يوم 7 أكتوبر

انتهى الموسم الانتخابي.. فاز من فاز وخسر من خسر وقاطع من قاطع.. بعد هذا “العرس الانتخابي” يتجرع الخاسرون طعم الهزيمة السياسية، منهم من سقط من أعلى برجه الانتخابي، ومنهم من كلفته حملته الانتخابية الأموال الطائلة لكن خرج خاوي الوفاض… بينما الفائزون ينتشون بالفوز الذي يعتبرونه شهادة منح ثقة لولاية ثانية. وشكل هذا الفوز مناسبة لانتقاد لاذع للخصوم السياسيين ونعت أهل المقاطعة بالعدمية والسوداوية والانتظارية السلبية.

ومن المشاهد المثيرة التي ينقلها الإعلام، بعد 7 أكتوبر، طريقة تعبير الفائز عن فرحه بالظفر بكراسي السلطة ساخرا مِمن خسر المعركة السياسية، وحزن الخاسر لهذا الاستحقاق الوطني.

في عرف السياسة، تسمى الانتخابات “استحقاقا وطنيا”، على أساس أن المنتخبين يمثلون “المواطنين” وقضاياهم العديدة التي تزداد درجة تعقدها مرحلة بعد أخرى. استحقاق – على وزن استفعال- لم يحقق المأمول رغم تناوب أحزاب سياسية (إدارية – ليبرالية – اشتراكية – “إسلامية”) في تدبير الشأن العام المغربي، ورغم طوباوية البرامج الانتخابية منذ فجر الاستقلال إلى اليوم.

أقلية مشاركة وأغلبية مقاطعة

أكثر من 30 مليون مغربي لهم انتظارات وآمال للنهوض من آلام الوضعيات الهشة في المجال الاقتصادي والاجتماعي. كل خماسية من الحياة السياسية يكون المغاربة على موعد مع موسم انتخابي في حلبة مصارعة بين جل ألوان الطيف السياسي، يتدافعون بشراسة ويتنافسون في تقديم منتوجهم -البرامج السياسية- في أحسن حلة للمغاربة الذين يحق لهم التصويت؛ والذي يقدر عددهم ب 28 مليونا. بالنظر إلى مواقف هذه الكتلة الناخبة من اللعبة السياسية التي تكشف مع كل موسم انتخابي، تبرز الإحصائيات أن عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية يقدر بحوالي 15 مليونا، عدد المصوتين منها حسب بلاغ وزارة الداخلية وصل إلى 43%، أي بما يقدر ب 6 مليون. عملية حسابية بسيطة تؤكد أن عدد المقاطعين اقترب من 22 مليونا؛ أي أن نسبة المشاركة الحقيقية هي 23,89%، بينما وصلت نسبة المقاطعة إلى 76,11%.

البحث عن التحالفات

انتهى الموسم الانتخابي بأقلية مشاركة صاخبة وفرت لها جميع الوسائل للتعبير عن مشاركتها، وأغلبية مقاطعة لم تمتلك إلا وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن أسباب مقاطعتها.

وزعت المقاعد البرلمانية لتتبعها مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة. وهي مرحلة مسبوقة بطور انتقالي وهو زمن البحث عن التحالفات لصناعة تركيبة سياسية قوية تستطيع مواصلة “أوراش الإصلاح الكبرى”، خاصة وأن المغرب تجاوز بصعوبة رياح عاصفة ربيع 2011 التي كانت سببا مباشرا لفوز حزب العدالة والتنمية بانتخابات 2011.

لا يخفي المراقبون توجسهم من مستقبل سياسي غامض ومخيف لمرحلة ما بعد انتخابات أكتوبر 2016، ذلك لأن جميع المؤشرات الأممية والإقليمية والمحلية الرسمية وغير الرسمية تشير إلى تدني الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وإلى فشل الحكومة السابقة في تصحيحه. علما أن الفائزين الجدد المطالبين بتحسين الأوضاع في البلاد هم من قاد الحكومة السابقة الفاشلة في الاصلاح!

وضع سيجعل النخبة الحاكمة تملي “تحالفات سياسية” بين مكونات المشهد السياسي المغربي، ولو كانت البرامج السياسية والتوجهات المذهبية لهذه الأطراف متناقضة! فعالم السياسة اليوم لا تحكمه وحدة الأيديولوجية ولا تجانس البرامج السياسية الحزبية… إنما يحكمه منطق الصداقة والعداوة على قاعدة المصلحة الخاصة وليست العامة. ففي الولاية السابقة شهدنا تحالف الشيوعي مع الإسلامي من جهة، والليبرالي مع الاشتراكي.. ولست أدري ما تخفيه التحالفات القابلة.

تساؤلات ملحة

لست أدري لماذا يتجاهل أهل اللعبة السياسية هذه النسبة الكبيرة من المغاربة التي قاطعت الانتخابات. هل المقاطعون لا ينتسبون إلى الوطن، وبالتالي أسقطت عنهم صفة المواطنة؟

ما دلالات المقاطعة؟ هل هي تعبير عن “لامبالاة” أهلها بمحطة تاريخية مهمة يعتبرها المنظرون “محطة ديمقراطية” بها تقاس درجة تحقيق الديمقراطية؟ أم هو موقف صريح وواضح رافض لعملية انتخابية تطيل عمر الفساد والاستبداد أيا كان الظافر بمقاعد الريادة؟

أما آن الأوان لاعتبار رأي المقاطعين لهذه اللعبة السياسية المكشوفة بدل تجاهلهم؟

أسئلة تتجاوز بالطبع ممثلي مسرحية الانتخابات، يطرحها المقاطعون على صاحب سيناريو اللعبة السياسية. أما الفائز فقد توصل بالتهنئة العرفية – بالنيابة – كما توصل بالتنبيه العلني إلى ضرورة معرفة دوره وحدود خطابه.