أثارني هذا الأسبوع تعليق امرأة على خبر أطلَعَتْها عليه رفيقتُها التي كانت تُحدّثها عن امرأة أخرى تعرفانها، وكانت تعيش في “هشاشة” حسب تعبير مسؤولي البلد، قالت بالحرف العامي: “ياك واكلة شاربة، شنو خصها؟”. وكأن لا حقّ للمرأة في وطننا إلاّ في إسكات قرقرة البطن! فوجدتُني أتأمل وضع المرأة المسلمة كيف انقلب من وضع كانت فيه مُربّية، داعية إلى الله تعالى، شاعرة، خطيبة، فقيهة، مُجاهدة في عفة بين صفوف الرجال لبناء دولة العمران الأخوي إبان البعثة النبوية والخلافة الراشدة، إلى وضع صارت فيه تابعة، مملوكة بلا رأي، قاعدة في جهل تام بالدين، والسياسة، وباقي مجالات دنيانا.

ثم وجدتُني أتدبّر حال معظم المغاربة الذي نزل إلى الحضيض؛ وأتدبّر واقع مستضعفيه المثير للبكاء والشفقة، وكيف استطاع النظام أن يحصر فكرهم وتطلّعاتهم في مربع الأكل والشرب، وليته وفّر لهم ذلك، مستغلا الجهل بالدين والأمية السياسية الناتجة عن كارثة التعليم. ثم عادت بي الذاكرة إلى صباح يومٍ من أيام الربيع المغربي سنة 2011؛ ففي ذلك اليوم كنتُ في “محلبة” أتناول شيئا، فدار بيني وبين صاحبها مثل الذي كان حديث الناس آنذاك، فقال لي في النهاية قبل أن أغادر المحل: “ياك أأستاذ واكل شارب، آش خصّك؟” فقلت على الفور بحرارة: “أنا ماشي كلب باش غير ناكل ونشرب”. فسكت، ولم يفه بكلمة.

ربّ سائل بسيط، ربّاه النظام المخزني على أن لا يتجاوز طموحُه طموحَ الحيوان الأليف القانع بالأكل والشرب، يسألُ بصِدق: ما الذي تُريده ويُريده أمثالك؟).

أجيب هذا “المرايقي” (من المَرَق) تارة بضمير المتكلم المفرد، وتارة بضمير المتكلم جمعا، توعية له بأن المعركة ضد من يريد أن يجعلنا سوائم أليفة لا ينتصر فيها أشخاص مشتتون منعزلون، بل أشخاص منظمون في جماعة (Groupe)، أو جماعات سياسية أو نقابية:

– نريد، ونحن نعمل لذلك لا نستجدي، أن نعبُد ربّنا جلّ وعلا مثلما أمر بلا قيد أو شرط، لا أن تُحصر عبادتُنا في خمس صلوات في المسجد، وفي دفن موتانا.

– أريد شغلا يلائم كفاءتي وقدراتي وتحفظ فيه آدميتي، لا أي شغل ليُسدّ بي “الخصاص”، أو مهنة تطحن وقتي، وتوهن بدني، ويذهب فيها ديني.

– أريدُ بيتاً صِحِّياً يقيني من الحرّ والقرّ بمساحة مقبولة، لا حجرة رخيصة البناء، أو قفصاً يُخجلني أمام أولادي عندما أخلو بزوجتي (لا داعي لذكر حالات أخرى)، ويجعلني في حرج من أن أُضيّف أقرب أقربائي.

– أريدُ مدرسةً مجانية لأطفالي، فسيحة مخضرّة، بملاعب رياضية لبناء الجسم وتنشيط الذهن، ومكتبة راقية وقاعات مختصة لسائر الفنون لصقل الموهبة؛ مدرسة يأخذون فيها عِلما وحياءً ونورا، ويكتسِبون فيها أدباً ومهارةً وحكمةً، لا عمارة بئيسة كالغيتو (ghuetto)، أو إسطبلا ينشر الجهل والتبعية والتقليد، ويسوده العنفُ، وتتمرّغ في رذالته البراءةُ والفطرةُ. وحقي أنا أيضا في أن أدرس طول حياتي.

– أريد مستشفى بمواصفات العصر أتداوى فيه مجانا بلا شرط، لا شبه ثكنة متداعية الجدران تمتلئ بالقذارة والعفن.

– أريد مدينة عصرية نقيّاً هواؤها، نظيفة شوارعها، جميلا عمرانها، وسائل النقل فيها وافرة مريحة، يسودها الأمن والهدوء والخُلُق، لا تجمعا سكنيا كالركام، لا زين فيه، ولا نَفَس، ولا راحة ولا خدمة.

– نريد قضاءً قويا مستقلا نزيها فوق رؤوس الجميع، لا قضاء فاسدا تحت أقدام البعض.

– أريد كامل الحرية في التعبير عن آرائي، وفي الكتابة والنشر، وأن أختار من ينوب عني في دوائر الحُكم وصناعة القرار بكل حرية، وأن أحاسبه.

– نريد مطلق الحرية في التنظيم والحركة والمدافعة السياسية، وفي تأسيس الصحف والإذاعات والقنوات التلفزية.

– نريد دستورا نابعا من الشعب، تضعه هيأة منتخبة انتخابا حرا مباشرا، لا دستورا ممنوحا يشرع للاستبداد والتسلط.

– نريد اقتصادا قائما على المنافسة الشريفة، اقتصادا عادلا لا احتكار فيه ولا ريع، يراعي البيئة، ويقضي على الفقر، ويحافظ على كرامة الإنسان.

– نريد بدلا عن الإقطاع توزيعا عادلا للثروة، وتوزيعا عادلا للأراضي الفلاحية المنهوبة.

– نريد توطين التكنولوجيا، نريد تصنيعا نعِزّ به بين الأمم.

– نريد تحرير بلدنا من التبعية للأجنبي وللصهاينة، وأن لا يكون مستعمرة لأحد.

– نريد فصل السياسة عن التجارة، نريد فصلا للسلط التشريعية والتنفيذية والقضائية، نريد إعلاما حرا مُعلّما بانيا، نريد تربيةً مُحرِّرة، نريد عزة وسموا، نريد إنسانا ودولة..

هذا بعضٌ ممّا نريد.