المشروع المجتمعي الكبير، وتدبير حكيم ينسلك في باقي المجالات الحياتية لتنضبط للتخطيط الجيد والفاعلية في التنفيذ والمتابعة الدقيقة والتقويم بالأهداف والنتائج، في غياب هذه الثلاثية؛ ثلاثية الإرادة والرؤية والتدبير، ستحافظ الدولة المغربية على تخبط يقودها نحو أفق مجهول.