عكس ما يحاول البعض من التيئيس من المقاطعة كاستيراتيجية ناجحة لفضح واقع الاستبداد بالمغرب وعدم تزكيته من خلال المشاركة في انتخابات صورية لا تفضي إلى رهانات سياسية، ولا يمكن أن تؤثر بأي حال من الأحوال على طبيعة السلطة ولا على قراراتها السياسية… وكخيار اختاره فئة عريضة من الشعب، بعد أن أعياها الجلوس في قاعة انتظار التحول الديمقراطي، يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: والشعب بعد أن يعييه سلوك النفق المظلم الطويل الذي يقوده فيه جنون انتقال لا ينتهي، سيختار طرقا أخرى لن تروق طبعا لهؤلاء السادة المتربعين على الأرائك المغتصبة) 1 .

إن نسبة المشاركة التي أعلنت عنها الداخلية (43%) أظهرت بوضوح مدى التدني في المشاركة، وهي نسبة مبالغ فيها بشكل سافر بعد أن أقصت ما يقارب من 10 ملايين من المواطنين غير مسجلين في اللوائح الانتخابية. بالمقابل هناك نسبة أخرى تم تداولها في الداخل لا تتعدى 23 %، وهي النسبة التي أشارت إليها عدد من وسائل الإعلام الأجنبية. فصحيفة الواشنطن بوست كتبت: لقد عرفت المشاركة الانتخابية نوعا من التضخيم، فمن أصل 28 مليون مغربي مؤهل للتصويت، لم يذهب سوى 23 بالمائة منهم إلى مكاتب الاقتراع يوم الجمعة الماضي). واعتبرت الصحيفة ذلك دليلا على عدم ثقة المغاربة، ليس فقط في الأحزاب السياسية ولكن في المنظومة الانتخابية ككل.

وعدم الإعلان عن عدد الأوراق الملغاة يطعن في النسبة ويؤكد بما لا يدع مجالا للشك، استمرار غياب الشفافية، وهذا معناه إطلاق العنان لخفافيش الفساد كي يرتع على أوسع نطاق.

لقد قام المخزن بعدد من الإجراءات كي يحصل على مشاركة شعبية وازنة، مستهدفا بالدرجة الأولى فئة الشباب التي تمثل أزيد من 61 %، فخصص لائحة خاصة به في الانتخابات، وعمد إلى خفض سن التصويت من 21 إلى 18 سنة. وانطلقت من قبل جمعية “2007 دابا” التي أخذت على عاتقها آنذاك تعبئة الناخبين للمشاركة في الانتخابات، حيث توقع السيد عيوش الذي ترأس الجمعية أن تكون المشاركة في حدود 80 %، ولو عكس لأصاب في توقعاته.

إن مقاطعة الانتخابات لأكبر دليل على استبداد النظام، لأن المواطنين في الأنظمة الديمقراطية الحقة لا معنى للمقاطعة في مواقفهم، فصندوق الاقتراع هو أبرز وسيلة للتعبير عن اقتناعاتهم واختياراتهم. صندوق الانتخاب هو المكان الرئيسي ليس فقط للتعبير عن إرادة المواطنين، بل لنقل هذه الإرادة إلى موقع السلطة والقرار مباشرة. ولم يصلوا إلى تقرير هذه الحقيقة إلا بعد نضال مستمر تراكمت مكاسبه، وتزامن معه تطور اجتماعي سياسي يحمي مسيرته من أي انتكاسة. وهكذا استقرت الاقتناع العام بالامتناع التام عن المساس بصندوق الانتخاب أو التفكير في العبث بنتائجه. لذا يستحيل أن تقوم الأحزاب في الطعن في النتائج أو التشكيك في العملية الانتخابية برمتها.

يقول الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: لا بد أن تعتق صناديق الاقتراع – هذه التحف الصغيرة التي وضعتها الديمقراطية – لتنطق بكل حرية حتى يتمكن الشعب بعد أن يدرك الخفايا والأبعاد من الاختيار).

إن نسبة المقاطعة التي تعرف تصاعدا متزايدا ترسل رسائل عاجلة إلى من يهمهم أمر البلاد والعباد، وعكس ما يظنه البعض من أن هذا نتيجة اللامبالاة والحل هو إلزامية الانتخابات. سنكون متجنين على حقائق الواقع إن قرأنا رسائل المقاطعين قراءة سطحية مختزلة في ذكر سبب ثانوي ولم نرد الاقتراب من الأسباب الحقيقية.

فمن خلال تتبع المسار الانتخابي الذي يظهر لنا نسبة المقاطعة من خلال محطات متتابعة ومن خلال الأرقام المصرح بها من طرف وزارة الداخلية المشرف الوحيد على العملية، يظهر بوضوح أن غالبية الشعب ترفض الاستمرار في توظيفها كشاهد زور على شرعية الاستبداد:

السنوات: 1997 – 2002 – 2007 – 2011 – 2016

النسبة المئوية: 58.3 – 51.6 – 37 – 45 – 43

إن اقتناع فئة عريضة من المواطنين بعبثية الانتخابات راجع أساسا إلى النتيجة التي تفضي إليها لعبة الانتخابات في الوطن، ما إن تعلن النتائج حتى يعلن معها استمرارية الوضع، وتفاقمه، وعجز بلاغة السياسيين عن تنزيل برامج الحملات الانتخابية وترجمتها إلى حلول تخفف المعاناة، وعجزهم عن الوفاء بالوعود، لأن أيديهم مغلولة وألسنتهم لا تنطق لأن في فمهم ماء.

إن المقاطعة هي صناعة موقف، وخطوة إلى الأمام من أجل تغيير حقيقي، ولا معنى للإدانة والتشكيك بعد قبول اللعبة وبشروط مخزنية. فمنذ فجر الاستقلال وأحزابنا تندد بالفساد الانتخابي مع قبولها ولوج مجلس البرلمان الذي طعنت في نتائجه، وقبول المشاركة في حكومات صورية تشكلت وفق نتائج مطعون فيها.

لم تسلم انتخابات 7 أكتوبر من الإدانة كسابقاتها، والتشكيك في نتائجها، والطعن في المؤسسات التي ستسفر عنها، لأنها انتخابات الأقلية.

– أكد الكاتب الوطني لحزب الطليعة السيد علي بوطوالة بعد أن حصل اليسار بكل مكوناته على نسبة ضئيلة جدا على: وجود مخطط وعمل كبير لمحاولة تقزيم اليسار لصالح حزب يميني بشعارات خادعة مستوردة من اليسار).

– المؤتمر الاتحادي يصدر بيانا منددا فيه بشدة فساد العملية الانتخابية، وبـتدخل سافر للسلطة ومختلف ممارسات الإفساد والفساد الانتخابي بشكل غير مسبوق في تاريخ انتخابات المغرب).

– الاتحاد الاشتراكي يشكك في بيانه الذي أصدره عقب نتائج 7 أكتوبر في القطبية المصطنعة، مذكرا بالمقترحات التي قدمها بخصوص إصلاح المنظومة الانتخابية.

– اتهم عبد الله البقالي عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال وزارة الداخلية بعدم الحياد وقال: حينما يتحالف المال الحرام والسلطة فانتظر الساعة).

– التقدم والاشتراكية أصدر بلاغا صحفيا يوم السبت 8 أكتوبر ومما ورد فيه: سيتابع الحزب على الخصوص معالجة حالات الدوائر التشريعية التي وجدت فيها لوائح الحزب في وضعية تؤهلها للظفر بمقاعد قبل أن ينقلب الأمر إلى عكس ذلك بشكل مفاجئ وفي آخر اللحظات، مما كان سيرفع بشكل جلي عدد منتخبي الحزب بمجلس النواب).

وقد ذكر السيد مصطفى العلوي مدير جريدة الأسبوع الصحفي في عددها 1339/902 أن برقيات أرسلت لفرنسا عشية إجراء الانتخابات بأن الفائز الأول هو الأصالة والمعاصرة، وأن الحزب الثاني هو حزب الاستقلال، وأن العدالة والتنمية هو الحزب المصنف في الدرجة الثالثة).

إن استمرار الآلة الإعلامية الحزبية المخزنية بالتباهي والاحتفال بتحقيق إنجازات في عملية التحول الديمقراطي، ومحاولة بعض الأحزاب تسويق وهم الاصلاح، عوض مراجعة شاملة لما آلت إليه الأوضاع لهو دليل على فقدان البوصلة، وإصرار على استمرار في طريق التيه والإبحار بسفينة مثقوبة نتيجتها هي غرق السفينة بطاقمها وركابها. لا ينبغي أن ننخدع بأن السفينة لم تتوقف، وأن ماكينتها لا تزال تشتغل، ينبغي النظر إلى المآل، وإلى المصير في نهاية المطاف.

واقع بهذا التردي لا يصنع مستقبلا مطمئنا، ناهيك عن أن يكون مبشرا، وإنما هو منذر بغرق السفينة إن آجلا أو عاجلا. لا بد من تحرك جاد وشجاع يعيد الأمل إلى المواطنين في حاضرهم ومستقبلهم. وسيضل الإصلاح السياسي والديمقراطي هو المدخل لذلك التحرك المنشود، الذي يستطيع، وحده، أن ينقذ ركاب السفينة، أما اقتراحنا فواضح وبسيط، نقاش عام يشارك فيه الجميع دون استثناء أو إقصاء…) 2 . وبدل الرضا بدستور ممنوح، سيكون من اللازم انتخاب جمعية تأسيسية بواسطة التصويت الشعبي عقب نقاش طويل لا تستثنى منه أية تشكيلة سياسية أو شخصية مستقلة) 3 .


[1] الإسلام والحداثة ص 321.\
[2] نفسه.\
[3] نفسه.\