لم يسفر موعد السابع من أكتوبر عن جديد يذكر، سوى ما يمدنا به من شواهد إضافية تزكي عبثية السلوك الانتخابي وتكشف غربته عن المزاج العام لفئات الشعب الواسعة. حتى تلك المستويات الخطيرة التي بلغتها نسبة المقاطعة خلال هذا الموعد صارت إحدى خواص الموسم الانتخابي المغربي في عمومه وإن كانت كل نسخة من هذه المواسم تأتينا بمعطيات لافتة. ففي الوقت الذي حافظت فيه جبهة الرفض الشعبي على تماسكها وصلابة موقفها وجددت من وسائل التعبئة له، عاشت كبريات النوادي السياسية إحدى أشد لحظاتها خيبة وانتكاسا، وهي تفقد رصيدها الانتخابي نزفا بعد نزف وتنقلب – بمعيار الامتداد – إلى ما يشبه أحزابا جهوية أو إقليمية دون أن تتخلى عن أوهام الشرعية التاريخية.

المؤكد اليوم أنه لا إرادة شعبية ولا شرعية إلا لخيار المقاطعة الشاملة، بعد أن اتسعت جبهة الرفض لتبلغ حدود واحد وعشرين مليون مغربي؛ أي ما يوافق ثلاثة أرباع البالغين من ذوي الأهلية الانتخابية، والذين قاطعوا التصويت وتسببوا في بروز مشهد انتخابي عجائبي غاب عنه الناخبون فأفقدوه أي سند شعبي يقوي مشروعيته. ولأن للأرقام خطورتها في السياسة فإن المخزن ومؤسساته كان في حرص دائم على تقييد التصويت بالقوائم الانتخابية بدل البطاقة الوطنية ليضمن رقم مشاركة يرتفع به قليلا عن عتبة الإفلاس الشامل.

إن أي قراءة لمخلفات الموعد أعلاه لا تستحضر معطى العزوف الشعبي الكبير عن مباركة المسعى الانتخابي بشروطه الراهنة ولا تقف عند أرقامه المخيفة ولا تسجل شهادتها التاريخية بأن خللا ما يعترينا فهي قراءة مجحفة بل وخائنة للوطن. كيف يستقيم أن تتخلى الفلسفة الديمقراطية عند الأحزاب السياسية عن شرط ˝الإرادة الشعبية˝ وتتجاوزها مكتفية بما تيسر من أصوات الأهل والعشيرة وفئات من المؤلفة قلوبهم؟ كيف يستقيم عند هؤلاء مسعى الاستفراد بالوطن واختطافه داخل مؤسسات لا مَتَاتَ لها بالشعب؟ أسئلة كهذه لا شك تَشْخَص بنا أمام معطى بدأ ينضج حثيثا؛ معطى الغياب الكلي لأحزاب وطنية ترتهن للوطن وتصدر عن إرادة شعبه وتترجم آماله وتسير بإيقاع سيره. ما نراه اليوم مجرد كيانات منفعية منبتة مقطوعة الصلة بالشعب، منشغلة بتعداد محاصيلها الانتخابية ولا خبر لها عن خسارات الوطن.

بتمرين ذاكرة سريع نستحضر تجربة التناوب المنقلب عليها، ونسجل بحسرة كيف تمكن المخزن من استهلاك حزب برصيد تاريخي ونضالي معتبر ولَفْظِه بعد عقد من الزمن كتلة متكلسة تنبت على ندوبها فقاعات نضالية كاذبة. ولاية حكومية وحيدة كانت كافية ليفقد الحزب كل شيء، ثم ها هو الآن يفقد معاقله الانتخابية تباعا بعد نفاد رصيده ومضيه خلال تجربته الحكومية في خط تفويت القطاعات العمومية والصمم عن تدبر نداءات الشارع، وشتان بين مستوى المقاطعة وقتها ومستوياتها الآن. أحزابنا تموت تباعا وفي الجانب الخاطئ من الوطن. لا تموت دفاعا عن المواطن الفقير بل تموت على عتبات دار المخزن، مستبدلة إرادة الشعب بإرادته وولاء الشعب بولائه.

وبالعودة إلى مناخ ما بعد جمعة السابع من أكتوبر يتجدد المشهد بالتفاصيل ذاتها وبالمسوغات ذاتها، لكن بعيدا جدا عن صدى الشارع وفي غيابه. أحزاب تتسلى بغنيمة التمثيل النيابي ولا تأبه للإرادة الشعبية المقاطعة. بل وتعد لنموذج حكومي مشابه تماما لما كانت تحاول يوما إصلاحه. في الجانب الآخر تقف جبهة الرفض الشعبية آخذة في الاتساع ومؤمنة بشرعيتها ومراقبة أحزاب سياسية تنتفع بمحاصيلها وأخرى تعالج الموت بعد نفاد المحاصيل.