مقدمة يجب التذكير بها: “الديمقراطية تعني المسار السلمي للوصول إلى السلطة. ولتحقيق ذلك، رسخ الاحتكام إلى آليتين:

– آلية سياسية تتمثل في الأحزاب، والتي بتعدديتها تعبر عن كل فئات المجتمع.

– وآلية إجرائية تتمثل في الانتخابات، حيث يتم الحسم بالاحتكام إلى الشعب ﻷنه صاحب السيادة”.

-1- في المغرب، السلطة الحقيقية تقع دستوريا وواقعا خارج صناديق الاقتراع، وازدواجية النظام السياسي تتمثل في مقابلة كل منتخب بمعين أقوى منه سلطة ونفوذا. لذلك تكون السلطة خارج التداول السلمي، وغاية الانتخابات أن تفرز أعوانا للسلطة الحقيقية في القضايا اﻻستراتيجية.

– تكتفي بهذا السقف! هذا منطق المشاركة. ترفض هذا السقف! هذا معنى مقاطعة الآلية الإجرائية التي ﻻ تتفق مع الغايات.

– ماذا تقول نتائج الانتخابات، مع مراجعة المبيان المرفق؟ تقول أن النظام السياسي يعيش أزمة ثقة حقيقية، وأن الحكومة تظل تمثيلا للأقلية، وهي رسالة تتجاوز الأحزاب لتصل إلى السلطة الحقيقية.

-2- لكن، لماذا علينا أن نجعل كل من قاطع بأن له موقف كلي من المنظومة السياسية؟ نقف هنا أمام التحدي الثاني للنظام السياسي والقوى المقاطعة.

– يثبت النظام السياسي قوة مشروعيته إن سمح بتعددية سياسية حقيقية، حقيقتها أنها تمثل كل مكونات الشعب وفئاته، ﻻ تعددية حزبية ﻻ تستوجب إلا اعتراف وزارة داخليته. تعددية حقيقية لها الحق في الوجود والتعبير عن رأيها بكل حرية وسلمية، وتمكن من الدعوة إلى المقاطعة أو التصويت بالأوراق الملغاة بعد أن يشترط عليها الدعوة بدورها إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية. تكون المعركة عندها بين مشروعين: قبول التعاقد بمنطق الرعية، أو التعاقد بمنطق المواطنة. للشعب أن يختار.

– واقع اليوم أن النظام السياسي يرفض التعددية السياسية الحقيقية، لذلك يمنع تكوينات عدة من التعبير عن ذاتها حتى لو قدمت ملفاتها، وهي من توجهات متباينة.

– ولكن ما موقف الحكومة “المنتخبة” والأحزاب المعترف بها؟ تتواطؤ مع صاحب السلطة الحقيقية في الملف، وفي أفضل حال، تقول أن الملف أكبر منها. لذلك تفقد الانتخابات أهم ركائزها: التنافسية الحقيقية.

-3- انتخابات مغربية تفتقد التنافسية الحقيقية دون أن تعدمها، واقتراع 7 أكتوبر كان التساؤل فيه عن مدى السقف الممكن لتدخل وزارة الداخلية فيه، فغير خاف على أحد انتصارها لحزب خرج من سردابها في مواجهة شعبية حزب العدالة والتنمية بقيادة ربانها السيد بنكيران.

– لم أكن أستبعد شخصيا هذا السيناريو، وقد حصل جزء كبير منه بالنفخ في أرقام الحزب المعروف. لكن إيمان نخبة ممتدة بالآلية الإجرائية واكتفاءها بها دون غاية السلطة الحقيقية يغري النظام السياسي بالاستثمار في ذلك، فأن تواجه خصما في مؤسساتك ودستورك خير من مواجهة خصوم في الشارع بمنطق الندية.

– لو زور النظام السياسي العملية الانتخابية لمنح للشارع السياسي طاقة متجددة وفعالة، بتحول قوى من الشعب مؤمنة بالمشاركة إلى صف من يريدون تغيير قواعد اللعبة بشكل جذري.

– كسب النظام السياسي هذا الرهان بشرط مذل، فأن يسقط حزب الدولة في الانتخابات، ويكتب عليه أن يظل في معارضة لا يلمسها في الواقع أحد، فهو استمرار لتبعات وزلزال 20 فبراير.

– كسبت العدالة والتنمية معركتها الانتخابية عن استحقاق، فهي حزب ممتد ببنية تنظيمية هي الأقوى والأكثر نضالية بين كل الأحزاب الرسمية.

– وخسر الشارع السياسي فئات من اليسار وأسماء أكاديمية أصبحت تروج لمقولة الاكتفاء بالآلية، وأنه ليس بالإمكان أفضل مما هو كائن.

– كسب الشعب وعيا متقدما يفوق نخبه، بعد أن تعلم من حراك الشارع أن الأحزاب السياسية في غالبها تنضبط للمخزن، لذلك كانت معاركه الناجحة في شارع لا يعترف بقيادتها لنضالاته من أجل معاشه وكرامته. لكن هل يمكن للمعارضة الحقيقية أن تستوعب تحولات المشهد السياسي الرسمي، وتعيد بناء استراتيجيتها بنفس وأفق متجدد؟

– لن تنجح المعارضة الحقيقية فقط بإعلان رفضها للمسرحية القائمة، بل يشترط أيضا إقناع غيرها بتصورات تسعى أن تتقاسمها مع غيرها، وتتوجه إلى جذر الشجرة، عوض ضياع عقود أخرى مع فروعها.

– هنيئا لكل الأحرار والحرائر.