يعرف قطاع التعليم بالمغرب مجموعة من التحولات المختلفة التي تبرز وضعا مضطربا، تعبر عنه التقارير الدولية والاعترافات الرسمية التي تقر بوجود فشل عام يمس مستويات عدة من منظومة التربية والتعليم، تحول دون تحقيق الشعارات المرفوعة وتحقيق تعلم جيد منتج ونافع للبلاد ولمستقبل التلاميذ. وربما هذا ما دفع بالمسيرين للقطاع إلى اقتراح خطة جديدة لإصلاح التعليم من خلال “الرؤية الاستراتيجية” التي أعلن عنها المجلس الأعلى للتعليم والتدابير ذات الأولوية التي قدمتها الوزارة.

ومن أجل تسليط الضوء على وضع التعليم بالمغرب، ومن أجل التداول حول مجموع هذه المستجدات، يسر موقع الجماعة. نت أن يحاور الدكتور مصطفى شكٌري، المفتش التربوي والباحث في قضايا التربية والتعليم، ومنسق وحدة التربية والتعليم بالمركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات.

وفي ما يلي النص الكامل للحوار.

يجمع كثير من المتتبعين أن الدخول المدرسي لهذا الموسم الدراسي 2016/2017 كان دخولا استثنائيا. ما هو تقييمك لهذا الدخول؟ وما هي أهم المشاكل التي اعترضت عملية عودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة؟

دعنا نقول ابتداء إنه يصعب أن نتحدث عن “الدخول المدرسي” بالمعنى المتداول في الأدبيات العامة والتي تلحقه بالدخول الثقافي والدخول السياسي، ذلك أنه في ظل الغموض العام للمفاهيم والمصطلحات المسوقة في حقلنا التعليمي وفي ظل الحقائق الملموسة على أرض الواقع التي تكشف أن “الدخول المدرسي” عندنا واقعا وحالا إنما يتحقق على مستوى المقرر الوزاري وعلى مستوى الدعاية التلفزية، يصعب جدا الإقرار بوجود دخول مدرسي حقيقي سليم.

ثم إن التوصيف السليم للدخول المدرسي لهذا الموسم ليس هو الوسم الاستثنائي بل الوصف الكارثي الذي التصق به منذ مواسم مضت. أي أن الدخول المدرسي لهذه السنة لا يختلف من حيث التوصيف الكارثي عن نظرائه خلال الأعوام الماضية. وقد غدا عندنا لحظة مؤلمة ضاغطة نفسيا واجتماعيا وماديا على مختلف المعنيين والمتدخلين ابتداء بآباء وأولياء التلاميذ ومعاناتهم في توفير ما تتطلبه هذه اللحظة من حاجيات مدرسية تثقل كاهل طبقات مجتمعية أهلكها الإفقار أصلا وفصلا، مرورا بالطاقم التدبيري المحلي ومعاناته في مسايرة التعليمات الرسمية البيروقراطية التي تنشغل أكثر بملء التقارير وتدبيج المراسلات وتدبير أزمات مزمنة لتيسير ولوج التلاميذ إلى مقاعد الفصول في ظل شح الإمكانيات وكثرة المتطلبات وقلة الموارد البشرية، وانتهاء بالطاقم التربوي الذي وجد نفسه هذه السنة أمام معضلة الاكتظاظ، إلى جانب معضلات أخرى أصبحت معتادة في النسق التعليمي تحول دون أداء تربوي ناجع وناجح ومحقق للمطلوب.

إلى جانب ما سميته بمعضلة الاكتظاظ، ترى ما هي أهم المشاكل التي طبعت هذا الدخول المدرسي وما هي أهم القضايا التي أثرت على السيرورة السليمة لهذا الدخول؟

من المهم جدا التأكيد أن الاكتظاظ هو تجل من تجليات أعطاب المدرسة المغربية الناجمة عن سنوات طويلة من التدبير السيء للقطاع التعليمي، وهو تجل يحول دون توفير بيئة مناسبة لممارسة تدريسية بانية سليمة. ومن خلال المعاينة المحايثة عبر الخرجات المتتبعة للدخول المدرسي يمكننا إجمال بعض المشاكل الكبرى التي اعترضت هذا الدخول المدرسي في ما يلي:

– الخصاص على مستوى الموارد البشرية مما ألجأ المدبرين الجهويين والمحليين إلى سياسة ضم البنية التربوية، وتكليف المدير الواحد بمهام إدارة مؤسستين أو ربما أكثر. ولدينا معطيات إحصائية تفيد أنه في بعض النيابات هناك 43 مؤسسة ابتدائية من دون مسير إداري، هذا إلى جانب أداء بعض المديرين لمهام الحراسة العامة والاقتصاد.، لن ننسى طبعا الخصاص في المدرسين والالتجاء إلى إعادة تدبير ما يسمى بالفائض بعد إعادة حشر العشرات من المتعلمين في الفصول المكتظة وآثار ذلك على الاستقرار الاجتماعي والنفسي لهيئة التدريس ناهيك عن آثاره التربوية على الجودة، ولن نتحدث عن خصاص أعوان الحراسة والنظافة بل والطباخين في بعض المطاعم المدرسية؛

– تأخر توصل المؤسسات التعليمية بالكتب واللوازم المدرسية بعد إسناد تدبير مبادرة مليون محفظة لوزارة الداخلية من دون بيان الأسباب التي تم بها نزع هذا التدبير من وزارة التربية الوطنية، مع ما في ذلك من غمز ولمز واضحين لشفافية التدبير العام للوازرة للعملية فيما مضى. وقد سجلنا في بعض المؤسسات أنه وجهت تعليمات شفهية بعدم توزيع اللوازم المتوصل بها إلا بعد حضور أعوان السلطة رغم ولوج التلاميذ للأقسام (أزمة ثقة أم رغبة في سلامة التوزيع؟؟). طبعا لا تسأل عن الجودة. زد إلى هذا عدم توفير مقررات مادة التربية الإسلامية وفق المنهاج الجديد مما عطل تدريس هذه المادة؛

– تهالك واهتراء بعض بنيات الاستقبال بسبب التقادم الزمني الذي يصل إلى أكثر من أربعين سنة، وغياب الشروط الصحية في بعض المؤسسات التربوية بسبب عدم الربط بالماء الصالح للشرب وللنظافة العامة وغياب الربط بالكهرباء، وضعف الصبيب العام للأنترنيت أو غيابه، وانعدام توفير النقل المدرسي وصعوبة مسالك الولوج وغير ذلك من مشاكل تحول دون توفير عرض مدرسي مقنع ومغر ومحفز وملائم؛

– استمرار الهدر المدرسي خاصة بالنسبة للفتيات بسبب غياب سياسة للقرب، وبسبب استمرار نزوع الأولياء إلى عدم السماح باستمرار تمدرس بناتهم أو حتى أولادهم بسبب بعد المدرسة، وتغييب بنيات الاحتضان الملائمة، وعدم توفير وسائل النقل، وسيادة الهشاشة والفقر، وضعف آليات التحفيز والتواصل؛

– استمرار الحذر من المدرسة إن لم نقل ما تقوله التقارير الرسمية من فقدان الثقة في المدرسة، يظهر ذلك في ضعف انخراط الشركاء المحليين في دعم المدرسة وفي التواصل مع المحيط العام للمؤسسة التعليمية.

على المستوى العام تميز الدخول المدرسي لهذا الموسم باستمرار الإجهاز على الحقوق المادية العامة للمدرسين ولعموم الموظفين خاصة من خلال إعمال الاقتطاعات من الأجور بعد دخول قرار إصلاح “التقاعد” حيز التنفيذ، وباستغلال الدولة لوضعية الأساتذة المتدربين من أجل سد الخصاص المهول في الأطر التربوية، عبر إسناد مسؤولية التكلف بالقسم أثناء التداريب الميدانية من دون امتلاك الكفايات المهنية اللازمة لأداء هذه المهمة، في ظل الظروف العامة التي مر منها تكوين هذه الفئة وهو ما يشكل مسا خطيرا بمسؤولية مهنة التدريس، ومسا خطيرا بالحقوق المادية لهذه الفئة، ومسا أخطر بحق الناشئة التعليمية في تدريسية جيدة.

على المستوى التربوي تميز هذا الدخول المدرسي بتعثرات بينة شملت تنزيل عملية التقويم التشخيصي من دون رؤية واضحة ولا عدة منجزة ولا رزنامة زمنية مناسبة وكافية، وبتعثرات مست تفعيل مشاريع المؤسسة وآليات التدبير الداخلي، وبإشكالات أخرى همت تنزيل المنهاج الجديد للتربية الإسلامية في غياب للكتاب المدرسي، كما همت تنزيل مشاريع الرؤية الاستراتيجية، وتدبير عملية تأطير الأساتذة المتدربين على نحو عشوائي وبتدبير ارتجالي وبتدخل أطراف متعددة ستحول دون تقييم واقعي وعلمي للأداء الميداني لهؤلاء المتدربين.

ذكرت أن هذا الدخول المدرسي يتم في ظل تنزيل مشاريع “الرؤية الاستراتيجية” التي تعد إصلاحا جديدا لمنظومة التعليم بالمغرب. هلا حدثتنا عن السياقات العامة التي حكمت بناء هذا الإصلاح الجديد؟

نقصد عموما ب”الرؤية الاستراتيجية” الوثيقة التي أصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي والتي حملت شعار: “من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء”، والتي حددت مدى زمنيا للإصلاح يمتد من سنة 2015 إلى سنة 2030. في نظري لا يمكن عزل هذه الرؤية “الجديدة” للإصلاح عن السياقات التالية:

– نهاية عشرية تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين بدون تحقيق الغايات المرجوة منه، مما ألزم السلطة السياسية الدعوة إلى إعداد برنامج استعجالي لتثمين الإصلاح، واستكمال جوانب النقص فيه؛

– نهاية البرنامج الاستعجالي ونهاية شعارات التحقيق الفعلي لإلزامية التمدرس، وحفز المبادرة والتميز، ومواجهة الإشكالات الأفقية للمنظومة؛

– تداعيات تجدد خطاب الأزمة لدى السلطة الرسمية التي كررت انتقادها الشديد للأداء الحكومي في تدبير الشأن التعليمي وتحميلها وحدها المسؤولية العامة للوضع الكارثي للتعليم؛

– تصدر المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي المشهد التعليمي وسيطرته على مجريات توجيه السياسة التعليمية باعتباره مجلسا معينا من طرف القصر؛

– عقد وزارة التربية الوطنية لسلسلة اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية، وإعلان المجلس الأعلى عن عقد لقاءات شبيهة سميت باللقاءات الحوارية الجهوية لتأهيل منظومة التربية والتكوين؛

– اتخاذ الجهاز الحكومي لمجموعة من الإجراءات التدبيرية كان أبرزها الاقتطاع من أجور المضربين وفك الارتباط بين التكوين والتوظيف، وبدايات تمرير بنود “إصلاح” أنظمة التقاعد؛

– إصدار الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين لتقرير تقييمي لسيرورة تطبيق الميثاق شمل دراسة وضعية التعليم خلال الفترة الممتدة ما بين سنة 2000 إلى حدود سنة 2013 عرضت فيه الهيئة مجموع الإنجازات والاختلالات التي وسمت هذه المرحلة، وهو أول تقرير يستجيب لما كان قد دعا إليه الميثاق من تقييم دوري للمنظومة؛

– خروج الوزارة بمشاريع “التدابير ذات الأولوية” غطت تسعة محاور أساسية وشملت ثلاثة وعشرين تدبيرا يحاول التقدم بتصور جديد لمدرسة متجهة نحو المستقبل؛

ولعل الجامع بين هذه السياقات جميعا هو مركزتها لخطاب الأزمة الذي يلقي باللائمة على الأجهزة التدبيرية فقط، وتنازع القرارات بين المجلس المعين والجهاز التنفيذي، واتسام الإجراءات التنزيلية باعتماد المنهجية المعتادة في الاستعجال وغياب التواصل وانعدام الثقة.

ما الجديد الذي تحمله هذه المنظومة؟ وما التصور الذي تقدمه لمعالجة الأعطاب التي وقف عليها التقرير التقييمي لتطبيق الميثاق وأقرها الخطاب الرسمي والتقارير الدولية والوطنية في غيرما مناسبة؟

إن الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015/2030 هي ثمرة مقاربة استندت إلى خلاصات التقارير التركيبية للقاءات الحوار الجهوي التي تحدثت عن اختلالات عميقة عمت الرؤية العامة الموجهة للإصلاح ومجالات الحكامة والتمويل والتدبير ومردودية المدرسة ووظائفها المجتمعية المختلفة. كما استندت هذه الرؤية إلى نتائج التقرير التحليلي لتطبيق الميثاق التي اعترفت بفشل المدرسة في إخراج مواطن مسؤول مؤهل ذي سلوك مدني، كما أكدت نتائج هذا التقرير وجود مشاكل عويصة في تعميم التمدرس وتوسيع العرض المدرسي، وبتسجيل خروقات كثيرة في الشفافية المالية والحكامة الجيدة، وبضعف التعلمات الأساسية وسيطرة السلوكات العنيفة واللامدنية في المدرسة المغربية.

وتخلص الرؤية بناء على هذا إلى القول بالحاجة إلى “تخطيط استراتيجي” وإلى “انتظام” في متابعة البرامج وتقويمها، ولأجل ذلك رفعت الرؤية ثلاثة خيارات كبرى هي: الانصاف وتكافؤ الفرص، وخيار الجودة للجميع، وخيار الارتقاء بالفرد والمجتمع، وجعلت لكل خيار ما سمته برافعات للتغيير تروم تحقيق تعميم التمدرس وإلزاميته، وتحقيق المساواة فيه، وإرساء مدرسة ذات جدوى وجاذبية، واستدامة التعلم وتطوير النموذج البيداغوجي، والتمكن من اللغات، والنهوض بالبحث العلمي، وتقوية الاندماج السوسيوثقافي، وترسيخ مجتمع المواطنة والديموقراطية والانخراط الفاعل في اقتصاد ومجتمع المعرفة.

الذي يلاحظ هذه الخيارات وتلكم الرافعات يجد فيها استنساخا معادا مكرورا لشعارات و مشاريع سبق أن تم رفعها في سياقات الميثاق الوطني والبرنامج الاستعجالي. ما زالت المنظومة تطمع إلى تعميم التمدرس بعد أكثر من ستين سنة من الاستقلال، لم تقف المنظومة بعد على الوصفة السحرية لتحقيق الجودة والمساواة، لم تعثر المنظومة بعد على وجهة تحقيق المدرسة المواطنة الفاعلة المنخرطة في عوالم التكنولوجيا المعرفية والتقنية، أضاعت المنظومة تعلمات التلاميذ في تجريب وصفات بيداغوجية لا تستجيب لحاجياتهم ولا تعبر عن تطلعاتهم ولا تمكنهم من تعلم جيد بمواصفات جيدة…

ترتهن الرؤية إلى منطق المقاربة التقنوية المغيبة لمكمن العطب الحقيقي في تدبير المنظومة، وتغيب النهج التشاركي الحقيقي في تشخيص وضعية التعليم وبلورة تصور للتغيير معقول مبني بصيغة تشاركية. كما ترتهن إلى الطريقة ذاتها في تضخيم المفاهيم وكثرة المشاريع وتعدد الرافعات وتسريع التنزيل وترسيم القرارات وصناعة ضجيج يوهم بوجود وحقيقة “نقاش مجتمعي” حول قضية التعليم.

إن المؤلم في هذه الرؤية وربما في غيرها مما سبقها مضيها في تمرير التطبيع مع قرارات وتصورات وإجراءات يمكن أن تضع معنى ومبنى مدرسة عمومية وطنية في وضع المتجه نحو المجهول.

هل بوسعك أن تبرز لنا هذا الجانب الذي ترى أنه يمس وجود معنى المدرسة العمومية؟ وبصيغة أخرى، هي مؤاخذاتكم على هذه الرؤية التي تطرحها الجهات الرسمية لإصلاح التعليم؟

دعنا نتحدث عن بعض من الأعطاب التي تم الإقرار بها رسميا ولنورد في ثنايا ذلك بعضا من لغة الأرقام (أرقامهم هم حتى لا نتهم بالتحيز) لنضع القارئ الكريم في قلب الوضع الكارثي للتعليم ولنعي جيدا حجم الكارثة. يقول الخطاب الرسمي المعلن و المكتوب:

– لم تستطع المنظومة التربوية المغربية الوفاء بأهداف الألفية في مجال تعميم التمدرس ومحو الأمية مما أفرز هزالة في المخرجات الملائمة لمتطلبات التنافسية وضعفا شديدا في التحصيل العلمي والمعرفي و المهاري، وفي الأخذ بزمام التكنولوجيا الحديثة (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. التقرير السنوي. 2012. والنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية. أكتوبر.2013)؛

– افتقاد استراتيجية واضحة لتصور مدرسة مغربية، وعدم وضوح الغاية من المدرسة، وغياب استقرار السياسة التربوية. (اللقاءات التشاورية حول المدرسة المغربية)؛

– إن هناك غيابا ل “المشروع الحضاري الواضح” و”انعداما للإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح” و”تغييبا لآليات التسيير والحكامة الجيدة و”ضعفا” لجاذبية المدرسة و”تدنيا” للصورة الأخلاقية للفاعل التربوي (لقاءات الحوار الجهوي حول تأهيل المنظومة)؛

وقد أورد التقرير التقييمي لتطبيق الميثاق معطيات رقمية نتركها تتحدث بنفسها عن هول الكارثة:

– لم يتم بلوغ عتبة 1% من الناتج الداخلي الخام في الإنفاق على جانب البحث العلمي؛

_ 43% من مجموع المدارس الابتدائية لا تتوفر على الماء الصالح للشرب و64% منها لا تتوفر على المراحيض؛

_ من بين كل 100 تلميذ مسجل برسم الموسم الدراسي 1999/2000، 35% من هؤلاء المتعلمين بلغوا نهاية السلك الابتدائي في سنة 2005 دون تكرار، 18% وصلوا السلك الإعدادي، 6% وصلوا السلك التأهيلي، و3% فقط حصلوا على البكالوريا دون تكرار.

– هزالة الحصة الممنوحة لمحو الأمية مـن الميزانية المرصودة، إذ لم تتعد فـي المعدل حدود 28 درهما للفرد سنويا سنة 2012؛

– 58 % فقط من الجماعات القروية تتوفر على مؤسسة إعدادية سنة 2012؛

– هزالة القيمة المالية للوجبة الغذائية اليومية لكل تلميذ إذ تتراوح بين درهم ودرهم ونصف؛

– ضعف الطاقة الاستيعابية للتكوين المهني وللتربية غير النظامية حيث تضيع نسبة 72 % من هؤلاء؛

– تضاعف ظاهرة التسرب الجامعي حيث سجلت مغادرة عدد مهم من الطلبة الجامعة دون الحصول على شهادة (64 %)؛

طبعا وغير هذا كثير مؤلم يشمل النظرة للمدرسة ووظائفها على مستوى التربية والقيم والثقافة، ويغطي الاختيارات اللغوية والجوانب البيداغوجية، وآليات التدبير والمتابعة والتقويم مما لا يتسع المجال لحصره لكثرته واتساع فتوقه على الراتق.

وعلى حجم هذا الكوارث التي يتم الإقرار بها رسميا وتداولها وكأنها أمر عادي من دون إدراك واع وحقيقي لخطورة الوضع على وجود المدرسة المغربية وعلى مستقبل الناشئة التعليمية وعلى مستقبل طاقات البلاد ومقدراتها، نجد أنه يتم الالتجاء إلى مقاربة الوضعية من المنظور نفسه وبالطريقة نفسها وهذا لعمري عند العقلاء لعين السفه وقمة العبث والبؤس، إذ إنه من المعلوم عقلا وواقعا أن سلوك الطريق نفسه واعتماد الأساليب ذاتها لا يمكن إلا أن يؤدي إلى النتائج نفسها. الذي يقع عندنا وبالتتابع: تصدر تقارير دولية تدق ناقوس الخطر، خطاب رسمي يلوم الجهاز التنفيذي المسكين، مجلس معين يضم “خبراء”، نقاش صوري سريع، ركام وثائقي كثير، مشاريع متعددة، تنزيل متسارع متراكم، تكوينات مبتسرة غير علمية، تنفيذ مرتجل، متابعة غائبة، تقويم منتقى موجه. تكون الخلاصة هدرا للمال وللجهد وللوقت وعودة إلى نقطة الانطلاق خطاب رسمي يلوم الجهاز التنفيذي على عدم قدرته على استكمال الإصلاح وإنجاز المطلوب. وكفى.

لا شك أن مختلف هذه الاصلاحات الممتدة لعقود دون أن تثمر نتائج معقولة مناسبة للجهد المادي والمعنوي تطرح سؤالا مقلقا هو أين الخلل؟ ولماذا لم تجد مختلف هذه الوصفات في معالجة وضعية التعليم؟ وما الحل الذي يمكن أن يكون مدخلا حقيقيا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من منظومة يجمع الكل على إفلاسها؟

من المؤاخذات الجوهرية التي يسجلها الدراس الرصين على الرؤية الاستراتيجية وعلى مجموع ما أسميه بالركام الوثائقي النازل لإصلاح التعليم ما يلي: (وهذا سبق أن وضحناه وشرحناه في تقرير المغرب في سنة 2015 الذي صدر عن المركز المغربي للأبحاث وتحليل السياسات فلينظر في مظانه)، على المستوى المرجعي هناك صمت تام عن مفهوم المدرسة العمومية التي تمتح من هوية الأمة ومن حاجياتها الحالية والمستقبلية مع إقصاء مبهم للتعليم الأصيل واتخاذ قرارات تحكمية في مناهج وبرامج التعليم العتيق على نحو يقلص من حضور المواد الدينية المعتادة لصالح مواد التعليم العام. في هذا الصدد وإن اعترفت الرؤية بفقدان المدرسة المغربية لوظائف التربية وافتقادها للقيم فإنها تقوم بعملية تعويم لقضية الهوية الإسلامية للمواطن المغربي ولقيم الدين الإسلامي مقابل الإعلاء البين من مفاهيم قيمية غربية واضحة الخلفية الفلسفية والمعرفية.

نلمس في الرؤية توجها مريبا نحو إعطاء التعليم الخصوصي مكانة اعتبارية متميزة وكذا نحو الإسراع بولوج المتعلمين إلى سوق شغل لا أحد يدري أين هو في ظل بطالة قوية وسوق شغل غير مؤهل. أيضا نجد الاستمرار في التمكين لفرنسة التعليم واعتماد خيارات التعدد اللغوي منذ السنوات الأولى للتمدرس.

على المستوى المنهجي، لم تكن الرؤية وليدة حاجيات ذاتية مؤسسة على تشخيص علمي ودقيق وبإشراك واسع وحقيقي إنما خضعت لضغوط سياقات دولية وتأثير خطابات رسمية أفرزت ركاما من الوثائق التي يعمل على تنزيلها على نحو متسارع دفعة واحدة، ثم إنه على الرغم من اختلالات الميثاق و تطبيقه ظلت الرؤية أسيرة الميثاق نفسه وأسيرة سقف سياسي متحكم فيه مما جعلها غير قادة على مساءلة المسؤول الحقيقي عن الوضع المتردي للمنظومة ولا على معالجة قضايا المشروع المجتمعي وقضية الإرادة السياسية للإصلاح.

أين يكمن الخلل إذن؟ لنعترف أنه ومنذ ابتداء زمن الإصلاحات لم تكن هناك نية حقيقية وإرادة سياسية للإصلاح لسبب واضع للعيان هو أن الاستبداد والتعليم ضدان لا يلتقيان. ينبني عن هذا أن الحكام على خلاف ما يروج له لم يفشلوا في معالجة قضية التعليم بالنظر إلى أنهم كانوا دائما ينتجون المواطن الصالح لهم وتلكم هي غاية أية منظومة تربوية تعليمية.

لقد ظل التعليم طوال سنواته هذه كلها أسير قبضة الحكام على مستوى التنظير والتوجيه السياسي لمدخلاته ومخرجاته، وظل أيضا أسير قبضة الاستجابة لمتطلبات الدول المانحة وموضع التنازعات السياسوية للتوجهات الحزبية للأجهزة المدبرة. وهذا يعني أن قرارنا التعليمي لم يكن قط حرا ولا مستقلا ولا مستجيبا لهوية المتعلم ولحاجياته وحاجيات البلاد.

ويوم نمتلك قرارنا التربوي وإرادتنا الحرة في الاختيار نكون قد وضعنا الرجل الأولى على المسار الطويل لرحلة التغيير المنشود. وسبيل ذلك، بعد انفكاك رقبة التعليم من قبضة الحاكم وقبضة الإملاءات وسراديب السياسة السياسوية، أن يصبح التعليم قضية الشعب كل الشعب تجتمع عليها إرادات قواه الحية وأهل المروءة والفضل والخبراء الحقيقيون لفتح حوار عمومي حر نزيه لبناء حافز التعليم والتعلم، وبناء تصور يستقي من هوية الشعب، ويستجيب لحاجياته المعرفية وكفاياته العملية بلغته القوية الواثقة من اقتحام عوالم المعرفة المنفتحة.